عدد أبيات القصيدة
وَقَلْبُكَ الْغَضُّ في ثَوْبِ بَرِيءٍ
إِذْ أَتْقَنَ الدَّوْرَ حَبْكًا، وَاحْتِبَاكَا
أَلْقَيْتَني في أَخَادِيدِ سَعِيرٍ
وقُلْتَ: (مَرْحَى!، أَهَذَا مُبتَغاكَا؟!
هَلْ ذُبْتَ يَا عَاشِقِي في ذا الهوى أَمْ
مِنْ لَذَّةِ الْعِشْقِ قَدْ خَارَتْ قُواكَا؟)
هَرَبْتَ مِنِّي، تَخِذْتَ الرُّعْبَ دَرْبًا
وَالْخَوْفُ يَا هَائِبَ الْعِشْقِ اعْتَراكَا
جَرَّعْتَني الْخَوْفَ مِنْ قَسْوَةِ قَلْبٍ
نَقَلْتَ لي الدَّاءَ، وَالرَّبُّ شَفَاكَا
أَدْخَلْتَ في مُهْجَتي الرُّعْبَ مِرَارًا
فَالْطُفْ بِمَنْ خَرَّ رُعْبًا، وَاتَّقَاكَا(١٥)
مَلَكْتَ رُوحي، وَقَيَّدْتَ جَنَاحي
أَنْكَرْتَني بَعْدَما قَلْبي أَوَاكا
وَكَيْفَ أَنْجُو مِنَ الْأَسْرِ بِعَيْنٍ
إِنْ أَصْبَحَ الْحُبُّ غَزْوًا، وَامْتِلَاكَا
بسَهْمِهَا ذَوَّبَتْني نَظَرَاتٌ
بِالنَّارِ كَمْ عَذَّبَتْني شَفَتَاكَا
يَا لَيْتَ شِعْري مَتَى أَنْجُو بِنَفْسِي
قُلْ لي بِحَقّ الهَوَى مَا مُرْتَجَاكا؟
يَا لَيْتَني في الْهَوَى نِلْتُ هُرُوبي
يَا لَيْتَني حُزْتُ في الْعِشْقِ انْفِكَاكا
مَضَرَّتي في الْهَوى مِنْكَ ابْتِعَادٌ
أَقْدِمْ لِأَجْلِي، أَمِطْ عَنّي أَذَاكَا
يَسِّرْ لَنَا راحَةً يَا كُلَّ جَهْدِي
شُغْلي بِهَذَا الْهَوَى صارَ انْـهِمَاكَا
وَكُنْ لإفْشَاءِ مَكْنُونِي حَلِيمًا
هَبْ أَنَّ رَبِّي بِذي السِّرِّ ابْتَلاكَا
أَقْدِمْ عَليَّ، اسْتَرِحْ في دِفْءِ حِضْني
عَسَاكَ تَلْقَى بِهِ السُّكْنى عَسَاكَا
أَقْدِمْ عَلَى طَائِعٍ لَيِّنِ قَلْبٍ
قُلْ لـي؛ أَفي مَرَّةٍ قَلْبي عَصَاكا؟
أَصُونُ عَهْدِي، وَعَهْدُ الْقَلْبِ سَيْفٌ
مَاضٍ؛ فَلَمْ أَسْتَطِعْ مِنْهُ فِكَاكا
الْيَوْمُ يَوْمي، وَأَرْضُ الْحَرْبِ أَرْضي
وَالْجَيْشُ جَيْشِي، وَقَتْلِي في ثَراكَا
عَجِبْتُ مِنْ مَقْتَلي الْـمُرِّ بِسَيْفي
وَمِنْ عَشِيرٍ بِطَعْنٍ قَدْ أَحَاكا(١٦)
أَيْنَ اخْتَفَى قَلْبُكَ الْغَيَّابُ، قُلْ لِـي
أَجِبْ بِحَقِّ الْهَوَى، مَاذَا دَهَاكَا؟
أَدْنَيْتَ في الْعِشْقِ مَنْ باعَ رَخِيصًا
أَبْعَدْتَ مَنْ تَاهَ عِشْقًا، وَاشْتَرَاكَا
فَكَيْفَ تَنْسى وَفِيًّا في غَرَامٍ
وَكَيْفَ تَهْوَى بِصِدْقٍ مَنْ سَلَاكَا
تَلُوذُ مِنْ مَسْكَنِ الْحُبِّ بِمَنْفَى
هُنَا عَذَابِي، وَمَأْوَاكَ هُنَاكَا
ظَلَمْتَ يا مُسْتَبِدَّ الْقَلْبِ رُوحي
أَهْمَلْتَ وَصْلِي، وقَلْبي ما نساكا(١٧)
قَطَعْتَ بِي، فُتَّني مَكْلُومَ عَيْنٍ
وَانْصَبَّ دَمْعي على الْخَدِّ انْسِفَاكَا
يَتَّمْتَ طِفْلًا بَريئًا مُسْتَكِينًا
فَأَغْرَقَ الْأَرْضَ دَمْعًا، وَتَبَاكى
بَكَيْتُكَ الْيَوْمَ مِنْ فَقْدٍ، وَبُعْدٍ
مَا طَهْوُكَ الْآنَ في طِفْلٍ بَكَاكَا؟
وُفِّقْتَ يَا مُسْتَبِدًّا في عُتُوٍّ
إِذَا تَمَنَّيْتَ لِلْقَلْبِ اهْتِلَاكَا(١٨)
أَعَانَكَ الرَّبُّ في ظُلْمي، وَقَهْرِي
وَسَدَّدَ اللهُ في الْبَطْشِ خُطَاكا
اذْهَبْ، وَقَلْبي أَنَا رَاضٍ بِذُلٍّ
قَوَّاكَ رَبِّي بِبَأْسٍ، وَهَدَاكَا
إِلَيْكَهَا مُهْجَتي يَا نُورَ عَيْني
وَهَبْتُ نَفْسِي، وَمَا نِلْتُ رِضاكَا
وَرَغْمَ ذُلِّي، وَتَعْذِيبِكَ – يَا مَنْ
شَوَيْتَ قَلْبي- أَنَا كُلِّي فِداكَا
خُذْ قُبْلَةً مِنْ شِفَاهي حِينَ تَشْوِي
فَإِنَّما مُتْعَةُ الشَّيِّ كَذَاكا(١٩)
جَهَنَّمي مِنْكَ بَرْدِي، وَسَلَامي
وَجَنَّةُ الْخُلْدِ في جَمْرِ لَظَاكَا
وَأَفْخَمُ العِشْقِ قَدْ كانَ طَرِيقِي
فَضَلَّ قَلْبي بِهِ مُنْذُ الْتَقَاكَا
طَوِيلَةٌ رِحْلَتي لَاقَيْتُ مِنْهَا
مَا دَبَّرَ الْبُعْدُ لي فِيها، وَحَاكَا
ضَيَّعْتُ عُمْري بِأَوْهَامٍ، وَلَهْوٍ
قَضْيْتُ نَحْبي انْتِحَارًا، وَانْهِلاكا(٢٠)
أَوَّاهُ مِنْ نَكْبَتي، يَا لَيْتَ قَلْبي
كَمَا سَبَيْتَ اهْتِمَامي قَدْ سَبَاكَا
حَلَمْتُ يَا جَائِرَ الْحُسْن بِعِشْقٍ
إِذَا بَرَاني مِنَ الشَّوْقِ بَرَاكَا
وَكَمْ تَلَهَّفْتُ يَا آخِذَ عَقْلِي
لَوْ أَنَّ قَلْبي بِقَدْرٍ قَدْ غَوَاكَا
وَكَمْ تَمَنَّيْتُ يَا مُسْتَعْبِدي لَوْ
عَشِقْتَ قَبْلي، وَقَلْبي قَدْ تَلَاكَا
يَا لَيْتَني في الْهَوَى كُنْتُ خَبِيرًا
يَا لَيْتَ قَلْبي بِسَهْمٍ قَدْ رَمَاكَا
شَارَكْتُ بِالْوَجْدِ في الْعِشْقِ، وَقَلْبي
أَرَادَ مِنْ قَلْبِكَ الْقَاسي اشْتِراكَا
اخْتَارَكَ الْعَقْلُ لِلْقَلْبِ وَلِيفًا
اخْتَارَكَ الْقَلْبُ خِدْنًا، وَاصْطَفَاكَا
إِنْ كُنْتَ صَخْرًا غَلِيظَ الْقَلْبِ فَظًّا
أَرَاكَ في كُلِّ أَحْوَالي مَلَاكَا
وَلَا تَرى في الْهَوَى غَيرَكَ عَيْني
وَلَا أَرَى طَيَّ أَحْلَامي سِواكَا
إِنْ كانَ حَظِّي بِعِشْقي ذُلَّ نَفْسٍ
فاقْطَعْ بِنا؛ لَا تُشَمِّتْ بي عِدَاكَا
وَرُدَّ قَلْبي إِذَا َما اخْتَرْتَ بُعْدًا
وَلَا عِتابٌ، وَلَوْمي قَدْ خَلَاكَا
فَوَّضْتُ أَمْري إِلَى رَبِّي، وَقَلْبي
شَكَا دَوَامَ اكْتِرابي، وَشَكاكَا
بِاللهِ يِا تَارِكَ الْقَلْبِ بجَمْرٍ
إِنْ عِفْتَ قَلْبي؛ فَدَعْني، وَكَفَاكَا
المعاني
(١٦) عشير: قريب، أحاكا: قطع بالسيف.
(١٧) نساكا: تركك (نسا: ترك “المعجم الوسيط”).
(١٨) اهتلاكا: الضلال، رمي النفس في التهلكة.
(١٩) الشيّ: إعداد الشواء.
(٢٠) انهلاكا: رمي النفس في المهالك.
