عدد أبيات القصيدة
غَاصَتْ مَعِي أَمْ نَجَتْ مَرَاكِبُهَا
مِنْ لُجَّةٍ أَمْ تَاهَتْ قَوَارِبُهَا(١)
أَمْ ضَيَّعَتْهَا الْأَمْوَاجُ مُوقِعَةً
بِهَا إِذَا مَا اشْتَدَّتْ غَوَارِبُهَا(٢)
أَمْ غَاضَبَتْنِي وَاسْتَعْذَبَتْ هَرَبًا
وَأَشْغَلَتْهَا عَنِّي مَآرِبُهَا(٣)
نَادَيْتُهَا؛ لَا حِسٌّ وَلَا خَبَرٌ
إِلَّا عَوِيلُ الذِّكْرَى وَصَاخِبُهَا(٤)
مَا مِنْ جَوَابٍ سِوَى صَدَى لَجَبٍ
يَضِجُّ في لَيْلَةٍ أُغَالِبُهَا(٥)
مُسَهَّدًا وَالْأَفْكَارُ مُقْمِرَةٌ
تُومِضُ في خَاطِرِي كَوَاكِبُهَا
يَا لَيْلُ عَجِّلْ بِهَا إِلَيَّ فَمَا
لِي فِيكَ إِلَّا نَفْسِي أُصَاحِبُهَا
يَا بَحْرُ أَسْرِعْ بِهَا إِلَيَّ فَمَا
لِي فِيكَ إِلَّا نَفْسٌ أُتَارِبُهَا(٦)
فِيكَ انْغِمَاسِي وَالْعُمْقُ يَسْحَبُنِي
إِلَيْكَ وَالْأُفْقُ مِنْكَ سَاحِبُهَا
سَهَوْتَ عَنْهَا أَمْ ذِي مُؤَامَرَةٌ،
يَا سَيِّدَ الْـمَوْجِ أَيْنَ قَارِبُهَا؟!
عُمْتَ عَلَى عَوْمِهَا رَكَنْتَ لِـمَنْ
لَمْ يَبْدُ مِنْهَا إِلَّا تَهَارُبُهَا
أَرْخَيْتَ حَبْلًا مَنَحْتَهَا ثِقَةً
حَمْقَاءَ نَالَتْ مِنِّي عَوَاقِبُهَا
نَفْسٌ عَلَى حَلِّ شَعْرِهَا تُرِكَتْ
فَهَجَّ مِنَّا بِالْحَبْلِ غَارِبُهَا(٧)
شَاعِرَةٌ أَغْرَقَتْ قَصَائِدَهَا
عِشْقًا وَأَشْعَارُهَا مَثَالِبُهَا(٨)
غَضَضْتَ طَرْفًا وَهَلْ مُحَصِّلَةٌ
مِنْ غَضِّ طَرْفٍ إِلَّا مَصَائِبُهَا!
عَصَتْ وَعَقَّتْنِي بَعْدَ تَرْبِيَتي
وَبَائِعَاتُ الْهَوَى صَوَاحِبُهَا
عَلَى النَّوَاصِي في جُرْأَةٍ وَقَفَتْ
تَلْهُو وَضَجَّتْ بِهَا مَطَارِبُهَا(٩)
وَغَيَّرَتْ في الْدُّرُوبِ أَحْذِيَةً
وَاهْتَرَأَتْ مِنْ لَفٍّ جَوَارِبُهَا
نَفْسٌ غَوَاهَا الْغَرَامُ فَانْحَرَفَتْ
تُرَى عَلَى الْفُجْرِ مَنْ يُحَاسِبُهَا!
عَتَتْ وَحَادَتْ عَنِ الصِّرَاطِ وَمَا
آبَتْ لِحَقٍّ أَوْ لَانَ جَانِبُهَا
أَعْنِي هُنَا أَنَّ نَفْسِيَ اخْتَبَلَتْ
أَيْ لَحَسَتْ عَقْلَهَا مَهَارِبُهَا(١٠)
يَا بَحْرُ وَجْهِي لِجُرْمِهَا خَشَبٌ
وَأَنْتَ تَبًّا فَقَطْ تُعَاتِبُهَا!
ظَنَنْتَ في الْحُسْنَى خَيْرَ تَنْشِئَةٍ
حُسْنَاكَ ضَرَّتْ وَذِي جَوَالِبُهَا(١١)
أَشُدُّ شَعْرِي مِنَ الْغَبَاءِ أَيَا
مَنْ قُلْتَ جَبْرًا، وَأَنْتَ خَارِبُهَا
أَلَمْ نُجَرِّبْ مَعًا مَقَالِبَهَا
وَأَحْرَجَتْنَا مَعًا نَوَائِبُهَا
أَلَمْ تُنَكِّلْ بِنَا مَوَاهِبُهَا
عُذْرًا؛ تَلَخْبَطْتُ، بَلْ مَتَاعِبُهَا
“لَكِنْ سَوَاءٌ، وَرَغْمَ لَخْبَطَتِي؛
أَصْدَقُ مَا فِي الْأَشْعَارِ كَاذِبُهَا”
أَمَا وَقَفْنَا عَلَى طَبِيعَتِهَا
وَقَرَّ فِي ذِهْنِنَا تَلَاعُبُهَا
كَالْآلِ زَاغَتْ وَالطَّبْعُ غَالِبُهَا
يَسْرِقُهَا وَالْوَسْوَاسُ جَاذِبُهَا(١٢)
يَطْرِفُ عَيْنَيْهَا عَنْ مُمَازَجَتِي
مِخْضَوْضِرُ الْأَرْضِ أَوْ سَبَاسِبُهَا(١٣)
عَنْ صُحْبَةٍ فَتَّشَتْ مُنَقِّبَةً
في مَهْمَهٍ عَنْ هِيمٍ تُشَارِبُهَا(١٤)
يَغْلبُهَا طَبْعُ الْغَدْرِ إِذْ وَهَنَتْ
أَحْيَانُهَا وَاسْتَبِدُّ غَالِبُهَا
هِيَ الْحَكَايَا لِـمُبْحِرٍ وَأَنَا
أَنْبَاءُ غَرْقَاكَ أَوْ تَضَارُبُهَا
مِنَ الْـمِيَاهِ اخْتَارَتْ شَوَاطِئَهَا
وَزَلَّقَتْنِي قَاعًا طَحَالِبُهَا
تَجْذِبُهَا، حَيْثُمَا الطَّبِيعَةُ، شَمْـــ
ــــسٌ بُرْتُقَالِيَّةٌ حَوَاجِبُهَا(١٥)
كَأَنَّهَا لِلْأَمْوَاهِ أَبْخِرَةٌ
وَأَنَّنِي تَحْتَهَا رَوَاسِبُهَا(١٦)
طَرْحُ بِحَارٍ كَأَنَّهَا وَأَنَا
مِلْحٌ مُذَابٌ بِهَا وَذَائِبُهَا
تَطْفُو تُرِيدُ السَّمَا وَتَخْطِفُهَا
خَطْفًا كَمَسْحُورَةٍ رَحَائِبُهَا
وشَيْخَةٌ مَغْرِبِيَّةٌ غَزَلَتْ
سِحْرًا كَقَطْرِ النَّدَى يُجَاذِبُهَا
“لَا تَنْتَقِدْنِي فَالسِّحْرُ مُعْتَرَفٌ
بِهِ بِآيَاتٍ أَنْتَ رَاجِبُهَا”(١٧)
يَا خِدْنَ شَطٍّ كَيْفَ اِتَّكَلْتَ عَلَى
نَفْسٍ عَلَيْهَا طَغَتْ رَغَائِبُهَا
مَدَّتْ، إِذَا لَعَّبَتْ حَوَاجِبَهَا،
لِسَانَهَا وَاهْتَزَّتْ مَنَاكِبُهَا(١٨)
عَنِ الْحَنَايَا أَخْفَتْ مَشَارِقَهَا
عَنِ الْخَلَايَا غَابَتْ مَغَارِبُهَا
أَلَمْ أُشّدِّدْ عَلَيْكَ فِي حَذَرٍ؛
مَا لَكَ شُغْلٌ سِوَى تُرَاقِبُهَا؟
أَلَمْ تَكُنْ في زِنْزَانَةٍ حُرِسَتْ
وَأُحْكِمَتْ جَيِّدًا جَوَانِبُهَا
أَكُنْتَ تَأْوِيهَا في خِضَمِّكَ أَمْ
حَامِي الْحِمَى فِي الْأَعْمَاقِ نَاهِبُهَا!
نَحْوَ السَّنَا مِنْ شُرَّاعَةٍ هَرَبَتْ
كَيْفَ اسْتَطَاعَتْ وَأَنْتَ حَاجِبُهَا!
كَيْفَ اسْتَطَاعَتْ بِنْتُ الشَّوَارِعِ أَنْ
تَرْقَى بِلَا حَاكِمٍ يُعَاقِبُهَا
لَـمَّا تَوَارَتْ عَنِ الظِّلَالِ وَأَتْـــ
ـــبَعَتْ خَيَالًا خِصْبًا يُدَاعِبُهَا
وَارْتَشَفَتْ طَعْمَ النُّورِ وَالْتَمَسَتْ
ضَوْضَاهُ أَوْ ضَجَّةً تُصَاخِبُهَا
المعاني:
(٢) غواربها: أعاليها.
(٣) مآربها: حاجاتها الملحّة.
(٤) صاخبها: المثير للجلبة.
(٥) لجب: صوت التطام الأمواج، يضجّ: يصيح، أغالبها: أنازعها وأقاهرها.
(٦) أتاربها: أخادنها.
(٧) تُركت على حلّ شعرها: تُركت دون ضابط أو رابط، هجّ: طَفَش، غاربها: ما بين السَّنام والعُنق، وهو الذي يُلْقَى عليه خِطامُ البعير إذا أُرسل ليرعى حيث شاءَ.
(٨) مثالبها: عيوبها.
(٩) مطاربها: طرقها الضيّقة.
(١٠) مهارب: مفردها مهرب: مكان الهروب أو الملجأ.
(١١) الحسنى: معاملتها بالحسنى، جوالبها: الجوالب: الآفات والشدائد.
(١٢) الآل: السراب.
(١٣) يطرف عينيها: مخضوضر الأرض وسباسبها يجعلان العينين لا تلتفتان إلا إليهما، سباسب: صحاري أو أرض بلا ماء.
(١٤) مهمه: صحراء، هيم: عطشى، تشاربها: تشرب معها.
(١٥) الحكايا: في بيت سابق: مفردها حكيّة؛ واحدة الحكيّ: السرد، حواجبها: أشعّتها.
(١٦) الأمواه: المياه.
(١٧) راجبها: معظّم لها.
(١٨) اهتزّت مناكبها: هزّت كتفيها مستهترة لا مبالية.
