قصيدة الغرام الشبيح

عدد أبيات القصيدة

١٠٠

فَأَهْلَكْنَاهُ عَدْوًا بِمِضْمَارِ الْبُكَا

“وَسَفَّفْنَاهُ تُرْبًا،” فَسَلَّ الْأَسْيُفَا(٤٧)

 

وَأَكْرَمْنَا لَئِيمًا، وَكُنَّا مَنْ بَغَى

وَلَمْ نَرْحَمْ عَزِيزًا، وَلَا مُسْتَضْعَفَا

 

وَأَسْرَفْنَا، وَمِنْ كُلِّ لَوْنٍ نَنْتَقِي

مَزِيدًا مِنْ شُرُورٍ، فَهَلْ قُلْنَا “كَفَى؟!”

 

بَتَاتًا يَا رِفَاقِي، وَقَوْلًا وَاحِدًا

تَعَطَّشْنَا لِبَطْشٍ إِذَا ظُلْمٌ ضَفَا(٤٨)

 

تَدَاوَلْنَا الْأَذَى فِي التَّلَاقِي عُمْلَةً

وَمِنْ بَخْسِ السَّجَايَا فَتَحْنَا مَصْرِفَا

 

وَوَظَّفْنَا عَلَى الْعِشْقِ نَاطُورًا إِذَا

أَرَادَ الْقَلْبُ مِنْهُ اسْتِقَاءً أَوْقَفَا(٤٩)

 

وَأَضْحَى حُبُّنَا حَالَةً مَأْزُومَةً

بِلَا حَلٍّ تَسَنَّى لَنَا أَنْ نَعْرِفَا

 

وَتُلَّتْ لِلْجَبِينِ الْحَمَامَاتُ الَّتِي

بِهَا آثَارُ هَدْلٍ كَنَبْعٍ جُفِّفَا(٥٠)

 

فَيَا غُصْنًا لِزَيْتُونَةٍ مَا حَلُّهَا؟

وَقَدْ أُسْقِيتَ شُحًّا وَرِيحًا جَفْجَفَا(٥١)

 

تَلَاشَى حَاضِرٌ، وَانْتَفَى عَنَّا غَدٌ

وَآَوَتْنَا اللَّيَالِي بِمَاضٍ جُرِّفَا(٥٢)

 

وَكُنَّا في اتِّهَامِ التَّنَائِي شَاهِدًا

إِذَا مَا كَانَ في حَالِ إِثْبَاتٍ نَفَى

 

وَقَدْ وَازَى هَوَانَا كِتَابًا مُرْسَلًا

سَمَاوِيًّا بِفَرْطِ التَّجَافِي حُرِّفا(٥٣)

 

وَهَدَّأْنَا بِعَادًا بِقُرْبٍ جَاحِدٍ

إِذَا مَا جَاءَ مِنْ أَجْلِ صُلْحٍ سَوَّفَا

 

وَقَاتَلْنَا ائْتِلَافًا قَدِيمًا بَيْنَنَا

بِغَزْوَاتٍ بِهَا طَيْرُ شُؤْمٍ رَفْرَفَا

 

وَحدَّقْنَا لِعَارٍ بِقَلْبٍ فَاغِرٍ

وَرَاقَبْنَا بِيَأْسٍ فَنَاءً مُشْرِفَا

 

وَيَأْتِينَا الْشَّجَى مُسْتَغِلًّا ضَعْفَنَا

وَمَا كَفَّ احْتِفَالًا بِعِشْقٍ خُطِّفَا(٥٤)

 

رَفَعْنَا رَايَةَ الْخِزْيِ فِي حَرْبٍ بِهَا

نُوَالِي جُنْدَهَا النَّاهِبِينَ الْخُطَّفا(٥٥)

 

وَكَمْ يَعْتَادُ مَنْ يَشْرَبُ الصَّمْتَ الْخَزَى

وَقَدْ أَضْحَى بِهِ مُولَعًا أَوْ مُكْلَفَا!(٥٦)

 

كَمَنْ رَبَّى مِزَاجًا بِتَدْرِيجٍ عَلَى

تَعَاطِي قُنَّبِ (الْهِنْدِ) حَتَّى يَأْلَفَا(٥٧)

 

يَرَى الْأَوْغَادُ في حُبِّنَا أُضْحُوكَةً

(وَكُومِيدْيَا) سَوَادٍ، وَمَزْحًا مُطْرِفَا(٥٨)

 

إِتَاوَاتٍ فَرَضْنَا عَلَى عِشْقٍ بِهِ

مَزِيدٌ مِنْ خَرَابٍ عَلَيْنَا أَوْهَفَا(٥٩)

 

فَخَفِّفْ يَا رَفِيقَ الْعِصَابَاتِ الْأُتَى

وَتُبْ عَنْ مَأْثَمٍ مِنْهُ قَلْبِي لَهَّفَا(٦٠)

 

وَكُنْ مِثْلَ الَّذِي قَدْ تَعَافَى بُغْضُهُ

وَدَاوَى الْحُزْنَ في خَلْوَةٍ حَتَّى صَفَا

 

وَكُنْ طَوْدَ احْتِمَالٍ يُوَارِى غَيْظَهُ

وَكُنْ كَالسَّمْحِ إِنْ مَسَّهُ ضَيْرٌ عَفَا

 

لِنَمْسِكْ بِالْهَوَى؛ فِي يَدَيْنَا فُرْصَةٌ

وَقَلْبِي قَدْ أَتَى رَاجِيًا مُسْتَحْلِفَا(٦١)

 

فَخُذْنِي نَحْوَ حِضْنٍ كَيُتْمٍ تَائِقٍ

لِضَمٍّ، إِنْ تَمَلَّى حَنَانًا مَا اكْتَفَى(٦٢)

 

فَهَذَا شَوْقُنَا مِنْ جَلِيدٍ يَهْتَرِي

وَهَذَا حُبُّنَا مِنْ صَقِيعٍ زَفْزَفَا(٦٣)

 

وَدِفْءُ الْحِضْنِ مَأْوًى لِأَتْبَاعِ الْهَوَى

وَدَرْوِيشُ الشِّتَا قَدْ تَرَجَّى مِعْطَفَا(٦٤)

 

فَبَاغِتْنِي بِحِضْنٍ بَرِيءٍ سَاذَجٍ

وَعَانِقْنِي، وَنَوِّلْ شَرِيدًا مِلْحَفَا(٦٥)

 

كَأَنِّي مَرْكَبٌ جَانِحٌ في نَهْرِهِ

وَقَدْ صَارَتْ ذِرَاعَاكَ لِلْنَّهْرِ الضَّفَا(٦٦)

 

وَخُذْنِي نَحْوَ جَنَّاتِ عَدْنٍ في فَمٍ

وَمَهِّدْ لِي بِسَاطًا، وَدَلِّ الشَّرْشَفَا(٦٧)

 

أُلَاقِي في شِفَاهٍ ثِمَارًا أَيْنَعَتْ

كَتُفَّاحٍ، وَقَدْ حَانَ لِي أَنْ أَقْطُفَا

 

فَقَرِّبْ مُذْعِنَ الثَّغْرِ مِنْ أَشْهَى فَمٍ

تَجِدْ ثَغْرًا مُطِيعًا لَهُ، مَا أَفَّفَا

 

وَغَبِّقْنِي بِخَمْرٍ حَرَامٌ تَرْكُهَا

تُمَنِّينِي خُلُودًا إِلَى أَنْ أَضْعُفَا(٦٨)

 

فَكُلُّ الْخَمْرِ في شَرْعِنَا قَدْ حُرِّمَتْ

سِوَى رِيقٍ حَلَالٍ شَهَا أَنْ أَرْشُفَا

 

وَدَثِّرْنِي فَكَمْ قَدْ تَعَرَّى الشَّوْقُ بِي

وَمِنْ جَنَّاتِ خُلْدٍ أَنَى أَنْ أَخْصِفَا(٦٩)

 

وَزَمِّلْني بِقَدٍّ مَلِيحٍ مَائِدٍ

بِهِ تَعْتِيقُ رَيَّا وَعِطْرٌ هَفْهَفَا

 

وَشَامٌ فَوْقَ أَكْتَافِهِ (مُسْتَنْعِسٌ)

كَشَمْسٍ في غُرُوبٍ وَقُرْصٍ قَدْ شَفَا(٧٠)

 

وَذَوِّبْنِي بِهِ في غُمُوضٍ مُبْهَمٍ

بِسِرٍّ قَدْ تَخَفَّى وَسِرٍّ كُشِّفَا

 

وَأَنْعِسْنِي إِذَا غِبْتُ فِي بُسْتَانِهِ

عَلَى مَهْدٍ لِحُسْنٍ، وَظِلٍّ وَرَّفَا(٧١)

 

وَأَلْقِمْنِي مُحَيَّا بَرِيئًا بَدْرُهُ

نَمَا فَانْشَبَّ حِقْدُ السُّهَا لَـمَّا خَفَا(٧٢)

 

وَلَا لَوْمٌ مُبَاحٌ عَلَى قَلْبِ امْرِئٍ

إِذَا مَا الْقَلْبُ في إِثْرِ مَا يَهْوَى قَفَا(٧٣)

 

فَأَكْرِمْنِي بِوَصْلٍ يَقِي ذِي علَّةٍ

بِهِ دَاءُ الْهَوَى قَدْ أَبَى أَنْ يُخْطِفَا(٧٤)

 

وَدَبِّرْ لِي بِذَا الدَّاءِ شَيْخًا عَالِـمًا

خَبِيرًا في عُلُومِ الرُّقَى أَوْ أُسْقُفَا(٧٥)

 

وَأقَبِلْ، وَائْتِنِي في تَجَلِّي حَضْرَةٍ

بِآيَاتٍ لِأُرْقَى أَوِ اقْرَأْ مُصْحَفَا(٧٦)

 

وَأَوْصِلْنِي لِـمَسٍّ مِنَ الْعِشْقِ الَّذِي

تَرَانِي قَيْدَ أَبْوَابِهِ كَيْ أَدْلِفَا

 

وَقَدْ أَوْصَى (ابْنُ سِينَا) بِجَمْعِ الْـمُشْتَهَى

بِمَهْوُوسٍ بِهِ دَاءُ (قَيْسٍ) طَوَّفَا(٧٧)

 

وَقَدْ أَوْصَيْتُ أَنْ يَسْكُنَا مَأْوَاهُمَا

بِتَشْدِيدٍ عَلَى الْقَلْبِ أَلَّا يَطْرِفَا(٧٨)

 

فَعُدْ لِي بَعْدَما دَاءِ إِجْرَامٍ، وَقُلْ:

(أَخَذْنَا في التَّعَافِي، وَرَبِّي قَدْ شَفَى

 

وَسُبْحَانَ الَّذِي قَدْ حَمَى الْإِلْفَيْنِ مِنْ

صِرَاعَاتٍ، وَبَعْدَ اخْتِصَامٍ أَلَّفَا!)(٧٩)

المعاني

(٤٧) البكا: البكاء، وسفّفناه تربًا: البيت المستدعى للشنفرى لأجواء القصيدة: وأستف ترب الأَرْض كي لَا يرى لَهُ عَليّ من الطول امْرُؤ متطوّل.

(٤٨) ضفا: فاض.

(٤٩) ناطور: حارس الزرع.

(٥٠) تلّت للجبين: أُعِدّت الحمامات للذبح والإشارة هنا لحمام السلام، هدل: هديل.

(٥١) ما حلّها: ما حل هذه الحالة المأزومة، جفجف: شديدة.

(٥٢) انتفى عنّا: تنحّى.

(٥٣) وازى: شابه.

(٥٤) وما كفّ احتفالًا: وما كفّ عنا أذى بهذا الاحتفال.

(٥٥) نوالي: نداهن ونناصر.

(٥٦) الخَزَى: الخزي، مكلَفا: مولعًا.

(٥٧) بتدريج: بالتدريج: قنّب الهند: القنّب الهندي؛ مخدّر الحشيش.

(٥٨) كوميديا سواد: مهزلة مأساويّة، مُطرفا: مُضحكا مؤنسا.

(٥٩) أوهف: أشرف.

(٦٠) الأتى: مفردها إتاوة، لهّف: استغاث.

(٦١) مستحلفا: طالبًا منك القسم والعهد.

(٦٢) تملّى حنانًا: استمتع به.

(٦٣) زفزف: ارتجف مصدرًا صوتًا من البرد.

(٦٤) الشتا: الشتاء.

(٦٥) ملحفا: معطفًا أو غطاء.

(٦٦) الضفا: الجانب.

(٦٧) شرشفا: مفرشًا أو غطاء.

(٦٨) غبّقني: اسقني شراب أو خمر العشيّ.

(٦٩) أنى: حان، أخصف: أن ألزق أوراق أشجار هذه الجنات على الشوق الذي تعرّى.

(٧٠) مستنعس: طالب النعاس “كلمة خارج المعاجم”، شفا: مال للغروب.

(٧١) ظلّ ورّف: امتد.

(٧٢) السُّها: كوكب صغير خفيّ الضوء في بناتِ نعش الكبرى أو الصغرى، خفا: ظهر.

(٧٣) قفا: ذهب وتبع.

(٧٤) يُخْطِف: يُقلع أو يذهب عن.

(٧٥) أسقف: رتبة مسيحيّة.

(٧٦) حضرة: جلسة ذكر صوفيّة.

(٧٧) ابن سينا: الشيخ الحكيم؛ عالم عربي، أوصى بجمع المريض بداء العشق أو داء قيس بمحبوبه كحل أول لعلاج هذا المرض، طوّف به: ألمّ به.

(٧٨) ألّا يطرفا: ألّا تميل عينه لغيره.

(٧٩) ألّف: ألّف بين قلبيهما.

تحقق أيضا من

قصيدة سلوفان الوجع

مَتَى الْقِنَاعُ الَّذِي سَتَرْتُ بِهِ ضَعْفِي.. مِنَ الْوَجْهِ الشَّمْعِ يَنْخَلِعُ!