قصة شعرية دورة الفريون

عدد الأبيات

٣٩

بسطتُ في محبَّةٍ أجنحتي.. طرتُ بشوقٍ.. سابحًا مِن حجرةٍ لحجرةٍ.. وَطِئْتُ غرفةَ اجتماعاتِ الهوى.. بعدَ مرورِ الموعدِ.

صَرَخْتِ في مُكَبِّرِ الصَّوْتِ عَلَى سَريرِ أَعْمَالِي:

 

– تَأَخَّرْتَ كَثِيرًا سَيِّدِي، وَالْجَلْسَةُ الْأُولَى انْتَهَتْ: أَهْمَلْتَ في مِيعَادِنَا الْمُحَدَّدِ.

 

أَخْرَجْتُ مِنْ جَيْبِي قُصاصةً قَدِيمَةً بِهَا جَدْوَلُ أَعْمَالٍ قَدِيمٌ، عَبَثًا أَبْحَثُ عَنْ مُبَرِّرٍ يَدْفَعُ عَنِّي نَبْرَةَ التَّوَعُّدِ..  

أَدْرَكَنِي يَأْسِي؛ مُعَقِّبًا عَلَى تَأَخُّرِي:

 

– لَابُدَّ أَنَّهُ هُنَاكَ، أَوْ هُنَا، هَلْ تَفْهَمِينَ مَقْصِدِي.. هَنَاكَ جَدْوَلٌ جَدِيدٌ ضَائِعٌ، تَأَكَّدِي.

 

فَتَّشْتُ فِي الْأَنْحَاءِ عَنْ قُصَاصَةٍ ضَائِعَةٍ؛ نَبَشْتُ غُرْفَتِي.. قَفَزْتُ فِي خَزَانَةِ الثِّيَابِ؛ لَمْ أَجِدْ سِوَى مَدِينَةِ الْقُمَاشِ قَدْ تَرَتَّبَتْ بِإِحْكَامٍ شَدِيدٍ مُتْقَنٍ في مِحْبَسٍ مُشَدَّدِ.. أَخْرَجْتُ غَيْظَ مِعْوَلِي.. حَطَّمْتُ أَصْنَامَ الرُّفُوفِ في نِطَاقِ الْمَعْبَدِ.. وَأَنْتِ تَصْرُخِينَ مِنْ تَبَعْثُرِ الْأَزْيَاءِ فَوْقَ الْأَرْضِ.. تُوقِفِينَ فِي جِدِيَّةٍ تَمَرُّدِي، وَتَشْتُمِينَنِي، وَتَلْعَنِينَ بِالسِّبَابِ يَوْمَ مَوْلِدِي؛ صَارِخَةً:

 

–  ثِيَابَنَا.. ثِيَابَنَا..

 

فَوْضَى مِنَ (الْمَارْكَاتِ) تَحْتَ أَرْجُلِي.. جَرَّبْتُ فِي تَخَوُّفٍ مَلْمَسَهَا عَلَى يَدِي.. سَالَ لُعَابِي بِغَزَارَةٍ كَمَسْحُوقِ غَسِيلٍ مُتَوَدِّدٍ لَهَا.. شَفَطْتُ كَالْمِغْسَلَةِ الْهُدُومَ نَحْوَ مِعْدَتِي.. كَانَ مَذَاقُهَا خُرَافِيًّا، وَشَكْلُهَا خَيَالِيًّا.. إِضَافَةً إِلَى تَورِيدِهَا الْمُسْتَوْرَدِ.. بَلَعْتُهَا.. هَذَا عَدَا قُمْصَانِ نَوْمٍ أَثَرِيَّةِ الْوُجُودِ لَمْ تَمَسَّهَا يَدٌ.. كَقَاصِرَاتِ الطَّرْفِ فِي خُلْدِ الْجِنَانِ السَّرْمَدِي.. لَفَظْتُهَا خَارِجَ أَمْعَائِي بِلَا تَرَدُّدِ.. وَأَنْتِ تُتْبِعِينَ صَرْخَةً بِصَرْخَةٍ، وَتَنْعَتِينَنِي بِالْمُعْتَدِي.

 

تَحْتَ سَرِيرِنَا بَحَثْتُ عَنْ قُصَاصَتِي، وَلَمْ أَجِدْ سِوَى مُكَعَّبَاتِ الثَّلْجِ، وَالْعَصْرِ الْجَلِيدِيِّ الْعَتِيقِ.. لَمْ أَجِدْ سِوَى خِيَامٍ في مَهَبِّ الرِّيحِ.. طَقْسٍ مُرْعِدِ.. أَخْبِيَةٍ.. عُدَّةِ تَخْيِيمٍ.. صَقِيعٍ.. حَطَبٍ مِنْ دُونِ نَارِ الْمَوْقدِ.. فَتَحْتُ شُبَّاكِي.. وَجَدْتُ غَيْمَةَ الْأَمْطَارِ تَرْمِي فِي كُفُوفِي وَرْدَةً مِنْ رَعْدِهَا، وَوَرْدَةً أُخْرَى تُعِيذُ حُبَّنَا بِالشَّوْقِ مِنْ عَوَاصِفِ التَّنَهدِ.. في لَمْحَةٍ سَكَّرْتُ شُبَّاكِي.. كَتَمْتُ صَوْتَ تِلْفَازِي.. نَسَفْتُ نَشْرَةَ الْمُنَاخِ.. كَذَّبْتُ بَيَانَ الْمَرْصَدِ..

 

نَظَرْتُ فِي مِرْآتِنَا.. وَجَدْتُ شَيْخًا طَاعِنًا فِي السِّنِّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ.. أَحْرَقَتْنِي شَمْسُهُ.. مَدَدْتُ كَفِّي نَحْوَهُ.. فتَّشْتُنِي.. خَلَعْتُ سُتْرَتِي، وَسِرْوَالِي.. وَقَفْتُ عَارِيًا.. هَرَبْتُ مِمَّا أَرْتَدِي..

 

شَقَقْتُ صَدْرِي بَاحِثًا؛ فَتَّشْتُ فِي قَلْبِي وَجَدْتُ طَرْفَ شِرْيَانٍ ضَلِيلٍ تَائِهٍ يَبْحَثُ عَنْ مَوْطِنِهِ فِي الْقَلْبِ كَالْمُشَرَّدِ، تَعَثَّرَتْ رِجْلِي بِأَطْبَاقٍ بِلَا نَظَافَةٍ، وَوَجْبَةٍ جَاهِزَةٍ سَاخِنَةٍ مِنَ الطَّعَامِ افْتَقَدَتْ بُرُودَةَ التَّجَمُّدِ.. حَاصَرَنِي صَدَى ضَجِيجٍ صَاخِبٍ.. عَاطِفَةٌ تَأْتِي بِأَيِّ لَحْظَةٍ مِنْ غَيْرِ مِيعَادٍ بِلَا تَقَيُّدِ.. دَفْتَرُ أَرْقَامِ بَنَاتِ الليْلِ- ثَرْوَتِي مِنَ التَصَيُّدِ- وَامْرَأَةٌ عَارِيَةٌ تَقْطُرُ مَاءً دَافِئًا – مِنْ أَثَرِ اسْتِحْمَامِهَا بِشَعْرِهَا الْمُجَعَّدِ..

 

اجْتَاحَنِي رُعْبٌ.. حَمَلْتُ طَرْفَ شِرْيَانِي.. بَحَثْتُ فِي بِلَادِ الْبَرْدِ عَنْ مَوْطِنِهِ.. أَوْصَلْتُهُ فَوْرًا إِلَى مَكَانِهَ.. لَعِبْتُ دَوْرَ الْـمُرْشِدِ.. انْهَمَكَتْ أَصَابِعِي تَغِطُّ فِي نَوْبَةِ تَنْظِيفِ الصُّحُونِ، وَالْغَسِيلِ الْمُجْهِدِ.. أَصْلَحْتُ فَوْرًا دَوْرَة الْفِرْيُونِ فِي سِلْسِةِ الْظَّهْرِ.. كَتَمْتُ صَوْتَ مِذْيَاعِي تَمَامًا، وَامْتَصَصْتُ أَيَّ صَوْتٍ صَاخِبٍ مُغَرِّدِ.. عَاطِفَتِي اغْتَصَبْتُهَا.. سَجَنْتُهَا فِي عَالَمِ النُّضْجِ.. ضَبَطْتُهاَ عَلَى حَرَارَةِ الصِّفْرِ.. سَحَبْتُهَا إِلَى الْمُبَرِّدِ.. وَعَدْتُهَا فِي الصَّبْرِ أَنْ أَصْحَبَهَا فِي نُزْهَةٍ بَيْنَ جَحِيمِي مَرَّةً فِي الشَّهْرِ.. فِي مَوَاسِمِ اسْتِعَادَةِ التَّوَرُّدِ.. أَمَامَ أَرْقَامِ بَنَاتِ الليْلِ سَجَّلْتُ عِبَارَةً: “زَمِيلَاتُ دَوَامٍ قَدْ تَرَكْنَ مِنْ عُصُورٍ مَشْهَدي”، عَارِيَتِي أَلْبَسْتُهَا عَبَاءَةَ الصَّلَاةِ.. حَوَّطْتُّ شَذَاهَا بِالْخِمَارِ الْأَسْوَدِ.. خَيَّطْتُ جُرْحِي بِخُيُوطِ الزُّهْدِ، وَالتَّقْوَى.. غَسَلْتُ صَحْنَ صَدْرِي بِلُعَابِي مِثْلَ تِنِّينِ (كُمُودُو) طَائِحٍ مُعَرْبِدِ.. عِدَّةُ قَطْرَاتِ دِمَاءٍ لَوَّثَتْ غُرْفَتَنَا.. وَأَنْتِ تَصْرُخِينَ دَائِمًا، وَتَنْعَتِينَنِي بِالْمُعْتَدِي..

نَسِيتُ إِحْضَارَ مَنَادِيلَ مَعِي.. جَعَلْتُ جِسْمِي فُوطَةً.. تَحَوَّلَتْ مَلَابِسِي إِلَى مِمَصَّاتِ ذُبَابٍ ذَاتِ نَوْعٍ جَيِّدِ.. فَتَّشْتُ فِي سَاعَةِ مِعْصَمِي، وَأَوْقَفْتُ الزَّمَانَ، وَالْمَكَانَ فِي دَهَاءٍ.. وَاعْتَقَلْتُ الْوَقْتَ فِي تَعَمُّدِ.. وَأَنْتِ تَصْرُخِينَ دَائِمًا، وَتَنْعَتِينَنِي بِالْمُعْتَدِي.. ضَجَّ مُنَبِّهُ الرَّضِيعِ بِالصُّرَاخِ فِي الْجِوَارِ..

 

غَادَرَتْ أَشْبَاحُ سَاقَيْكِ عَلَى عُجَالَةٍ وَاجِبَهَا، وَأَنْقَذَتْ لِقَاءَنَا مِنْ مَأْزِقٍ مُعَقَّدِ!

 

المعاني

ـ الفريون: غاز التبريد بالثلّاجة.

– نبشتُ: فتّشت. 

ـ وطئت: دست على أرضها.

–  الماركات: العلامات التجارية: الملابس ذات العلامات التجاريّة.         

ـ التوعّد: التهديد.

– أخبية: نوع من الخيام.

ـ سكّرت: سددتُ.

ـ المرصد: مرصد أحوال الطقس.

تحقق أيضا من

قصيدة امرأة تفصيل

كثيرٌ من ملابسنا يداري ما بنا من عيْبْ