قصيدة المدلهة

عدد أبيات القصيدة

٤٠٠

(أَلَا لَيْتَ  شِعْرِي مَا الْهَوَى بِكَ صَانِعُ

تَوَلَّهتَ   مِنْ  عِشْقٍ،  وَقَلْبُكَ ضَائِعُ 

 

فِدَاؤُكَ قَلْبي مَا  اكْتَفَيْتَ مِنَ الْجَوَى

أَمَا    لِلْعُيُونِ     الْبَاكِيَاتِ      مَوَانِعُ

 

وَهَلْ دَمْعُكَ التَّهتَانُ يُهْرَقُ سَرْمَدًا

أَرَيْتَكَ      هَلْ    لِلدَّمْعِ فِيكَ مَنَابِعُ(١)

 

فَوَيْلي، وَوَيْلَ اللَّاهِفِينَ قُلُوبُهُمْ

وَيَا لَكَ لي.. يَا لي، وَقَلْبُكَ دَامِعُ(٢)

 

تِجَارَةُ سُوقِ الْعَاشِقِينَ عُيُونُهُمْ

وَأَدْمُعُها الْـمُزْجَاةُ هُنَّ الْبَضَائِعُ(٣)

 

تُدَلِّهُ قَلْبَ الْعَاشِقِينَ صَبَابَةٌ

وَلِلْصَبِّ في دَارِ الْحَنِينِ مَوَاجِعُ(٤)

 

وَلَا سَيَّما شَوْقٌ يُحَرِّقُ قَلْبَهُ

وَلَوْتَرَما نَوْحٌ؛ فَتَبْكِي الـْمَدَامِعُ(٥)

 

وَتَبْيَضُّ عَيْنَا مَنْ أَضَاعَ حَبِيبَهُ

وَلِلْقَلْبِ في دَرْبِ الْغَرَامِ مَصارِعُ

 

فَيَا حُزْنَ (يَعْقُوبَ) اكْتَوَى غَيْرَ  مَرَّةٍ

وَيَا أَسَفِي قَلْبِي لِأَجْلِكَ فَاجِعُ(٦)

 

وَكَائِنْ -تَرَى- مِنْ عَاشِقٍ، في هُيَامِهِ

يَذُوقُ مَذَلَّاتِ الْهَوَى، لَا يُمَانِعُ(٧)

 

وَكَمْ مِنْ فَتًى ذَاقَ الْهَوَى غَيْرَ عَابِئٍ

فَذُلَّ بِهِ ذَيَّا الْفَتَى، وَهْوَ طائِعُ 

 

يَذُوقُ إِراتِ الْعِشْقِ يَهْوَى أُتُونَهُ

وَيَحْصُدُ قَلْبُ الْصَبِّ مَا هُوَ زَارِعُ(٨)

 

يَموتُ بِهِ مَوْتَ الْوَلُوعِ، وَشَدَّ مَا

يَذُوقُ مَريضُ الْعِشْقِ، وَهْوَ يُنَازِعُ(٩)

 

وَدَيْدَنُ أَهْلِ الْعِشْقِ طَيُّ جَرَاحِهِمْ

وَوَقْعُ الْـمَآسِي في الْهَوَى مُتَتَابِعُ(١٠)

 

لَهَدُّ الذِي في الْعِشْقِ يُخْفِي انْكِسَارَهُ

وَيُبْدِي إِبَاءً   بَيْنَما    هُوَ  خَاضِعُ(١١)

 

وَوَيْلٌ عَلَى وَيْلٍ لِقَلْبٍ؛ فِإِنَّمَا

تُشَرِّحُ      قَلْبَ الْـمُسْتَهامِ الْـمَباضِعُ(١٢)

 

وَكَائِنْ -عَلَى ذُلٍّ تَرَى- مِنْ   ضَحِيَّةٍ

مَحَا قَلْبَها سُمٌّ زُعَافٌ، وَنَاقِعُ(١٣)

 

وَكَمْ مِنْ شَغُوفٍ ذَاقَ ذُلَّ الْبُكا، وَكَمْ

تَفِيضُ     بِدَمْعَاتِ النِّسَاءِ الْـمَخَادِعُ

 

وَنَوْعَانِ مِنْ صَنْفِ النِّسَاءِ عَلَى هَوًى

فَأُولَاهُمَا هُنَّ الْحِسَانُ الْخَوَادِعُ

 

ذَوَاتُ عُيونٍ صَاحِبَاتُ خَدِيعَةٍ

وَهِتْراتُ أَهْتَارٍ دَوَاهٍ بَوَاقِعُ(١٤)

 

يُقَطِّعنَ بِالسِّكِّينِ صَبًّا، وَسَجْنُهُ

أَحَبُّ لَهُ مِنْ ذَاتِ حُسْنٍ تُمَاجِعُ(١٥)

 

وَفِي سِجْنِهِ     يَا صَاحِبَيْه وَهٍ وَهٍ

تُحَاصِرُهُ تِلْكَ   اللحَاظُ الرَّوَائِعُ(١٦)

 

وَمَنْ قَارَبَ     الْآسَادِ في عُقْرِ دَارِهَا

فَحَتْفٌ وَشِيكٌ بَائِسٌ مُتَسَارِعُ

 

لَـمَوْتٌ لِـمُغْوًى بِالْعُيُونِ مُحَقَّقٌ

وَسَيْفٌ لِلَحْظِ   النَّاعِسَاتِ لَبَاضِعُ(١٧)

 

وَثَانِيهُما هُنَّ النَّوَاعِسُ نِسْوَةٌ

لِأَيْدٍ عَلَى سِكِّينِ عِشْقٍ قَوَاطِعُ

 

هَوَاتِنُ عَيْنٍ  يَسْتَجِرْنَ بِدَمْعَةٍ

فَأُولَاكَ هُنَّ الْفَاتِنَاتُ الدَّمَائِعُ

 

فَآخٍ، وَآخٍ مِنْ غَرَامٍ لِأَجْلِهِ

بَكَتْ هَؤُلِيَّاءِ الْعَذَارَى الْوَدَائِعُ

 

وَهَا هِيهِ هَاهٍ هَيْءَ وَاهًا وَوَيْ لَهُ

وَهَيْتَ لَهُ ذَا العِشْقُ في  الْقَلْبِ لَائِعُ(١٨)

 

هَوَتْ أُمُّ عِشْقِ الْوَهْمِ يَا لَجُنُونِهِ

ذَلِيلٌ بِهِ عَبْدُ الْـمَحَبّةِ خَانِعُ(١٩)

 

بَرَاءٌ، ومَكْفُورٌ بِعِشْقٍ نِصَالُهُ

بِنا طَالَ  مَا عَنَّى، وَآذَى يُجَادِعُ(٢٠)

 

هَجَاجَيْكَ يَا عِشْقَ  الْعَذَارَى هَجٍ هَجٍ

وَهَدَّكَ مِنْ عِشْقٍ لَهُ   القَلْبُ   تَائِعُ(٢١)

 

كَفِيُّ الْهَوَى مَوْتٌ، وَأَنْتَ لِبِرِّهِ

لَهُ بِوَفَاءٍ عُمْرَ  دَهْرٍ  تُدَافِعُ(٢٢)

 

تُبَايِعُ عِشْقًا لَا قَرَارَ لِبِئْرِهِ

حِذَارَ  نُضُوبِ الْعِشْقِ أَنْتَ مُبَايِعُ(٢٣)

 

أَتَطْلُبُ مَجْدَ الْعِشْقِ لَا دَرَّ دَرُّهُ

وَأَنْتَ اهْتَوَرتْ الْأَمْسَ دَهْرًا تُصَارِعُ(٢٤)

 

وَرَبَّتَما مَجْدٍ  رَجَوْتَ بُلُوغَهُ

وَمِنْ  حَيْثُ لَا  تَدْرِي بِهِ الذُّلُّ قَابِعُ

 

وَكَمْ مِنْ فُؤَادٍ خِلْتَ أَنَّكَ مَالِكٌ

وَوَاقِعُ أَمْرِ الْحَالِ أَنَّكَ تَابِعُ

 

وقَلْبُكَ دَرْويشٌ تَيَاهٌ بِقِصَّةٍ

وَتَبْرِيهِ كَالْـمَجْذُوبِ فِيها الشَّوارِعُ(٢٥)

 

يُوَشْوِشُ  أَمْوَاهَ الْبِحَارِ بِسِرّهِ

فَتَبْكِي عَلَى مَا سَوْفَ  يَلْقَى الْقَوَاقِعُ(٢٦)

 

وَمَعْكُودُهُ هَمُّ الليَالي، وَسُهْدُهَا

وَشَتَّى أَعَاجِيبِ الْهُمُومِ يُضَاجِعُ(٢٧)

 

عَلَى كُلِّ جَمْرٍ في الْوَجِيعِ مُقَلَّبٌ

عَلَى سَائِرِ الْأَوْجاعِ قَلْبُكَ هَاجِعُ(٢٨)

 

سَتَشْقَى بِخَيْبَاتٍ، وَتَفْنَى بِنَكْبَةٍ

وَأَنْتَ إِلَى قَلْبٍ مَنُوعٍ  تُنَازِعُ(٢٩)

 

وَتَشْرِي رِضَاءَ الْبَائِعِينَ، وَوُدَّهُمْ

وَيَحْفَظُكَ الشَّاري، وَقَلْبُكَ بَائِعُ

 

فَتَهْجُرُكَ الدُّنْيَا، وصُحْبَةُ أَهْلِهَا

وَلِلنَّاسِ في عُذْرِ التَّخَلِّي بَدَائِعُ

 

يَلُوذُونَ بِالْأَعْذَارِ أَوْجَ مُلِمَّةٍ

وَآفَةُ خِذْلَانِ الْـمُحِبِّ الذَّرَائِعُ(٣٠)

 

لِزَامٌ لَدَيْكَ العِشْقُ تُهْتَ بِأَرْضِهِ

وعَمْرَكَ فيهِ اللهَ مَا  أَنْتَ رَاجِعُ(٣١)

 

وَتُلْقِي عَصَا لِلْعَاشِقَاتِ بِسِحْرِهَا

وَكَمْ مِنْ  عَصَا لِلْمَرْءِ  فِيها مَنَافِعُ 

 

وقَلْبُكُ  فَضَّاحٌ، وعَيْنُكِ قَدْ رَوَتْ

وَحُزْنُكُ فَيَّاحٌ، وعِشْقُكُ ضَايِعُ(٣٢)

 

أَرَيْتَكَ هُلْ تُكْوَى بِعِشْقِ  مَلِيحَةٍ

كَمَنْ قَدْ  مَشَى للْمَوْتِ، وَهْو  مُسَارِعُ

 

وَقَلْبُكَ مُلْقًى في الْوَصِيدِ بِكَهْفِهَا

تُقلِّبُهُ مِثْلَ الشِّوَاءِ الْـمَضَاجِعُ(٣٣)

 

وَمَا انْفَكَّ يُفْنِيهِ الْجَوى، لَا أَبَا لَهُ

وَيَرْضَى بِذُلٍّ في الْهَوَى، وَهْوَ  قَانِعُ(٣٤)

المعاني

(١) تهتان: متتابع كالمطر.

(٢) يالك لي: أستغيث بك منك، يا لي: النجدة.

(٣) مزجاة: قليلة.

(٤) تدلّه: تخبل، تحيّر.

(٥) لو ترما: لا سيّما

(٦) فاجع: متأسّف.

(٧) كائن ترى: كم ترى أو كم أو كأيّن.

(٨) إرات: مفردها إرة: اسْتِعارُ النار وشدَّتُها.

(٩) شدّ ما: ما أشدّ، ينازع: يحتضر.

(١٠) ديدن: عادة.

(١١) لهدّ الذي: ما أقواه وهدّ: يجرى مُجرى المصدر.

(١٢) المباضع: المشارط.

(١٣) سمّ ناقع: سمّ قاتل.

(١٤) هترات أهتار: دواه، بواقع: دواه.  

(١٥) تماجع: تمازح.

(١٦) وهٍ: أحزن. 

(١٧) باضع: قاطع.

(١٨) هاهيه: تقولها العرب عند التوجّع، هاه: آه والهاء مبدلة من الهمزة، هيء: كلمة معناها الأسف على شيء يفوت (يا هيء مالي)، واها: للتعجب (واها من: للتعجب، واها على للتحسّر)، وي له: ويل له، هيت له: عجبا له.

(١٩) هوت أمّ العشق: ياله من عشق.

(٢٠) براء: أنا منه براء، مكفور به: مجحود به، عنّى: سبب لنا العناء، آذى: جلب لنا الأذى.

(٢١) هجاجيك: كُفّ، هجٍ: هجاجيك، هدّك من: يكفيك.

(٢٢) كفيّ: مكافئ، أنت لبرّه بوفاء: لك طول العمر.

(٢٣) حذار: مخافة.

(٢٤) لا درّ درّه: لا خير فيه، اهتورت: هلكت.

(٢٥) تياه: تائه، تبريه: تضعفه.

(٢٦) أمواه: مياه، يوشوش: يتكلّم همسًا.

(٢٧) معكوده: قصارى أمره، يضاجع الهموم: يلازمها.

(٢٨) هاجع: نائم ومستسلم.

(٢٩) تنازع إلى: تشتاق إلى.

(٣٠) أوج ملمّة: في عنفوان وقمّة المصيبة.

(٣١) لزامًا: ملازمًا ولا مفر منه، عمرك فيه الله: سالت الله عمرك فيه.

(٣٢) ضايع: ضائع: فائح.

(٣٣) الوصيد: فناء أو كهف.

(٣٤) لا أبا له: عجبًا لشدّة تحمّله.

تحقق أيضا من

متوالية الملائكة

قال: (مَنْ إلهكَ، ما آثاركَ الطيّبةْ.. وكيف هي الأحوال من بعد رحلةٍ، كيف كانت صفعة التجربة؟)