قصيدة ملكة النحل

عدد أبيات القصيدة

٢١٠

أَتَيْتُ  الْحِجَابَ فقُلْتُ  افْتِتَانَا:

(عَطِشْتُ   فَدَعْنِي   أَرَاكَ   عِيَانَا(١)

تَنَاهَ     لِعَيْنٍ      يَطِيبُ          لَهَا

بِرُؤْيَةِ      كَرْمِكَ     أَنْ    تَتَغَانَى) (٢)

 

فَأَعْوَزَ      عَيْنًا        تَتُوقُ      لَهُ

وَأَوْحَى إِلَى قَدَحِي:    (لَنْ       تَرَانَا(٣)

 

فَمَا بَعْدَ شَفِّ الْحِجَابِ، الَّذِي

تَجَاوَزَ      سِدْرَتَنَا،     لَا     يُدَانَى(٤)

 

وَلَكِنْ     تَحَرَّيْ        سَمَاءً     لَنَا

إِذَا    أَصْبَحَتْ      وَرَدَةً     وَدِهَانَا(٥)

 

فَيَنْسَدِلُ   الشَّفُّ   عَنِّي     وَقَدْ

تَجَلَّيْتُ         لِلْعَاشِقِينَ       عِلَانَا(٦)

 

فَيَنْهَلُ         تَوَّاقُ             إِبْرِيقِنَا

عُصَارَ       مُعَتَّقَةٍ      شَعْشَعَانَا)(٧)

 

وَصَاحَبْتُ      عَيْنِي      لِأَدْرَاجِهَا

لِأَسْتَاقَ    تَحْتَ   الْبُكَاءِ  الظِّعَانَا(٨)

 

وَأَوْجَسَ        مَوْكِبُنَا        خِيفَةً

وَرَوَّعَ     رَكْبُ      الرَّحِيلِ    جَنَانَا(٩)

 

تَوَجَّسَ        رُعْبًا         وَأَبْصَرْتُهُ

عَلَى     لَوْعَةٍ       فَزِعًا     هيَّبَانَا(١٠)

 

وَبِالشِّعْرِ سَبَّحْتُ  في  الْغَارِ كَيْ

أُبَلْسِمَ ذَا النَّبْضَ حَتَّى اسْتَكَانَا(١١)

 

وَقَدْ    دَاعَبَ    الذِّكْرُ    مِزْمَارَهُ

وَحَطَّ  عَلَى الصَّخْرِ قَوْلِي  فَلَانَا(١٢)

 

وَدَوَّمْتُ   في     ذِكْرَيَاتٍ   مَضَتْ

وَحَلَّقْتُ مَا    بَيْنَ    كُنْتُ   وَكَانَا(١٣)

 

وَأَبْرَقَ    نَورٌ       لِكَهْفِي      وَقَدْ

تَوَطَّأْتُهُ          مَعْبًدًا        وَمَعَانَا(١٤)

 

وَكُلُّ          شُعَاعٍ         يُلَقِّنُنِي

وَصَايَا      لِتَخْلُدَ     فِيَّ       وِتَانَا(١٥)

 

كَتَبْتُ    شَفِيفَ      تَعَالِيمِهَا

وَزَيَّنْتُ   بِالنَّقْشِ  لَوْحًا  صُوَانَا(١٦)

 

وَطَالَ   التَّكَهُّفُ   وَالزَّادُ    مَا

تُسِرُّ مَغَارَاتُ    نَفْسِي  اكْتِنَانَا(١٧)

 

إِلَى   مَجْمَعِ   الزَّاخِرَيْنِ  سَرَى

فُؤَادِي     يُرِيدُ      دَلِيلًا    بَيَانَا(١٨)

 

وَفِي  إِثْرِ  حُوتٍ؛  غَرِيبٌ   أَتَى

يُرَافِقُ         تِلْمِيذَهُ        التَيَّهَانَا(١٩)

 

فَقَالَا: (أَأَنْتِ  الضِّيَاءُ؟)  فَمَا

رَدَدْتُ          فَزِدْتُهُمَا        تَيَهَانَا(٢٠)

 

وَأَنْزَلْتُ    ضَيْفِيَّ    في   خَيْمَةٍ

أَنَرْتُ       لِلَيْلِهِمَا       شَمْعِدَانَا(٢١)

 

وَقَالَ     كَبِيرُهُمَا:    (أَفْصِحِي

لِكَيْ أَسْتَشِّفَ الْعِمَاقَ الْبِطَانَا(٢٢)

 

شَهَوْتُ  مِنَ  النُّورِ   زُبْدَةَ   مَا

تَبَلَّجَ      مِنْ    شُعِّهِ    أَصْرَمَانَا(٢٣)

 

وَشَقْشَقَ في مَنْ مَشَى حَالِـمًا

(لِأَنْدَلُسٍ)   وَابْتَنَى     (قَيْرَوَانَا)(٢٤)

 

فَفُضَّي  الْغَشَاوَةَ  عَنْ  عَيْنِنَا

لَيُصْبِحَ     غَيْهَبُنَا      إِضْحِيَانَا)(٢٥)

 

فَنَادَى       يُجَمِّعُ      أَسْبَاطَهُ

إِلَيَّ             وَعُصْبَتُهُ            تَتَدَانَى

 

فَأَكْبَرْتُ      فَرْطَ     اسْتِهَانَتِهِ

بِحَمْلِ     الْأَمَانَةِ         لَـمَّا        أَبَانَا

 

فَقُلْتُ عَلَى خَشْيَةٍ مُشْفِقًا:

(أَمَا     يَا      ثِمَارُ      اسْتَبَقْتِ    أَوَانَا؟

 

تَمَهَّلْ   فَلَنْ   تَسْتَطِيعَ  مَعِي

عَلَى الْحَدْسِ صَبْرًا وَلَا الْكَشْفُ حَانَا)

 

فَقَالَ:      (مُحَرَّمَةٌ     أَثْمَرَتْ

وَحَانَ       زَمَانُ      الْقِطَافِ     وَآنَا(٢٦)

 

فَقُلْتُ:   (تَرَاجَعْ   لـِمَهْدٍ  وَفِي

عَشَاءٍ         أَخِيرٍ         تَتَبَّعْ      صَدَانَا)

 

وَبِاسْمٍ  خَفِيٍّ  دَعَوْتُ؛  يَعِي

غُمُوضًا     تَخَفَّى     عَلَيْهِ   اكْتِمَانَا(٢٧)

 

وَفِي     نَهْرِ    (أُرْدُنَ)  عَمَّدْتُهُ

فَكُنْتُ         مُغَمِّسَهُ      الْـمَعْمَدَانَا(٢٨)

 

وَأَنْزَلْتُ    مَائِدَةً     مِنْ   عَلٍ

وَأَتْرَعْتُ         لِلْمُمْتَرينَ         خِوَانَا(٢٩)

 

وَعَبْرَ     الْـمَعَارِجِ     صَعَّدْتُهُ

وَذَوَّقْتُهُ               خُلْسَةً            مُقْتَنَانَا

 

فَكُنْتُ       لَتَحْزِيرِهِ     سُلُّمًا

وَنَحْوَ    السَّمَا    مَدْرَجًا     فارْتَقَانَا(٣٠)

 

فَوَارَدْتَهُ   الْوِرْدَ  مِنْ (كَوْثَرٍ)

وَبَيْنَ     الْـمَلَذَّاتِ       طُفْنَا    جِنَانَا(٣١)

 

إِلَى     أَنْ   تَكَبَّدَ   مُسْتَسْلِمًا

بِلَفْحَةِ    شَمْسِ      الْيَقِينِ     رِعَانَا(٣٢)

 

فَعَوَّذْتُهُ     مِنْ     دَوَاءِ    رُقًى

وَحَرَّضْتُهُ          قُدُمًا           فَتَوَانَى(٣٣)

 

تَأَزَّى عَنِ  الْخَوْضِ في مُتْعَةٍ

وَكَانَ       التَّأَزِّي          إِلَيَّ      ارْتِكَانَا(٣٤)

 

وَفِي     كَرَّةٍ      تَقْتَفِي     كَرَّةٍ

أَعَدْتُ   الْـمَسِيرَ     فَبَثَّ     انْهِدَانَا(٣٥)

 

فَقُلْتُ: (لِـمَا   قَدْ   لَبِثْنَا   مَعًا

مِنَ الْوُدِّ  فِي  الْحُلْمِ أُبْدِي امْتِنَانَا)

 

فَقَالَ:     (أَعَدْلُكِ      إِلْقَاؤُنَا

بِنِصْفِ  الطَّرِيقِ    بِغَيْرِ   هُدَانَا؟)

 

فَقُلْتُ: (اكْتَفَيْتُ  بِثِنْتَيْنِ   إِذْ

صَبَرْتُ وَأَرْهَقْتَ  مِنْكَ امْتَحَانَا(٣٦)

 

فَإِنْ كُنْتَ تَرْجُو  مَزِيدَ  رُؤًى

فَسَلْ  ذَا الَّذِي  في السَّمَاءِ؛ أَبَانَا)

 

وَقُوبِلْتُ مِنْهُ بِمَا انْسَابَ مِنْ

عَدَاوَةِ     خَصْمٍ        تُحِلُّ     دِمَانَا

 

فَمَشَّيْتُ  هَوْنًا    وَقُلْتُ    لَهُ:

(سَلَامًا  عَلَى  مَنْ  أَطَاعَ  هَوَانَا(٣٧)

 

قَدِ    انْصَدَعَتْ    ثِقَةٌ   بَيْنَنَا

وَهَذَا    فِرَاقٌ      يَفُكُّ     قِرَانَا)(٣٨)

 

وَكَمْ   قَدْ   أَتَى   حَالِمٌ   مِثْلُهُ

يُغالِظُ      آنَا           وَيُلْطُفُ      آنَا

 

يُزِيحُ  انْغِمَاسًا   لَنَا  مِنْ تُقًى

وَمِنْ    وَرَعِ     الخَلَوَاتِ   حِيَانَا(٣٩)

المعاني

(١) عيان: مشاهدة مؤكّدة.

(٢) تناه لعين، تقرّب لها، كرمك: خمرك، تتغانى: تصبح غنيّة.

(٣) أعوز عينًا: جعلها تحتاج، لن ترانا: لن ترانا هذه العين.

(٤) شف الحجاب: ثوب أو قماش الحجاب الشفّاف، السدرة: شجرة النبِق، لا يدانى: محرّم عليكِ. (٥) دهان: ملوّنة بالدهان. (٦) الشفّ: الثوب الرقيق، علان: علانية.

(٧) عصار: عصير، معتّقة: خمر، شعشعان: شعشاع.

(٨) أستاق: أقود، الظعان: حبل يُشَدّ به الهودج.

(٩) جنان: قلب. (١٠) هيّبان: خائف.

(١١) أبلسم: أُطيّب، استكان: خضع.

(١٢) الذكر: الدعاء والتسبيح، مزماره: مزمار الإنشاد كمزمار داوود عليه السلام.

(١٣) دوّمت: حلّقت.

(١٤) توطأته: دخلته برجلي. معان: منزل.

(١٥) وتان: ملازمة مطيلة الإقامة.

(١٦) شفيف: شفّاف، صوان: حافظ، والصوان: ما يُصانُ به أو فيه الكتبُ والملابسُ ونحوه.

(١٧) التكهّف: بقائي في الكهف، الزاد: الماء والطعام، تسرّ: تخفي، اكتنان: استتار.

(١٨) مجمع الزاخرين: مجمع البحرين، والزاخر من أسماء البحر، سرى: ذهب أو سرى ليلًا، دليلٌ بيانٌ: دليل واضح بليغ، يريد دليلًا: يطلب موضع هذا الدليل.

(١٩) التيَهان: التائه الغافل.

(٢٠) تيَهان: شرود وتيه.

(٢١) خيمة: كخيمة الاجتماع التي كان يجتمع بها النبيّ موسى عليه السلام وأتباعه، شمعدان: كالشمعدان الذهبي الذي أناره موسى في خيمة الاجتماع.

(٢٢) العماق: المعاني العميقة، البطان: البعيدة.

(٢٣) زبدة: خلاصة، تبلّج: أشرق وأضاء، شعّه: شعاعه، أصرمانا: ليلنا ونهارنا،

(٢٤) شقشق: أتى بالفجر وشقشقة النهار، من مشى لأندلس وابتنى مدينة قيروان: طارق بن زياد.

(٢٥) غيهبنا: ليلنا، إضحيان: مقمر أو صافٍ.

(٢٦) محرّمة: جنّة محرّمة أو شجرة محرّمة أو معرفة محرّمة حسب تخيّل القارئ.

(٢٧) اكتمان: اختفاء.

(٢٨) المعمدان: كنت أشبه بفعلي سيّدنا يحي المعمدان الذي عمّد سيّدنا عيسى.

(٢٩) أترعت للممترين خوانا: ملأت منضدة طعام للمتشكّكين المرتابين.

(٣٠) تحزيره: تخمينه.

(٣١) واردته: وردت معه.

(٣٢) رعان: مفردها رعْن: ضربة شمس.

(٣٣) عوّذته: قلت له أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أو علّقت عليه العُوذَة ورقيتُه، رقًى: مفردها رُقْيَة.

(٣٤) تأزّى عن: تراجع عن وهرب، كان التأزي إليّ ارتكانا: كان التراجع ارتكانًا إليّ غير معتمد على نفسه.

(٣٥) كرّة: مرة أخرى؛ هجمة، تقتفي: تتبع، انهدان: فتور.

(٣٦) هوان: ضعف.

(٣٧) بثنتين: بمرتين ولن يكون هناك ثالثة.

(٣٨) قِران: حبل يُقاد به.

(٣٩) حيانًا: مراوحة بين حين وحين.

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

تحقق أيضا من

قصيدة بيروت

كُلُّ التَّوَجُّعِ في (لُبْنَانَ) مُخْتَزَنُ