قصيدة بياض الثلج

عدد أبيات القصيدة

١٠٠

ما الْحُبُّ    عِنْدَكَ    إِلَّا فَنُّ    إِيلَامِي

قَطَعْتَ    بِالْقَلْبِ    يَا قَطَّاعَ    أَرْحَامِ

 

مَا    زِلْتَ     بِالنَّأْيِ تَنْفِينَا،    وَتُدْخِلُنَا

نَارًا    أَتَحْسَبُنَا      عُبَّادَ       أَصْنَامِ؟

 

أَذَابَ       لَيْلَتَنَا     حُزْنٌ      يُرَافِقُنَا

وَمَا  غَرَامُكَ    إِلَّا   حُبُّ      إِرْغَامِ

 

شَرُّ الْبَلِيَّةِ   مَا  في   الْهَمِّ   يُضْحِكُنَا

وَكَمْ  تَوَارَى   الْبُكا  في  ثَغْرِ بَسَّامِ!

 

صَارَ  الْفِرَاقُ أَخًا  لِلْعِشْقِ يَصْحَبُهُ

وَالْهَجْرُ،  وَالْمُلْتَقَى  أَوْلَادَ  أَعْمَامِ

 

وَالْعَنْدُ     شِيمَةَ   عِشْقٍ   أَنْتَ تُزْهِدُهُ

وَالْبُعْدُ   وَا أَسَفًا  مَنْدُوبَكَ    السَّامِي

 

تَحْتَالُ في الْحُبِّ،   وَالْأَشْرَاكُ   تَنْصِبُهَا

وَفِي التَّجَافِي  كَمِ اسْتَحْلَلْتَ إِقْحَامِي!

 

وَتَرْكَبُ    الْبَحْرَ   تَرْمِينِي، وَيَأْخُذُنِي

هَوَاكَ     يُغْرِقُنِي  في  قَاعِ    دُوَّامِ

 

مَا  زَالَ   قَلْبُكَ    يَسْتَهْوِي  مُبَاعَدَتِي

تَسْتَعْذِبُ   الْقَتْلَ، وَاسْتَحْلَيْتَ آلَامِي

 

مَا زِلْتَ تُوهِمُنِي في  الْوَهْمِ تَتْرُكُنِي

وَهَمُّ   قَلْبِكَ  في  الْيَهْمَاءِ  إِيْهَامِي(١)

 

وَالْقَلْبُ    بَاكٍ،    وَمَهْرُودٌ   بِحُبِّكُمُ

قَلْبُ  الْمُحبِّينَ مَمْزُوجٌ     بِأَسْقَامِ(٢)

 

رِفْقًا    بِقَلْبٍ  مِرَارًا أَنْتَ  تَكْسِرُهُ

وَكَسْرَةُ   الْقَلْبِ مِنْ أَفْعَالِ  إِجْرَامِ

 

وَاعْطِفْ، وَخُذْ بِيَدِ الْمَخْدوعِ في هَجَعٍ

وَإِنْ   ضَمَمْتَ؛ فَحَوِّطْنِي   بِإحْكَامِ(٣)

 

وَارْفُقْ  بِقَوْمٍ أَذَلَّ    الْعِشْقُ  عِزَّتَهُمْ

رُؤْيَا    الْحَبِيبِ لَهُمْ أَضْغَاثُ أَحْلَامِ

 

عَلِّقْ    بِجِسْرِ    الْهَوَى  قُفْلًا    لِقِصَّتِنَا

أَوْ في الْخَلِيجِ، وَفِي  بَيْرُوتَ، وَالشَّامِ(٤)

 

مَتَى    يَحِينُ  لِقَاءٌ  كَيْ   يُخَلِّصَنِي

إِنْ مَسَّنِي   وَلَهٌ مِنْ   حُبِّكِ الدَّامِي؟

 

غِبْ كَيْفَمَا شِئْتَ عَنْ عَيْنِي، وَعَنْ نَظَرِي

فَأَنْتَ    تَسْكُنُ   في  وَحْيِي،   وَإِلْهَامِي

 

وَلَوْ    أَطَلْتَ غِيَابًا    في   مَحَبَّتِنَا

أَوِ  اسْتَتَرْتَ  عَنِ   اللُقْيَا   بِإِحْجَامِ

 

لَأَكْتُبَنَّ،     وَحَقِّ الْحُبِّ    مِنْ    أَلَمِي

شِعْرًا لَكَمْ يَرْتَوِي مِنْ كَأْسِهِ الظَّامِي(٥)

 

لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا   في الْوَصْلِ مِنْ عَجَبٍ

لَجِئْتَ      تَسْبَحُ  في     قَلْبِي    كَعَوَّامِ

 

وَلَوْ   طَلَعْتَ   عَلَى   قَلْبِ   الْمُحِبِّ، بِهِ

تَحُلُّ   في  الْعِشْقِ   أَرْوَاحٌ      بِأَجْسَامِ

 

نَمَا    لِعِلْمِكَ     مَا     يَنْمُو       بِبُعْدِكُمُ

وَكَمْ يَئِنُّ  لَهُ   النَّامِي   مِنَ      النَّامِي(٦)

 

تَرْمِي      بِنَارِكَ    فِي   قَلْبٍ    لِوَصْلِكُمُ

يَرْمِي؛ فمَنْ يَهِبُ الرَّامِي  إِلَى  الرَّامِي(٧)

 

لَوْ كُنْتُ  أَدْرِي  جَزَائِي عِنْدَ    قَلْبِكُمُ

لَمَا اتَّخَذْتُ خَدِينِي   قَلْبَكَ   الْهَامِي(٨)

 

وَلَا    تَوَغَّلْتُ    في    حُبٍّ أَذِلُّ   لَهِ

أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْ   تِيهِي،   وَتَهْيَامِي(٩)

 

مَا لِي أُحِبُّ   كَمَجْذُوبٍ،    وَيَسْحَرُنِي

بَدْرٌ   بِأُفْقِ   السَّمَا   في طَوْرِ   إِتْمَامِ

 

أَحْبَبْتُ   لُؤْلُؤَةً   فِي    الْقَلْبِ   هَالَتُهَا

تَلَأْلَأَتْ   خَجَلًا   في حَوْمِ أَجْرَامِ(١٠)

 

مَجَرَّةُ  الْحُسْنِ   قَدْ    فَاقَتْ  كَوَاكِبُهَا

نُورَ السَّمَاوَاتِ سِحْرًا  عِنْدَ إِنْجَامِ(١١)

 

إِذَا تَهَادَتْ   تَرَى   في   الْعَيْنِ  طَلَّتَهَا

كَالشَّمْسِ تُشْرِقُ  في ظَلْمَاءِ   إِعْتَامِي

 

مَكْحُولَةُ  الطَّرْفِ  لَيْلٌ في ضَفَائِرِهَا

كَالْوَمْضِ في سَبَجٍ، أَوْ فَحْمِ نَجَّامِ(١٢)

 

جَادَتْ    بِنُورٍ   إِذَا  وَلَّتْ    حَضَارَتُنَا

بَثَّتْ   تَحَضُّرَهَا    في  عَصْرِ   إِظْلَامِ

 

وَلَوْ    تُدَاهِمُنَا    خَلْسًا      نَسَائِمُهَا

تَصِحُّ    عِلَّتُنَا   مِنْ  لِينِ  أَنْسَامِ(١٣)

 

تَبَارَكَ   اللَّهُ    في   إِبْدَاعِ      فَاتِنةٍ

مِنْ   خَلْقِ   رَبِّكَ  لَا مِنْ بَدْعِ رَسَّامِ

 

إِذَا     أَقُولُ      لِمِرْآةٍ:    (بِرَبِّكِ    مَنْ

أَحْلَى   صَبَايَاكِ مِن  عُرْبٍ،  وَأَعْجَامِ؟)

 

تَقُولُ:  (فَاقَتْ بَيَاضَ الثَّلْجِ لَوْ نَثَرَتْ

حُسْنًا  تُعَبِّقُهُ  في  كُوخِ    أَقْزَامِ(١٤)

 

عَجَائِبُ    الْأَرْضِ  سَبْعٌ ثُمَّ    وَاحِدَةٌ

لَمْ  يَبْقَ   مِنْهَا  سِوَاهَا  بَعْدَ   أَهْرَامِ)

 

يَا   جَائِرَ  الْحُسْنِ  كَمْ أَرْهَقْتَنِي فِتَنًا

وَمَا    افْتِتَانِي  سِوَى  كَوْمٍ   بِأَكْوَامِ

 

أَخْفَيْتُ    سِرِّي   عَنِ  الْأَحْيَاءِ   كُلِّهُمُ

مَا   أَصْعَبَ   الْحِمْلَ في إِسْرَارِ كَتَّامِ!

 

وَمَا اسْتَطَاعَ   التَّخَفِّي كَبْحَ    لَوْعَتِنَا

وَمَا اسْتَطَاعَ مَزِيدُ  الْكَتْمِ إِلْجَامِي(١٥)

 

يَلَومُنِي النَّاسُ في  عِشْقِي، وَأَعْذُرُهُمْ

فِإِنْ   رَأَوْكَ    بِقَلْبِي  كَفَّ    لُوَّامِي

 

أُعَاتِبُ   الْقَوْمَ     مَا أَنْفَكُّ     أَسْالُهُمْ:

(هَلْ تَعْتُبُونَ الْجَوَى  في   قَلْبِ هَيَّامِ؟

 

مَاذَا   تَقُولُونَ في   مُغْوًى   تُشَرِّحُهُ

عَيْنُ الْمَهَا يَبْتَغِي مِنْ حُمْر أَنْعَامِ؟(١٦)

 

أَلَا    تَحِقُّ   لَهُ     بِالشِّعْرِ    تَسْرِيَةٌ

تَمْحُو   عَذَابًا نَمَا مِنْ كَرْبِ أَيّامِ؟(١٧)

 

أَلَا    يُشَاطِرُ    مَنْ  يَشْتَاقَهُ    غَزَلًا؟

فَلا     يَطِيبُ   الْبُكَا    إِلَّا     بِإِسْهَامِ

 

مَاذَا    تَقُولُونَ لَوْ   لَاقَى الْبَرَاءَةَ  في

رُوحٍ،   وَشَكْلٍ، وَأُسْلُوبٍ،   وَهِنْدَامِ؟

 

قَدْ غَرَّبَتْهُ الْمَنَافِي، لَا   يُسَافِرُ   في

تِيهِ   الْمَحَاسِنِ  بَلْ   في حَقْلِ أَلْغَامِ

 

كَيْفَ   انْفِلَاتُ   أُسُودٍ  عَنْ    فَرَائِسِهَا

وَالرِّيمُ كَيْفَ لَها مِنْ نَابِ ضِرْغَامِ؟(١٨)

 

مَاذَا   تَقُولُونَ   يَا أَهْلَ   الْهَوَى جَدَلًا

إِنْ    جُسِّمَ   الْعَبَقُ  الْوَهْمِيُّ  قُدَّامِي؟

 

عَيْنَاهُ   مُدْهَامَّتَانِ،   السِّحْرُ بَيْنَهُمَا

وَكَمْ سَبَانَا   بِسِحْرٍ كُلُّ مُدْهامِ!(١٩)

 

مَاذَا   تَقُولُونَ   عَنْ  قَلْبٍ أُحَبَّ، وَلَمْ

يُشْرِكْ بِهِ   وَلَهًا    يَا     خَيْرَ أَقْوَامِ؟

المعاني

(١) اليهماء: الصحراء، وأرض لا يُهتدى فيها.

(٢) مهرود: ممزّق من شدّة الحب.

(٣) هجع:  سكون، واستسلام.

(٤) جسر الهوى: جسر الفنون على نهر السين.

(٥) الظامي: العطشان.

(٦) النامي من النامي: يئن للبعد الخبر النامي لهم من الوجع النامي.

(٧) الرامي إلى الرامي: الحبيب إلى القلب.

(٨) خدين: صديق حميم.

(٩) تهيام: هيام، عن تيهي، وتهيامي نيابة عنهما.

(١٠) حوم: حومان وتأتي بمعنى قطيع.

(١١) إنجام: تلألأها بالنجوم.

(١٢) سبج: حجر كريم أسود لامع، نجّام: عامل المنجم.

(١٣) أنسام: نسائم.

(١٤) بياض الثلج: بطلة قصّة الأطفال بياض الثلج، والأقزام السبعة.  

(١٥) إلجام: إسكات.

(١٦) حُمر أنعام: كرائم الإبل (يُضرب بها المثل في الرغائب، والنفائس). 

(١٧) تسرية: تفرجة للهمّ.

(١٨) ريم: ظبي خالص البياض جميل الشكل، وأصلها مؤنّث، ضرغام: الأسد الضاري الشديد.

(١٩) مدهام: شديد السواد. 

تحقق أيضا من

قصيدة امرأة تفصيل

كثيرٌ من ملابسنا يداري ما بنا من عيْبْ