عدد أبيات القصيدة
كَمْ مَرَّ بِنَا فَتًى كَذَا مَوْقِعُهُ
في لَائِحَةِ الغَرَامِ لَمْ يُحْتَسَبِ
مَمْسُوسُ هَوًى، وعِشْقُهُ يُهْلِكُهُ
قَدْ مَاتَ بِهِ كَحُلْمِهِ الـمُنْشَطِبِ
إِمَّا فَشَلًا لَهُ، وَإِمَّا ظَفَرًا
بِالْعِشْقِ نِتَاجَ حَظِّهِ الـمُجْتَلَبِ(٢٠)
لَمْ يَسْتَوِ عاشِقٌ شَهَى فَاكِهَةً
في ضَيْعَتِهِ، وَعَاشِقٌ لِلْعَشَبِ
جُرْمُ الـمُتَعَشِّقِينَ مَا أَقْبَحَهُ
لَا صَنْوَ لَهُ؛ جَرِيمَةُ الـمُرْتَكِبِ(٢١)
لَا أَوْقَعَكمْ غَرَامُها في شَرَكٍ
وُقّيتُمُ شَرَّ مَا بَرَى قَلْبَ صَبي)(٢٢)
مَا أَجْمَلَ بُوقَ قَصْرِها أَخْبَرَني
عَنْ قُرْبِ دُنُوِّها مِنَ الـمُضْطَرِبِ
لاحَتْ قَمَرًا؛ فَأَحْسَنَتْ طَلْعَتَهُ
مُسْتَقْوِيَةً بِسِحْرِهِ الـمُجْتَذِبِ
أَدْنَى قَمَرٍ لِكَوْكَبِ الأَرْضِ بَدَا
بِشْرًا رَقَصَتْ هَدِيَّتي في العُلَبِ
القَلْبُ دَنَا بِحَجْمِ ذَا الكَوْنِ دَنَا
أَبْدَى وَلَهًا دَنَا إِلَى مُحْتَجِبِ
لَـمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ في بُرْقُعِهَا
وَاسْتَطْعَمَ شَهْدَ سِحْرِها الـمُنْتَقِبِ
سُبْحَانَكَ يَا مُقَلِّبَ القَلْبِ إِذَا
أَفْشَى وَلَعًا لِغَيْرِها لَمْ يَهِبِ
دَبَّ الوَجَسَانُ فيَّ مِنْ جُرْأَتِهِ
أَخَّرْتُ خُطَايَ لَيْتَني لَمْ أَهِبِ(٢٣)
ذَاقَ اللَّفَتَاتِ كَيْفَ لَا يَغْرَقُ في
سِحْرِ امْرَأَةٍ لَهَا قَوَامُ النُّخَبِ
عُودٌ لَدِنٌ كَأَرْنَبٍ يَرْتَعُ في
ثَوْبٍ خَضِرٍ مُطَرَّزٍ بِالْقَصَبِ(٢٤)
يَا مُرْتَحِلًا إِلَى مُحَيَّا قَمَرٍ
غَضٍّ عَطِرِ النَّدَى رَخِيٍّ رَطِبِ
ذُبْ هِمْ، وَأَقِمْ صَلَاةَ عِشْقٍ فُرِضَتْ
في حِضْنِ مَآذِنِ الهَوَى، وَالْقُبَبِ
وَاسْتَسْقِ مِنَ الرَّوِيِّ في زَمْزَمِها
قَدْ رَخَّ فَمٌ لَنا بِطَرْمٍ صَبَبِ(٢٥)
أَوَّاهُ مِنَ الوُلُوجِ في نَظْرَتِـها
بَعْضُ النَّظَرَاتِ تُشْتَرَى بِالْذَّهَبِ
وَجْهٌ جَعَلَ الفُؤَادَ يَسْتَنْجِدُ مِنْ
إِطْلَالَةِ وَمْضِ لُؤْلُؤٍ في السُّحِبِ
يَا سُكْرَ فَتًى يَذُوقُ مِنْ خَمْرَتِهِ
غَمْسًا بِنَدَى بُلَالَةِ الـمُنْسَكِبِ(٢٦)
يَهْذِي، وَيَقُولُ كَيْفَ يَا ذَائِقَهُ!
مَنْ عَلَّمَهُ فُنُونَ عَصْرِ العِنَبِ؟
يَا هَدْرَ دَمي هَلَكْتُ مِنْ فِتْنَتِـها
في فَخِّ فَمٍ مُرَاوِغٍ في الهَرَبِ
مَا للمُتَلَهِّفِينَ مِثْلِي شَبَعٌ
مِنْ رِيقِ فَمٍ، وعِلْمِهِ الـمُكْتَسَبِ
مَا ضَلَّ فَمِي فَمًا إِذَا خَاطَبَهُ
أَنَّى، وَفَمِي مُفَوَّهٌ في الخُطَبِ؟
ضَاءَتْ مُدُنُ البِلَادِ في ظُلْمَتِـِها
مِنْ وَهْجِ تَلَأْلُؤَاتِ عَاجِ الشَّنَبِ(٢٧)
قَدْ هِمْتُ بِهَا، وَمَاتَ مَا يُوقِعُني
في العِشْقِ سِوَى اتِّباعِ قَلْبي كَغَبي
سَارَعْتُ مُقَدِّمًا إِلَيْـها كَفَني
نَادَتْ بِدَمِي جَزَاءَ لَمْ يَخْتَضِبِ(٢٨)
صُمْنا رَمَضَانَ دُونَ أَنْ يُفْطِرَنا
في اللِّيلِ سِوَى حَدِيثِـهَا الـمُخْتَلِبِ
يَا وَيْلَ قُلُوبِ كُلِّ مَنْ جَالَسَها
يَا رَاحَةَ عَقْلِها رَخِيِّ اللَّبَبِ(٢٩)
ذُبْنَا زَمَنًا، وَعَتْبـُها مُسْتَعِرٌ
لَا يَشْغَلُني تَعاقُبٌ لِلْحُقُبِ
تَسْتِسْرُعُني، وَعُذْرُها صَائِمَةٌ
لَا تُسْرِفُ في حِوَارِها الـمُقْتَضَبِ(٣٠)
تَسْتَعْجِلُنا وَصِيفَةٌ قَائِلَةً:
(وَلَّى رَمْضَانُ أَنْتُما في رَجَبِ!)
خَطْفًا حَضَنَتْ حَبِيبَـها ذَاهِبَةً
مُسْتَوْدِعَةً؛ فَقُلْتُ: (لَا تَنْسَحِبي)
ضَاقَتْ بِمِريدِها، وَدَلَّتْ سُدُلًا
مُسْتَمْتِعَةً بِلَذَّةٍ مِنْ غَضَبي(٣١)
أَرْخَتْ حُجُبًا، وَأَبْعَدَتْ زَائِرَها
إِنْ جاوَرَها؛ بَدَتْ بِوَجْهِ الْخَشَبِ
مَا زِلْتُ مُلاطِفًا لأَسْتَسْمَحَها
حَتَّى قَتَلَتْ حَمَاسَةَ الـمُقْتَرِبِ
أَلْقَتْ بِرَضِيعِ عِشْقِها في طُرُقٍ
يَدْوِي بِظَلَامِهَا عَوِيُّ الذَّئِبِ(٣٢)
لَا تُمْهِلُني فَقُلْتُ مَا قُلْتُ لَهَا:
(فَلْتَنْسَحِبـي، لِرَبِّنا مُحْتَسِبـي(٣٣)
هَلْ ذُقْتِ بُكَا الرِّجَالِ يَا رَاحِلَةً
أَدْعُو بِهَلَاكِ قَلْبِكِ الـمُغْتَصِبِ(٣٤)
لَا أُكْمِلُ حَوْلَ وَصْلِنا مُبْكِيَتي
أَحْتَاجُ لِنَسْيِهِ إِلَى صَبْرِ نَبي)(٣٥)
ضَاعَتْ سَنَةً سُدًى فَمَنْ يُنْجِدُنِي
مِنْ مُجْرِمَةٍ زَعِيمَةٍ لِلْعُصَبِ(٣٦)
لَمْ أَلْقَ سِوَى جَزِيلِ ما تَتْرُكُني
في حُفْرَةِ نَارِ مَوْقِدِ الْـمُحْتَطِبِ
أَدْنَاهُ عِقَابُ آبقٍ، تُورِدُني
دَاءً، وَأَقَلُّهُ انْهِيَارُ العَصَبِ(٣٧)
صَادَتْ بِقَنا؛ فَأَسْقَطَتْ طَائِرَها
يَنْهَارُ مُحَرَّقًا كَحَرْقِ الشُّهُبِ(٣٨)
كَالطَّيْرِ إِذَا نَجَوْتُ إِلَّا جَسَدًا
مَا نِلْتُ مِنْ الزَّفِيفِ إِلَّا زَغَبِــــــي(٣٩)
سُمِّيتُ عَلَى اسْمِ مَنْ غَدَتْ كُنْيَتُهُ
مَقْتُولَ هَوًى، وَيَا لَهُ مِنْ لَقَبِ
قَدْ ضِعْتُ بِها، وَتُهْتُ مَا نِلْتُ سِوَى
مَخْزُونِ أَسًى، وَوَصْمَةِ الـمُنْتَسِبِ
حَصَّلْتُ مِنَ الغَرَامِ مَا اسَّاقَطَ مِنْ
ذِكْرَى وَطَنٍ تَطُوفُ بِالْـمُغْتَرِبِ(٤٠)
يَالَ الضَّحِكَاتِ لَا أَرَى قَوْلَكُمُ
مِنْ بَعْدِ سَمَاعِ قِصَّةِ الـمُكْتَرِبِ!)(٤١)
المعاني
(٢١) لا صنو له: لا مثيل له.
(٢٢) برى: أتلف.
(٢٣) وجسان: خوف، لم أهب: لم أخف.
(٢٤) لدن: طري، يرتع: يمرح، قصب: خيوط ذهب وفضة.
(٢٥) استسق: اطلب السقيا، رويّ: الكثير الذي يروي، طرم: شهد العسل، صبب: الغزير المصبوب صبّا.
(٢٦) بلالة: بقيّة من نداوة.
(٢٧) الشنب: جمال الفم وصفاء الأسنان.
(٢٨) يختضب: يتلوّن بالدماء.
(٢٩) رخي اللبب: ناعم العيش.
(٣٠) تستسرعني: تستعجلني.
(٣١) دلت سدلا: أرخت ستائر.
(٣٢) الذئِب: المستذئب.
(٣٣) محتسبي: عملي المعتبر.
(٣٤) بكا: بكاء.
(٣٥) حول: عام، نسيه: نسيانه.
(٣٦) عصب: مفردها عُصبة.
(٣٧) عقاب آبق: عقاب عبد هارب متمرّد.
(٣٨) قنا: رماح.
(٣٩) الزفيف: الطيران، زغبي: الزغب: صغار الريش وليّنه.
(٤٠) ما اسّاقط من: الذي تساقط من.
(٤١) يال الضحكات: يا أهل الضحكات الذين سخرتم في أوّل القصيدة من عذابي.
