قصيدة كعب أخيل

عدد أبيات القصيدة

٥٠

دَوْزَنْتُ بِالْعُودِ  نَغْمَةَ  الْوَطَنِ

عَلَى رَصِيفِ الْجِيَاعِ  وَالْوَسَنِ(١)

 

وَالْجُوعُ مُسْتَوْقِدٌ عَلَى حَطَبٍ

وَالنَّارُ        تَبْتَزُّنِي       وَتَمْطُلُنِي(٢)

 

وَالْبَرْدُ    مُسْتَدْفِئٌ      بِأَغْطِيَتِي

يَعِيبُ     عَزْفِي      مُسَمِّمًا   بَدَنِي

 

وَالذُّعْرُ  مُسْتَقْتِلٌ  لِيَحْضُنَنِي

وَاللَّحْنُ يُخْبِي الْوهِيجَ في لَحَنِي(٣)

 

وَجِلْسَتِي،   مُدْفِئًا   أُهَدْهِدُهَا

عَلَى  رَصِيفٍ   تَخِذْتُهُ   سَكَنِي(٤)

 

تَخَافُ   رَبِّي    الْغَنِيَّ     يُبْدِلُنِي

مَقَامَ   رَغْدٍ بِمَسْكَنِي  الْخَشِنِ(٥)

 

غَنَّيْتُ  وَالدَّرْبُ   جِدُّ  مِسْتَرِقٍ

وَاللَّيْلُ  إِنْ  مَسَّهُ   الْغِنَاءُ   يَنِي(٦)

 

تَابَعْتُ  وَالذِّكْرَيَاتُ  تَدْهَسُنِي

وَطَيْشُ       أَمْطَارِهَا        يُمَزِّقُنِي

 

عَفَوْتُ عَنْهَا  مُسْتَكْمِلًا  نَغَمِي

فَرُبَّمَا   في  الظَّلَامِ    لَمْ    تَرَنِي(٧)

 

أَشْدُو وَطَيْفُ  الْأَنَامِ   يَعْبُرُنِي

لَا  يَعْتَنِي  بي  سِوَى الْبِلَا أُذُنِ(٨)

 

رَمَى      إِلَى      عُلْبَتِي    عَطِيَّتَهُ

آَسَى  غِنَائِي   بِعُمْلَةِ   الشَّجَنِ(٩)

 

وَلَمْ    يُحَرِّمْ      رِضَاعَ   طِيبَتِهِ

تِلْكَ  الَّتِي  عِطْرُهَا  يُضَمِّخُنِي(١٠)

 

تَكَادُ    ذِكْرى    لَهُ   تُشُبَّهُ    لِي

لَوْلَا   ظَلَامٌ   لَقُلْتُ   ذَا   زَمَنِي(١١)

 

تَرْبَحُ     كَفَّايَ     مِنْ    سَكَاكِرِهِ

خَمْطَةَ   حَلْوَى    بِقَسْوَةِ    الْجُنَنِ(١٢)

 

فَزِعْتُ    فِي      غِبْطَةٍ   لِأَحْمِدَهُ

قَالَ:  (اسْتَتِمَّ   الْغِنَاءَ)،   أَقْعَدَنِي(١٣)

 

أَكْمَلْتُ   وِرْدِي     وَلَا    يُكَافِئُنِي

إِلَّا       بِدَمْعٍ       يَنُمُّ     عَنْ    ثَمَنِ(١٤)

 

في     ذَيْلِ     جِلْبَابِهِ     تَخَطَّفَنِي

فَذَاقَ       ثَغْرِي         حَلَاوَةَ       الْفِتَنِ

 

أَذَاقَنِي    مِنْ    شَهْدٍ،    وَلُقْمَتُهُ

سَاخِنَةٌ              دِفْئُهَا             يُشَبِّعُنِي

 

وَلَوَّنَ  الشَّمْسَ   مِنْ  سَنَا  أَمَلٍ

وَطَيْفُهُ        في        الظَّلَامِ     يَشْبِكُنِي

 

كَسَّرَ    عُودِي..   أَتَى   بِمِدْفَأَةٍ،

عَلَى  شِتَاءِ    الرَّصِيفِ     حَرَّضَنِي(١٥)

 

وَعَبَّأَ    الْعَزْفَ   فِي   اسْطُوَانَتِهِ

يَشْدُو             وَحُرِّيَّةً          يُؤَمِّلُنِي(١٦)

 

أَطْمَعَنِي     في      حُرِّيَةٍ   عُزِفَتْ

قُلْتُ: (اعْطِنِيهَا يَا صَاحِبَ الْـمِنَنِ)(١٧)

 

مَلَكْتُ    كَفِّي     وَمَاءَ    قَبْضَتِهَا

مَرِحْتُ   عُجْبًا   وَالسِّرْبُ  يَنْدَهُنِي(١٨)

 

وَدَارَ    بِي    في     فُلْكٍ     مُغَيَّبَةٍ

حَتَّى      غَفَوْنَا      بِقَهْوَةِ     الْـمُدِنِ(١٩)

 

أَطُوفُ   في حُلْمِ النُّورِ  مُلْتَحِفًا

حُرِّيَتِي     مِنْ       مَعَابِدِ     الْـمِحَنِ(٢٠)

 

شَرَيْتُ  لَهْوِي   بِجِلْسَتِي   وَدَمِي

أَصْحُو    بُعَيْدَ    الْكِلَابُ   تَنْهَشُنِي(٢١)

 

وَقَدْ               تَحَدَّيْتُهَا؛            فَبَارَكَنِي

دَبَّرَ           لِي           خُطَّةً،        وَدَرَّبَنِي

 

وَصَاحَ      نُصْحًا:   (أَنْعِمْ     بِمَذْبَحَةٍ)

وَأَكْمَلَ      النُّصْحَ      كَيْ    يُرَغِّبَنِي(٢٢)

 

(شَجَاعَةُ        الْقَلْبِ        لَا     نُكَتِّمُهَا

كَالْعِطْرِ       مَا        فَوْحُهُ      بِمُخْتَزَنِ

 

لِتُفْصِحِ     الْخَيْلُ      عَنْ     مَقَادِحِهَا

إِنَّ   التَّحَدِّي    لَا بُدَّ     فِي  الْعَلَنِ)(٢٣)

 

أَبْحَرْتُ        في         حَمْلَةٍ        مَرَافِئُهَا

حِصَانُ   (طُرْوَادَةٍ)   مِنَ   السُّفُنِ(٢٤)

 

وَصِحْتُ: (يَا (شَمْشُونُ) احْتَرِزْ بِرَدًى

وَاخْضَعْ   بِغَثِّ   التَّهدِيدِ   لِلْكَفَنِ)(٢٥)

 

وَفَرَّ          خِلِّي          دُنُوَّ          مَعْرَكَةٍ

بِحُلْمِ   ضَوْئِي   وَالنَّصْبِ   والْوَثَنِ(٢٦)

 

أَتَمَّ     (شَمْشُونُ)     هَدْمَ       مَعْبَدِنَا

وَخَرَّ     كَعْبِي      بِسَهْمِهِ     الْعَفِنِ(٢٧)

 

تُجِيبُ     خَيْلي         بَيْنَا        أُسَائِلُهُا:

(كَعْبُ (أَخِيلٍ)؛ ذَا مَرْبِطُ الْوَهَنِ)(٢٨)

 

وَجَاءَ         خِلِّي          يَرْثِي       هَزَائِمَنَا

في  ذَيْلِ    ظِلٍّ     وَالظِّلُ     يُشْبِهُنِي(٢٩)

 

أَيْقَنْتُهُ       مِنْ         سَيْرٍ        يُطَابِقُنِي

مِنْ  خَطِّهِ   قُلْتُ:    (ذَا     يُمَثِّلُنِي)(٣٠)

 

كَرَّرْتُ              خُطْوَاتِهِ؛          أُقَلِّدُهَا

فَقَالَ     خِلِّي:     (أَأَنْتَ        تَعْرِفُنِي؟)

 

تَغَيَّرَتْ       في              لِسَانِهِ          لُغَةٌ

تَخْتَخَنِي    فَانْزَلَقْتُ     في    اللَّكَنِ(٣١)

 

وَقَالَ: (مَنْ أَنْتَ يَا مُصَاحِبُنِي؟)

فَقُلْتُ:          (إِنِّي         أَنَا)،        فَكَذَّبَنِي

 

أَرَى    انْعِكَاسِي     بِمَاءِ     أَعْيُنِهِ

فَمَسَّنِي   الذُّعْرُ     خَوْفَ     لَمْ   أَكُنِ(٣٢)

 

فَتَّشْتُ    عَيْنَيْهِ     أَقْتَفِي   أَثَرِي

طَمَتْ        بِمِرْآةِ         عَيْنِهِ       ظِنَنِي(٣٣)

 

جَلَوْتُ          مِرْآتَهُ         لِأَعْرِفَنِي

لَـمَحْتُ حُزْنَ (الْحُسَيْنِ)، (وَالْحَسَنِ)(٣٤)

 

سَأَلْتُ هَذَا الشَّجَا:  (أَتَذْكُرُنِي؟

أَنَا      الْـمُغَنِّي)،         هُنَا        تَذَكَّرَنِي(٣٥)

 

سَأَلْتُهُ    عَنْ     مَصِيرِ  أَرْصِفَتِي

وَمَنْ     بِهَمْرِ       الْبُكَاءِ        يَخْلُفُني؟(٣٦)

 

وَهَلْ     يُرَاعِي    الْإِلَهَ   فِي  وَطَنِي

وَهَلْ      يُغَنِّي،    هَلِ احْتَذَى  سُنَنِي؟(٣٧)

 

قَالَ:   (بِخَيْرٍ  (إِبْلِيسُ)  في   نِعَمٍ

يُقِيمُ      فِي   عَدْنٍ   غَيْرَ   ذِي    حَزَنِ(٣٨)

 

وَحَلَّ  (شَامًا)   وَجَاسَ  يَقْطِفُهَا

وَفِي   (فِلَسْطِينَ)     عَاثَ     (وَالْيَمَنِ)(٣٩)

 

جَنَاحُهُ   في    (بَغْدَادَ)   يَبْسُطُهُ

وَضِحْكُهُ   في    (صَنْعَاءَ)    أَوْ    (عَدَنِ))

المعاني

(١) دوزنت: ضبطت لحن، الوسن: سِنة ونعاس.

(٢) مستوقِد: مشتعل، تمطلني: تسوّف وتماطل بطهو الطعام.

(٣) يُخْبِي: يخمد، الوهيج: المتلألئ المتّقد، في لَحَني: في لغتي (إنّ القرآن نزل بلَحَنِ قريش “حديث شريف”).

(٤) مُدفئًا: أدفئ جلستي ومجلسي بجسدي.

(٥) مسكني الخشن: الرصيف الذي أقيم عليه.

(٦) جدّ مسترقٌ: مسترق السمع جدًّا، يني: يضعف.

(٧) عفوت عنها: بعدما دهستني.

(٨) لا يعتني بي سوى البلا أذن: لا أحد لديه أذن يعتني بغنائي وإنما الذي لا يسمع؛ ربّما زمني الذي لا يسمع لأحد.

(٩) علبتي: العلبة التي يُرمى إليها النقود جوار مطربي وعازفي الأرصفة، آسى: عزّى وواسى.

(١٠) لم يحرّم رضاع طيبته: لم يحرّم مراضع الطيبة عليّ، يضمّخني: يُلطّخني.

(١١) تشبّه لي: تختلط عليّ.

(١٢) سكاكر: حلويّات، خمطة حلوى: رائحتها الطيّبة، بقسوة الجنن: بقسوة ظُلُمات الليل وما يُخْفِيه.

(١٣) فزعت: وقفت نشيطًا، غبطة: تمنّي ما عنده دون حسد، استتمّ: أكمل.

(١٤) وردي: النصيب اليوميّ من الغناء، ينمّ عن ثمن: يكشف عن ثمن مقابل هذا البكاء والتأثر من الغناء.

(١٥) عودي: آلة العود للعزف، أتى بمدفأة: أتى بمصدر حديث للتدفئة للرفاهية، حرضني: حرّضني بالثورة ضد البرد على الرصيف وعيشته.

(١٦) عبّأ العزف في اسطوانته: أزاح عنّي عبء العزف وأدخل رفاهية آلات التسجيل على عملي.

(١٧) اعطنيها: اعطني إيّاها.

(١٨) ملكت كفّ: ملكت زمام أمري، وماء قبضتها: والذي لا يملك؛ حتّى الماء لا يتسرّب من قبضتي، السرب: الطريق، يندهني: ينادي عليّ.

(١٩) فلْك: مدارات، مغيّبة: غُيِّبتْ عَن الحقيقة أو الواقع.

(٢٠) أطوف في حلم النور: أؤدّي ركن الطواف ملتحفًا بالحريّة أثناء حلمي بالنور.

(٢١) شريت لهوي بجلستي: استبدلتها؛ كما في (اشتروا الضلالة بالهدى).

(٢٢) كي يُرغّبني: كي يحثّني على مواصلة تحدّي الكلاب الناهشة لي والتي تحدّيتها.

(٢٣) مقادح: مفردها مقدح: حديدة القدح من الزند لإشعال النيران.

(٢٤) حملة: غارة بحريّة، حصان طروادة: الحصان الذي صنع من السفن واستخدم لاقتحام مدينة طروادة بخدعة.

(٢٥) شمشون: الذي هدم المعبد عليه وعلى الفلستيين، احترز بردى: صُن نفسك بموت، واخضع بغثّ التهديد: اخضع بالقليل من التهديد.

(٢٦) فرّ خلّي: هرّ صديقي الذي حرّضني، دنوّ معركة: قُرب موعدها، النصب: مكان الذبح، النصب والوثن: صنم الحريّة.

(٢٧) خرّ كعبي: أصاب سهم شمشون كعبي كما أصيب آخيل بسهم في كعبه؛ نقطة ضعفه، بعد انتصاره بخدعة الحصان في معركة طراودة.

(٢٨) مربط الوهن: نقطة الضعف.

(٢٩) في ذيل ظلّ: وراء ظلّ.

(٣٠) خطّه: مسلكه ومساره.

(٣١) تختخني: جعل لساني مبهما مذعورا بلكنة غريبة.

(٣٢) لم أكن: لم أكنه؛ لم أكن هو.

(٣٣) طمت: ارتفعت وملأت، ظنني: شكوكي وظنوني.

(٣٤) جلوت: كشفت.

(٣٥) الشجا: الحزن.

(٣٦) يخلفني: أصبح خليفتي في سكن الأرصفة.

(٣٧) احتذى: اقتدى بطريقي وسنني.

(٣٨) عدن: جنّات عدن.

(٣٩) شام: أرض الشام.

تحقق أيضا من

قصيدة المتيّهة

أَنَا قَرِينُكَ تَارِيخٌ تَنُوءُ بِهِ أَنْصِتْ (أُسَامَةُ)، مَا بِالْشِّعْرِ مُفْتَخَرُ