عدد أبيات القصيدة
وَرُبَّ طَارِقِ لَيْلٍ قَالَ في شَغَفٍ:
(عَلِّمْنِيَ الشِّعْرَ) قُلْتُ: (الشِّعْرُ كَالْآتِي
النَّاسُ مَوْتَى، وَبَعْضُ الشِّعْرِ تَسْلِيَةٌ
فاتْبَعْ خُطَى حَرَكَاتِي ثُمَّ تَكَّاتي(٦)
نَحْنُ الطُّهَاةُ، وَمَوْتَى الحِسِّ نُولِـمُهُمْ
فِإِنْ طَهَوْتَ؛ فَأَطْيَابَ الوَلِيمَاتِ
كُنْ كَالفَوَارِسِ، وَاسْتَمْلِكْ إِمَارَتَهُمْ
في الشِّعْرِ تَظْفَرْ بِإِطْرَاءِ الجَمِيلَاتِ)
وَرُغْتُ أَشْرَبُ مِنْ شِعْري عَلَى وَهَنٍ
كَثَعْلَبٍ مُثْقَلٍ مِنْ سَبْعِ لَفَّاتِ
ضَرَبْتُ أَخْمَاسَ سَاعَاتِي أُعَطِّشُهُ
رَمْيًا بِأَسْدَاسِ وَقْتِي في الـمَتَاهَاتِ(٧)
فَقَالَ يَقْرَأُ هَذَا البَيْتَ يَنْقُدُنِي:
(لَامٌ لِأَسْدَاسِهِ؛ فَالبَاءُ لَا يَاتِي)(٨)
فَقُلْتُ: (لَا تَكُ إِنْ صَحَّحْتَ لِي مَثَلًا
في الشِّعْرِ هادِمَ مُتْعَاتٍ، وَ لَذَّاتِ)
فَقَالَ: (فَسِّرْ مُرَادًا أَنْتَ تَقْصِدُهُ)
قُلْتُ: (اجْرِ، وَالْعَبْ بَعِيدًا دُونَ سَوْءَاتي
تَفْسِيرُ شِعْرِكَ لِلْغَوْغاءِ يَقْتُلُهُ
شِعْرُ الـمُجِيدِينَ غَالٍ، وَابْنُ سَادَاتِ
فَاجْعَلْ عَصَاكَ عَصَا مُوسَى الأَبِيِّ تَجِدْ
عِصيَّ سُحَّارِهمْ تَسْعَى كَحَيَّاتِ
إِذَا الْتَفَتَّ لِـمَغْمُورٍ سَتُشْهِرُهُ
فَلْتُعْلِ شَأْنَكَ في كُلِّ السِّبَاقَاتِ
وَافْخَرْ بِذَاتِكَ كَيْ تَزْدَادَ مَنْزِلَةً
وَاذْبَحْ بِسِكِّينِها لَا تَخْشَ نُهْيَاتِ(٩)
قُلْ “أَنْطَقَ الطِّفْلَ في مَهْدٍ سَنَا أَدَبِي
وَأَخْرَجَ الـمَوْتَ مِنْ أَصْحَابِ مَيْتَاتِ”
وَقُلْ “أَنَا اللَّفْظُ بَلْ خَلَّاقُ طِينَتِهُ
رَبُّ الـمَجَازِ، وَسُلْطانُ العِبَارَاتِ
إِذَا أَتَى شَاعِرٌ لي يَخْتَفي، وَإِذَا
صَفَّقْتُ في الحَالِ تَنْسَاهُ اخْتِفَاءَاتِي”
كُنْ في الحَدَاثَةِ وَغْدًا وَابْتَكِرْ صُوَرًا
كَعِطْرِ مَنْ عَرِقَتْ في دُخْنَةِ (الحَاتِي)(١٠)
وَامْزُجْ قَوَاعِدَ عِلْمِ النَّحْوِ في صُوَرٍ
مَا مِهْنَةُ الشِّعْرِ إِلَّا صَوْغُ نَحَّاتِ
إِذَا أَجَادَ بِهَا تَزْدَادُ أَسْهُمُهُ
وَلَذَّةُ النَّحْتِ في خَلْقِ ابْتِكَارَاتِ
وَاخْتَرْ مِنَ القَوْلِ مَا تَشْتَمُّ رَائِجَهُ
وَكُنْ مُلِمًّا بِهِ، وَالْـمُسْتَجَدَّاتِ
مِنْ شَائِعِ القَوْلِ سِحْرًا أَنْتَ تَحْشُرُهُ
“كالسِّرِ في البِئْرِ” أَوْ حَشْرِ “ابْنِ نُكْتَاتِ”(١١)
وَمِنْ كَلَامٍ مَضَى للسَّابِقِينَ، وَمِنْ
حَدِيثِ لَفْظٍ “كَجَوَّالٍ، وَرَنَّاتِ”(١٢)
وَمِثْلِ مَا لِلْوَبا الـمَشْهورِ مِنْ لُغَةٍ
أَوْ قَفْلِ أَلْفِ حِسَابٍ بِالْبَلَاغَاتِ”(١٣)
وَصُبَّ خَمْرَكَ مِنْ صُوفيِّ لَفْظَتِها
وَاضْغَطْ عَلَى زِرِّ دَرْويشِ الغِوَايَاتِ
مَنْ يَتْبَعُ القُطْبَ مَجْذُوبٌ لِغَيَّتِهِ
هَذَا، وتَابِعُهُ مَرْضَى اشْتِهَاءَاتِ(١٤)
وَمِنْ مُقَدَّسِ آيَاتٍ نُرَتِّلُها
وَمِنْ فُروضٍ، وَنَفْلٍ لِلْعِبَادَاتِ(١٥)
ابْدَأْ (بِيُوسُفَ)، وَاسْتَحْضِرْ حِكَايَتَهُ
وَاخْتِمْ (بِذِي النُّونِ)، أَغْرِقْ في الحِكَايَاتِ
فعَقْلُنا عَرَبيٌّ كَيْ تُعَلِّبَهُ
كُنْ في خِطَابِكَ مَهْوُوسَ اقْتِبَاسَاتِ
وَامْزُجْ أَسَاطِيرَ مَا طَالَعْتَ مِنْ أُمَمٍ
(عِشْتَارَ سورِيَةٍ) أَوْ قِصَّةِ (اللاتِ)(١٦)
وَاضْرَبْ لَهُمْ مَثَلًا، وَاكْتُبْ لَهُمْ حِكَمًا
وَاصْبُبْ لَهُمْ طُرَفًا مِنْ خَمْرِ كَاسَاتِ
بَيِّنْ لِإِظْهَارِ تَشْبِيهٍ تُمَثِّلُهُ
وَاغْزِلْ بَيَانَكَ مِنْ مَزْجِ (التَضَادَّاتِ)
قُلْ: “غَرَّ وَجْهٌ فَجَلَّى طَرْفَهُ دَعَجٌ
كَبَدْرِ وَهَّابَةٍ في لَيْلِ شَحَّاتِ”(١٧)
خُذْ كُلَّ هَذَا، ومِنْ أَشْبَاهِهِ مَثَلًا
وَانْسُجْهُ في نُتْفَةٍ أَوْ بَعْضِ أَبْيَاتِ
وَاخْتِمْ بِقَافِيَةٍ سَهْلٌ تَوَقُّعُها
إِنْ قُلْتَ: (أَشْتُوتَ) أَنْهَوْها: (بِأَشْتَاتِ)(١٨)
بِاسْمٍ مِنَ السَّابِقِ اخْتَرْ جَاهِدًا عَلَمًا
أَوْ مَنْ يَفُوهُ قَصِيدًا (كَابْنِ زَيَّاتِ)(١٩)
وَاسْتَخْدِمْ الثَّاءَ في إِعْجَازِ قَافِيَةٍ
وَمَا تَلا الشِّينَ إنْ لَثَّغْتُ (ثَخْرَاتِي)(٢٠)
وَلُفَّ شِعْرَكَ بِالْقِرْطَاسِ، أَلْقِ بِهِ
في نَارِ أَفْرَانِ صُنْدوقِ القُمَامَاتِ(٢١)
وَكُلُّ مَا قُلْتُهُ مِنْ قَبلُ في عَجَلٍ
بَلِّلْهُ بِالـمَاءِ، وَاشْرَبْ شُرْبَ غَتَّاتِ(٢٢)
وَابْرُمْهُ يَا وَلَدي أَوْ ضَعْ قَصِيدَكَ في
لَا لَنْ أَبُوحَ بِهَا مِنْ غَيْرِ (تِيتَاتِ)(٢٣)
ومَنْ أَرَادَ مِنَ الأَشْعَارِ مُتْعَتَهُ
أَبْلِغْهُ في الشَّبَقِ الْأَعْلَى سَلَامَاتي
كُلٌّ يُسَاقُ إِلَى مَأْوَى مُخَدِّرِهِ
فَالسُمُّ في الشِّعْرِ مِثْلُ السُّمِّ في الْقَاتِ(٢٤)
الشِّعْرُ يَا سَائِلي لَا أَنْ تُمَتِّعَهُمْ
بَلْ أَنْ (تُكَرْبِجَهُمْ) بِالسَّهْلِ، وَالْعَاتي(٢٥)
ضَرْبٌ؛ فَضَرْبٌ؛ فَضَرْبٌ، لَا مُهَادَنةٌ
وَلَا مَجَالٌ لَأَصْوَاتِ الشَّتِيمَاتِ
مَا نَفْعُ مَا زَادَ مِنْ مَوْتى بِمَشْرَحَةٍ
وَقِيمَةُ الشِّعْرِ في إِحْيَاءِ أَمْوَاتِ
يَا طَالِبَ الشِّعْرِ مِنْ شَهْدٍ بمَنْحَلةٍ
مَا ضَرُّ عَسَّالِهَا مِنْ لَسْعِ نَحْلَاتِ)(٢٦)
فَقَالَ: (وَاللهِ مَا أَدْرَكْتُ مَسْأَلَتي
عَذِيرَكَ الآنَ مِنْ أَقْوَالِ زَلَّاتِ(٢٧)
يَا ثُقْلَ ظِلِّكَ يا بْنَ البَارِدِينَ دَمًا
أَتْحَفْتَني بِدَمٍ مِنْ سُمِّ شَرْبَاتِ)
ومِنْ لَدُنِّي خَسِرْتَ الـمَعْذِرَاتِ؛ فَهَلْ
أَغْوَاكَ صَبْرِيَ أَمْ أَغْرَاكَ إِنْصَاتِي؟)(٢٨)
فَقُلْتُ: (وَيْلَ خَرُوفِ الشِّعْرِ مِنْ وَلَعٍ
كَعِشْقِ إِخْوَانِ شَيْطَانٍ (لِسَاعَاتِي)(٢٩)
هَذَا فِرَاقٌ، وَفَحْوَى أُوَثِّقُهُ
جَلْدٌ لِعَصْرٍ مَلِيءٍ بالحَمَاقَاتِ)
المعاني
(٧) ضرب أخماسا لأسداس: باللام: يقال لمن مكر وخدع، وللمثل قصّة، والخمس: أن تَرِدَ الإبل الماءَ في اليوم الخامس من ورودها السَّابق، فيكون بين الوِرْدَيْن ثلاثة أَيام.
(٨) لا ياتي: حرف الباء لا يأتي بل اللام إذا ضرب هذا المثل.
(٩) نهيات: مفردها نهية: غاية الشيء وآخرُه.
(١٠) الحاتي: بائع وطاهي للحم المشويّ والكباب على الفحم وأصلها اسم عائلة مصريّة، الكاتب أحمد أمين في كتابه “قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية”.
(١١) نكتات: مفردها نكتة: كلام مستملح أو طرفة.
(١٢) جوّال: هاتف محمول، رنّات: مفردها رنّة: رنين.
(١٣) الوبا المشهور: الوباء الشهير: وباء فيروس كورونا الأنفلونزا التاجيّة، البلاغات: مفردها بلاغ: بلاغ مقدّم إلى إدارة مواقع التواصل الاجتماعيّ يتضمّن شكوى ضد حساب لمخالفته قواعد الموقع.
(١٤) قطب: غوث: رتبة أعلى مقام في الصوفيّة.
(١٥) نفل: تطوّع.
(١٦) عشتار: عشتار هي آلهة الحب والحرب والجمال والتضحية في الحروب في حضارات بلاد الرافدين، سورية: سوريا، واللات: وثن كانت تعبده ثقيف في الجاهلية.
(١٧) غرّ: ابيضّ، جلّى: كشف وأظهر، طرفه: عينه، دعج: للعين اشْتداد سوادها مع اتِّساعها واشتداد بياضِها، حَوِرت واتّسعت.
(١٨) أشتات أشتوت: تقال طلبا لصرف العفاريت والجنّ ويقال أن أصل أشتات هو أشتاد إله فارسي وأشتوت هو يوم عيد للزرداشتين (المصدر: شارل فؤاد المصري: جريدة المصري اليوم).
(١٩) ابن زيّات: الشاعر محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، أبو جعفر وزير الخليفة المعتصم بالله.
(٢٠) ثخراتي: شخراتي: جمع شخرة واحدة الشخير.
(٢١) قرطاس: ورقة تلف كقِمَع ليوضع فيها الحبُّ.
(٢٢) غتّات: مبالغة من غتّ: جَرْع الماء مرة بعد مرّة، ونَفسا بعد نَفس، من غير إِبعاد الإناء عن فمه سواء كان مقهورا أو دون تمييز من شدّة العطش.
(٢٣) تيتات: أصوات صفّارات لتغطية ألفاظ خارجة في البرامج التلفزيونيّة.
(٢٤) القات: نبات تمضغ أوراقه الخضراء التي تحتوي على مادة تشبه في أثرها مفعول الكوكائين والمورفين.
(٢٥) تكربجهم: تضربهم بالكرباج “السوط”.
(٢٦) منحلة: مكان تربية النحل للحصول على العسل، عسّال: مستخرج العسل وبائعه.
(٢٧) عذيرك الآن من: من يعذرك الآن أو هاتِ من يعذرك من.
(٢٨) معذرات: المعاذير والمعاذر.
