قصيدة الجار للجار

عدد أبيات القصيدة

٥٣

قَلْبِي بِبَابِكَ هَائِمٌ مِحْيَارُ

فَافْتَحْ لَهُ بَابَ الْهَوَى يَا جَارُ

 

وَاسْكُبْ رَحِيقَ الْعِشْقِ في عَتَبَاتِهِ

فَالْقَلْبُ حَجَّاجٌ لَهَا، زَوَّارُ

 

وَابْسُطْ جَنَاحَكَ وَاكْتَرِثْ بِمُتَيَّمٍ

كَمُهَاجِرٍ يُعْنَى بِهِ الْأَنْصَارُ

 

وَانْفَحْ لَهُ الْبَرَكَاتِ عِنْدَ لِقَائِهِ

تَمْرَحْ لِبَهْجَةِ قَلْبِهِ الْأَنْوَارُ

 

أَعْتِقْ حَدِيثًا فِي الْغَرَامِ فَإِنَّمَا

نَجْوَى الْأَحِبَّةِ في الدُّجَى أَذْكَارُ

 

وَاخْفُتْ بِصَوْتِكَ في التَّنَاجِي رَيْثَمَا

تَنْمُو بِهَمْسِكَ بَيْنَنَا أَسْرَارُ

 

وَانْضَجْ عَلَى نَارِ الْحَنِينِ كَرَكْوَةٍ

يَلْتَفُّ حَوْلَ جِمَارِهَا السُّمَّارُ

 

وَامْنُنْ بِذِكْرى لَا تُفَارِقُني؛ فَكَمْ

وَاسَى الشَّقِيَّ بِعِشْقِهِ تَذْكَارُ

 

وَاقْنِصْ بِأَوْقَاتِ التَّبَهُّجِ  لَحْظَةً

فَالْعُمْرُ رَبَّاصٌ بِنَا، جَزَّارُ

 

فَاخْطِفْ مِنَ الْعُمْرِ الْيَتِيمِ زُلَالَهُ

بَيْنَا الْكُؤُوسُ عَلَى الْقُلُوبِ تُدَارُ

 

وَارْشُفْ نَصِيبَكَ مِنْ حَلَاوَةِ شَهْدِهِ

كَيْ يَسْتَلِذَّ دَلَالُكَ الْـمِدْرَارُ

 

وَاعْدِلْ مَرَارَةَ عُمْرِنَا بِالْعِشْقِ إذْ

كُوبُ الزَّمَانِ عَلَى الْوَرَى دَوَّارُ

 

وَاعْمَلْ لِيَوْمِكَ لَا تفتِّشْ عَنْ غَدٍ

إِنَّ اللَّيَالِيَ لِلْمُرِيدِ قِصَارُ

 

قَدْ زُرْتُ قَلْبَكَ فَاسْقِنِي بِسُلَافَةٍ

وَمَعِي دِنَانٌ تَسْتَقِي وَجِرَارُ

 

فَاعْصُرْ هُيَامَكَ مِنْ مُدَامِ الْعِشْقِ كَيْ

تَنْثَالَ في نَاجُودِهَا الْأَنْهَارُ

 

أَكْرِمْ دِيَارَكَ بِالْـمَضَايِفِ وَانْتَخِبْ

خَيْرَ الْقِرَى قَدْ  ضَافَكَ الزُّوَّارُ

 

لَا يَسْتَوِي فَنُّ التَّدَلُّلِ، ذَا الَّذِي

ذَوَّبْتَ فِيهِ السِّحْرَ، وَالْإِنْكَارُ

 

يَا مَنْ تُجَرِّدُ بَدْرَ تِمٍّ مُلْكَهُ

وجَمَالُ بَدْرِكَ لِلسَّمَا مِعْيَارُ

 

طَالَعْتُ شَمْسَكَ بِالطَّوَافِ وَحِجِّهِ

قَدْ ذَابَ عِشْقًا كَوْكَبٌ وَمَدَارُ

 

قَلِّلْ رُوَاءَ بِرِيقِ عَيْنِكَ مِثْلَمَا

قَمَرٌ تَدَلَّى وَالسَّمَاءُ غُبَارُ

 

وَاخْفِضْ جَنَاحَ السِّحْرِ عِنْدَ تَبّسُّمٍ

هُوَ جَنَّةٌ لِلْعَاشِقِينَ وَنَارُ

 

 حَجِّبْ عُيُونَكَ عَنْ عُيُونِ جَمَالِهَا

إِنَّ الْجَمَالَ مِنَ الْجَمَالِ يَغَارُ

 

وَاحْجُبْ عَنِ الْعُشَّاقِ بَجْسَ إِثَارَةٍ

فَقُلُوبُهُمْ تَلْهُو بِهَا الْأَقْمَارُ

 

(وَجُحَا) غَرَامِكَ زَائِرٌ لِقُلُوبِهِمْ

أَدْمَى جِدَارَ شَغَافِهَا مِسْمَارُ

 

قَدْ زُرْتُ قَلْبَكَ وَالتَّشَوُّقُ تُبَّعِي

إِنَّ الْقُلُوبَ إِلَى الْقُلُوبِ مَزَارُ

 

قَدْ جِئْتُ أُوصِلُ دَارَتِي لِدِيَارِهِ

وَتَأَبَّطَتْ وَصْلًا لَهُ الْأَشْعَارُ

 

وَالْجَارُ لِلْجَارِ ادَّكِرْ عَهْدًا بَهِ

لَزِمَ الْوِصَالُ عَلَيَّ والْـمِشْوَارُ

 

كَمْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ دَارَيَ دَارُهُ

قَدْ صَارَ بَيْنَ حِمَاهِمَا أَمْتَارُ

 

بِئْسَ التَّجَاهُلُ مِنْكَ قُلْ لِي مُذْ مَتَى

يُبْنَى لِعَزْلِ الْنَّابِضَيْنِ جِدَارُ

 

إِنَّ الْقُلُوبَ بَرِيئَةٌ مِنَّا وَلَا

يُعْطَى لَهَا كَالْعَاشِقِينَ خِيَارُ 

 

قَدْ رَاغَ قَلْبِي نَحْوَ قَلْبِكَ هَارِبًا

ثُكَنٌ تَحِنُّ عَلَيْهِ أَوْ أَوْكَارُ

 

 وَأَثَبْتَنِي بِقَطِيعَةٍ وَالْقَلْبُ في

فَدَنٍ لِقَلْبِكَ خَائِرٌ مُنْهَارُ  

 

   وَسَأَلْتُ عَنْ قَلْبِي فَقِيلَ: (بِقَصْرِهِ)

  • وَيْلِي عَلَيْهِ قَدِ انْتَهَى (سِنْمَارُ)       

 

قَلْبِي مُرِيدُكَ إِنْ تَمَلَّكَ نَبْضُهُ

مُلْكًا فَقَلْبُكَ شَعْبُهُ الْـمُخْتَارُ

 

وَلَوِ اشْتَهَى الْعُشَّاقُ عِشْقًا كَامِلًا

يُرْضِيهِ مِنْكَ بِذا الْهَوَى مِعْشَارُ

 

فَاضَ الْـمَلَامُ وَفَاضَ بِي يَا مُهْجَتِي

وَتَفِيضُ عَنْ نَبْعِ الْبُكَا الْأَمْطَارُ

 

ضَلَّتْ لَآلِئُ دَمْعِنَا أَصْدَافَهَا

خُرُدُ الدُّمُوعِ عَنِ الْعُيُونِ نِثَارُ

 

أَبْكَى الْغَرِيبَ وَسَادِنَيْ دَمْعِي، الْجَفَا

وَعِنَادُ هَجْرٍ وَالْهَوَى الْغَدَّارُ

 

وَأَبَاحَ هَدْرَ دَمِى افْتِقَادُ لِحَاظِهِ

وَالْـمُهْرَقَاتُ عَلَى اللِّحَاظِ غِزَارُ

 

سَوَّغْتَ يَا قَلْبِي لَهُ دَافَعْتَ عَنْ

جَارٍ تَمُوتُ لِجُرْمِهِ الْأَعْذَارُ

 

يَا مَنْ تَلُومُ عَلَى مُرِيدٍ عَاتِبٍ

وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّهُ الْهَجَّارُ

 

أَبْلَيْتَنِي عُذْرًا وَمَكْرَ ذَرِيعَةٍ

وَأَسَى الْقَطِيعَةِ مَا لَهُ مِعْذَارُ

 

أَسْرَفْتَ يَا جَارَ انْطِوَاءٍ في النَّوَى

غَرُبَتْ لَدَيْكَ بِجيرَةٍ أَطْوَارُ

 

فَاحْدَبْ عَلَى قَلْبٍ يَنُوءُ بِكَسْرَةٍ

وَاحْنُنْ، فَإِنَّ قُلُوبَنَا فَخَّارُ

 

بِالْأَمْسِ أَخْرَسَنِي الْجَوَى، وَالْيَوْمَ مِنْ

صَمْتِ الْحَدِيثِ تُعَرْبِدُ الْأَفْكَارُ

 

ضَمَّ السَّرِيرَةَ وَالطَّوِيَّةَ  في الْهَوَى

شَغَبٌ كَبِيرٌ وَالْحِوَارُ حِوَارُ

 

وَدَخِيلَةٌ همَّتْ تُعَنِّفُ فِكْرَةً

عَنْ عِنْفِ قَلْبِكَ وَالْكَلَامُ يُثَارُ

 

عَنْ مَوْتِ أَخْبَارِ الْحَبِيبِ وَعَرْكَةٍ

بِجَوَارِحي تَتَوَاصَلُ الْأَخْبَارُ

 

وَأُلَـمْلِمُ الْعَبَرَاتِ يَا لَتَأَسُّفِي

خَلَجَاتُ نَفْسِي بَيْنَهُنَّ شِجَارُ

 

يَا جَارَ قَلْبِيَ ذاكَ قَلْبِيَ مُفْصِحٌ

عَنْ عِشْقِهِ وَقَصِيدَتِي إِشْهَارُ

 

خَبَلًا يُمَنِّي النَّفْسَ مِنْكَ بِنَظْرَةٍ

تَمْحُو الْأَسَى لَوْ جَاءَهُ إِشْعَارُ

 

حَتَّى حُصُونِي أَمَّلَتْ أَبْوَابَهَا

فِي فُرْجَةٍ أَوْ أَنْ يُفَكَّ حِصَارُ

 

فَمَتَى سَتُصْلِحُ جِيرَةً يَا جَارُ

وَمَتَى سَيَحْسُنُ بِالْعِنَاقِ جِوَارُ؟

المعاني

(١) محيار: كثير التحيّر والتردد.

(٢) ركوة: وعاء عمل القهوة “كنكة القهوة”.

(٣) ربّاص: كثير التربّص.

(٤) زلاله: الصافي منه، بينا: بينما.

(٥) المدرار: السائل بغزارة.

(٦) اعدل: عادلْ.

(٧) سلافة: خمر، دنان: مفردها دنّ: وعاء ضخم لحفظ الخمر، جرار: مفردها جرّة: وعاء.

(٨) انثال: تنصبّ، ناجود: إناء تصفّى فيه الخمر.

(٩) مضايف: مفردها مَضيفة: مكان استقبال الضيوف، القِرى: ما يُقدَّم إلى الضيف، ضافك الزوّار: طلبوا منك الضيافة.

(١٠) للسما: للسماء.

(١١) رواء: بهاء، قمر تدلّى والسماء غبار: قلل جمالك بما يشبه قمرًا والسماء ممتلئة بالغبار.

(١٢) حجّب عيونك: استر أعينك، من عيون جمالها: من ينابيع جمالها.

(١٣) بجس: تفجير.

(١٤) جحا: شخصية تراثية والإشارة في البيت لقصّة مسمار جحا الشهيرة، شغاف: غلاف القلب أو سويداؤه.

(١٥) تُبَّعي: ظلّي.

(١٦) دارتي: داري، تأبّطت: حضنت أو وضعته تحت إبطها.

(١٧) ادّكر: تذكّر.

(١٨) حماهما: حرم داري وداره.

(١٩) النابضيْن: قلبينا النابضين.

(٢٠) خيار: اختيار.

(٢١) ثكن تحنّ عليه أو أوكار: أماكن اختفاء واختباء تحنّ عليه.

(٢٢) وأثبتني: وكافأتني، فَدَن: قصر.

(٢٣) بقصره: بقصر الحبيب، سنمار: معماري بني قصرًا للملك النعمان بالحيرة وقتل النعمان غدرا.

(٢٤) شعبك المختار: الذي يؤثره على غيره.

(٢٥) بذا الهوى: بهذا الهوى، معشار: عُشر المقدار.

(٢٦) مهجتي: قلبي، البكا: البكاء.

(٢٧) خرُد: مفردها خريدة: اللؤلؤة التي لم تثقب، نثار: فُتَات متناثر.

(٢٨) سادني دمعي: حارسي دمعي: عينيّ أو جَفْنَيّ، الجفا: الجفاء.

(٢٩) افتقاد لحاظه: افتقاد لحاظ الحبيب، المهرقات على اللحاظ: الدموع المهرقة على لحاظي.

(٣٠) سوّغت: برّرت.

(٣١) مريد عاتب: عاشق يعاتب حبيبه، أنه الهجار: أن الحبيب هو الهجّار.

(٣٢) معذار: حجّة أو عذر.

(٣٣) جار انطواء: جار انعزال.

(٣٤) ينوء بكسرة: يُثقَل بكسرته.

(٣٥) ضم السريرة والطويّة في الهوى شغب: اتّفقت خفايا وأسرار الهوى في الشغب والبلبلة.

(٣٦) دخيلة: سريرة والسرّ من أسرار النفس.

(٣٧) عركة: مشاجرة.

(٣٨) العبرات: الدموع، خلجات: شواغل.

(٣٩) إشهار: إعلان وإذاعة.

(٤٠) إشعار: إخطار وإعلام.

تحقق أيضا من

قصيدة المتيّهة

أَنَا قَرِينُكَ تَارِيخٌ تَنُوءُ بِهِ أَنْصِتْ (أُسَامَةُ)، مَا بِالْشِّعْرِ مُفْتَخَرُ