قصيدة ما زلت أغنيتي

عدد أبيات القصيدة

١٠٠

يَمْشِي الْمُتَيَّمُ في الْمَآسِي مُجْبَرَا

وَالْقَلْبُ  في  إِثْرِ الْمُحِبِّ مُسَيَّرَا

 

يَبْكِي  الْمُتَيَّمُ أَوْ يَنُوحُ بِحُبِّهِ

وَتَزِيدُهُ لُغَةُ الدُّمُوعِ تَصَبُّرا

 

يَحْكِي، وَيَعْصِرُ في الْمَجَالِسِ خَمْرَهُ

وَيَصُبُّ   لِلْمُشْتَاقِ   بَوْحًا    مُسْكِرَا

 

يَلْقَى الْعَزَاءَ، وَآهِ مِنْ فَرْطِ الْأَسَى

بِالذِّكْرَيَاتِ  أَوِ  الْحَدِيثِ الْمُفْتَرَى

 

يَلْقَى الْمُرِيدُ  بِبَوْحِهِ  عِوَضًا  لَهُ

عَمَّا تَوَلَّهَ في الْحَنِينِ، وَمَا جَرَى(١)

 

يَا  قِطَّةً   وَسْنَانَةً  في  خَاطِرِي

يَا نَعْسَةَ الْعَيْنَينِ في سُكْرِ الْكَرَى(٢)

 

إنِّي  فُتِنْتُ مَتَى  تَحِينُ  فَرِيضَتِي

لِأُقِيمَ في حَرَمِ افْتِتَانِكِ مَشْعَرَا؟(٣)

 

كُلُّ الْقُلُوبِ بَصِيرَةٌ دُونَ الْهَوَى

لَكِنَّ قَلْبِيَ في  ابْتِعَادِكِ  لَا يَرَى

 

مَا زِلْتِ  أُغْنِيَتِي،  وَآخِرَ  فُرْصَةٍ

في الْعِشْقِ كَيْ يَرْتَدَّ قَلْبِي مُبْصِرَا

 

مَا زِلْتُ  أَشْتَاقُ ابْتِسَامَتَكِ التِي

بِطُفُولَةٍ  كَانَتْ   تُنَقِّطُ   سُكَّرا

 

أَشْتَاقُ صَوْتَكِ حِينَ  أَبْرَحُ   غَفْوَتِي

أَوْ  في  مَنَامِي  بِالصَّدَى مُتَدَثِّرَا(٤)

 

كَيْفَ   السَّبِيلُ   لِضَمِّ   هَالَةِ    كَوْكَبٍ؟

كَيْفَ الْوُصُولُ إِلَى مَدَارِ(الْمُشْتَرَى)؟( ٥)

 

هِيَ  حِكْمَةُ  الْمَعْبُودِ   في   عُبَّادِهِ

قَلْبُ الْفَتَى في الْعِشْقِ لَيْسَ مُخَيَّرَا

 

مَا زِلْتِ أُغْنِيَتِي أُرَدِّدُهَا إِذَا

سَمِعَ الْخَلِيُّ بِهَا أَحَبَّ تَأَثُّرَا(٦)

 

لَوْ تُدْرِكِينَ الْآنَ حَجْمَ مَشَاعِرِي

أوَّاهُ لِي.. يَا وَيْلَ قَلْبِكِ لَوْ دَرَى!

 

أَلْقَى خَيَالَكِ في فُصُولِ رِوَايَتِي

وَيَطُوفُ قَلْبَكِ  حَاكمًا مُسْتَعْمِرَا

 

وَيَخُطُّ   قَلْبِي  بِالدُّمُوعِ  لَهُ  الْأَسَى

وَلِدِفْءِ عَيْنِكِ في الْهَوَى مَا سَطَّرَا

 

حَاوَلْتُ مَحْوَكِ مِنْ كِتَابِ مَحَبَّتِي

أَمْحُو بِهِ سَطْرًا،  وَأَكْتُبُ  دَفْتَرَا

 

وَتَخَيَّلَ الْقَلْبُ الْغَرِيرُ خَلَاصَهُ

مِمَّا أَلَمَّ بِهِ، وَبَاتَ مُسَيْطِرَا(٧)

 

وَوَثِقْتُ في قَلْبِي مَشَيْتُ وَرَاءَهُ

لَكِنَّ   قَلْبِي   كَانَ   قَلْبًا  خَيِّرَا

 

قَلْبِي يَفِيضُ سَذَاجَةً، وَلَكَمْ مَشَى

مُتَوَهِّمًا  خَلْفَ  الْعُيُونِ  مُخَدَّرَا!

 

وَرَجَعْتُ لِلْإِدْمَانِ، عَفْوَكِ؛ سَامِحِي

فِي الْقَلْبِ مَفْعُولُ الْمُخَدِّرِ قَدْ سَرَى

 

غَضَبِي عَلَيْكِ، عَلَى تَجَاهُلِكِ الذِي

يَقْتَادُنِي،  وَيُمِيتُنِي  تَحْتَ  الثَّرَى(٨)

 

كُرْهِي لِقَلْبِكِ جَارِفٌ مِنْ  لَهْفَةٍ

مَاتَتْ إِذَا أَعْرْضْتِ أَنْتِ تَكَبُّرَا

 

لَا وَصْفَةٌ فِي الْعِشْقِ تَمْسَحُ دَمْعَةً

كَانَ  الْبُكَاءُ  عَلَى  الْقُلُوبِ مُقَدَّرَا

 

أُنْهِكْتُ في هَذَا الْغَرَامِ؛   فَحَاوِلِي

أَنْ تُنْقِذِي قَلْبًا مِنَ الْوَلَهِ اهْتَرَى(٩)

 

إِنِّي أَمُوتُ، وَقَدْ بُعِثْتُ بِحَسْرَتِي

حتَّى  الفَناءُ   هُنَا  عَلَيَّ   تَعَذَّرَا

 

الْمَوْتُ حَقٌّ،  لَا  تَهُمُّ  طَرِيقَةٌ

إِنَّ الْبَشَاعَةَ أَنْ تَمُوتَ تَحَسُّرَا

 

وَوَصِيَّتِي      أَنْ     تَذْكُرِينِي     مَرَّةً

مِنْ بَعْدِ مَوْتِي، وَاذْكُرِينِي في الْوَرَى(١٠)

 

مَا حِيلَتِي في الْحُبِّ غَيْرُ قَصِيدَتِي

يَا لَيْتَ   قَلْبَكِ  بِالْقَصَائِدِ   يُشْتَرَى

 

إِنَّ   التَّعَاسَةَ    أَنْ   تُحِبَّ   جَمِيلَةً

مِنْ طَبْعِهَا في الْعِشْقِ أَنْ تَسْتَخْسِرَا

 

تَطَغَى عَلَى رُوحِ الْمُحِبِّ، وَهَمُّهَا

أَنْ   تَسْتَبِدَّ   بِهَا،  وَأَنْ   تَسْتَأْثِرَا

 

يَسْتَلُّ   سِكِّينَ  التَّجَاهُلِ   قَلْبُهَا

وَيُحِلُّ قَتْلًا   بِالسُّكُوتِ مُدَبَّرَا

 

حُبٌّ   عَجِيبٌ    يَسْتَبِيحُ     بِقُوَّةٍ

يَسْبِي، وَيُورِثُ فِي الْعُقُولِ تَحَيُّرُا

 

يَأْبَى عَلَى قَلْبِ    الْأَحِبَّةِ    مَهْرَبًا

وَعَلَى  لَبِيبِ الْعِشْقِ أَنْ يَتَفَكَّرَا(١١)

 

يَسْرِي، وَيَسْتَشْرِي بِأَجْفَانِ الظُّمَى

وَيَجودُ  بِالْقَتْلِ  الرَّحِيمِ  مُبَشِّرَا(١٢)

 

هِيَ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ؛ فَاحْذرْ وَهْمَهَا

نَثَرَتْ    خِدَاعًا    لِلْمُحِبِّ   مُعَطَّرَا

 

تَنْوِي اغْتِيَالَكَ في مَتَاهَةِ صَمْتِهَا

وَتَظُنُّ تَصْفِيَةَ  الشُّعُورِ  تَحَضُّرَا

 

مَذْعُورَةٌ مِنْ خَوْضِ أَيِّ عِلَاقَةٍ

كَفَرَاشَةٍ،  وَتَعُدُّ  نَارَكَ   مُنْكَرَا

 

كَذِبٌ إِذَا اتَّخَذَتْ فَرَاشَاتُ الْهَوَى

زَعْمَ   اتِّقَاءِ  النَّارِ  مِنْكَ  مُبَرِّرَا

 

إِنَّ الْغَرَامَ عَلَى الْقُلُوبِ إِذَا أَتَى

يَجْتَاحُهَا،  يَهَبُ  الْقُلُوبَ تَوَتُّرَا

 

وَالْحُبُّ  لَوْ مَسَّ  الشُّعُورَ  بِطَيْفِهِ

يَزْدَادُ تِيهُكَ في الْمَدَائِنِ، وَالْقُرَى

 

وَيُزِيحُ عَنْ صَلَفِ الْجُحُودِ غَشَاوَةً

لَمْ يُبقِ، لَا يَذَرُ الْهُرُوبَ مُقَرَّرَا(١٣)

 

وَيُذِلُّ أَهْلَ الْعِشْقِ، يُفْنِي  عِزَّةً

تَلْقَى بِصَخْرَةِ كِبْرِيائِكَ خنجرا

 

تَأْتِي بِذُلٍّ صَاغِرًا مِنْ بَعْدِ أَنْ

أَبْدَيْتَ سَيْفًا  لِلتَّهَرُّبِ  مُشْهَرَا

 

يَا عَاشِقًا، مَا  زَالَ   قَلْبُكَ  يَكْتَوِي

في أَسْفَلِ الدَّرّكِ  الْأَذَلِّ مُكَدَّرَا(١٤)

 

تَتَقَبَّلُ   الْإِهْمَالَ  مِنْهَا   تَكْتَفِي

بِوَدَاعَةِ الشِّعْرِ الْخَجُولِ مُعَبِّرَا

 

إِنَّ  التَّدَلُّلَ لِلشَّوَاعِرِ حِرْفَةٌ

وَطَبِيعَةُ الشُّعرَاءِ أَنْ تَتَغَيَّرَا

 

أَنْتَ الذِي، هَيْهَاتَ،  لَمْ تُكْتَبْ لَهَا

في الْبَالِ  عِشْقًا أَوْ صَدِيقًا مُؤْثَرَا

 

خَوْفِي عَلَيْكَ مِنَ الْوُقُوعِ بِفَتْنِهَا

أَوْ   تَلْتَقِي  فَشَلًا  ذَرِيعًا مُبْهِرَا

المعاني

(١) تولّه: تعشّق.

(٢) وسنانة: ناعسة، الكرى: النعاس.

(٣) مشعر: موضع المناسك.

(٤) أبرح: أترك (قالتها العرب بالنفي)، متدثّرا: متلفّفا ومتغطّيا.

(٥) الخلي: الفارغ البال من العشق.

(٦) المشترى: كوكب المشتري: نجم الشراء والبيع ودليل الأموال والأرباح وهو الكوكب الذي اشترى الحسن لنفسه “نهاية الأرب في فنون العرب”، (وطالع شاكرها المشترى وطالع كافرها في زحل “أحمد شوقي”).

(٧) الغرير: من لا تجربه له.

(٨) الثرى: التراب.
(٩) اهترى: تلف وبلي .

(١٠) الورى: الخلْق.

(١١) لبيب: عاقل.

(١٢) الظمى: مفرها ظمياء: رقيقة الجفن.

(١٣) صلف: تكبّر وعجرفة، غشاوة، يذر: يترك وقت أماتت العرب فعله الماضي وذر واستعملت ترك.

(١٤) الدرك: أسفل القاع. 

تحقق أيضا من

قصيدة امرأة تفصيل

كثيرٌ من ملابسنا يداري ما بنا من عيْبْ