عدد أبيات القصيدة
وَتُعِزُّنِي، وَتُحِيلُنِي يَوْمَ اللِّقَا
ءِ، وَيَوْمَ تَبْيَضُّ الْوُجُوهِ مُكَرَّمَا
وَتُعِيدُ قَلْبًا تَاهَ سَاعَةَ غَفْلَةٍ
وَإِذَا افْتَقَدْتُكَ في الْـمَحَبَّةِ مُحْجِمَا
بَاعِدْ بِنَا عَمَّنْ يَقُولُ لِخِلِّهِ
أَوْقِدْ عَلَى طِينٍ، وَ شَيِّدْ مَعْلَمَا
وَأَعِزَّنَا، وَالْطُفْ بِقِلَّةِ حِيلَتِي
بِئْسَ الْـمَصِيرُ، إِذَا تُحَاسِبُ مُجْرِمَا
يَأْوِي إِلَى أَصْنَامِهِ، فَتَحَطَّمَتْ
في يَوْمِ فَتْحٍ، مَا أَعَزَّتهُ الدُّمَى(٢٥)
هَيِّئْ لَنَا قُرْبًا يُجَاوِرُ سَيِّدِي
وَافْتَحْ لَنَا فَتْحًا مُبِينًا مُلْهِمَا(٢٦)
وَاقْبَلْ رَجَاءً مِنْ كُفُوفِ تَضَرُّعِي
أَجِدُ الْبَيَانَ مِنَ البُكَاءِ مُلَجَّمَا(٢٧)
صَامَ اللسَانُ عَنِ الْكَلَامِ تَقَرُّبًا
وَنَذَرْتُ هَذَا الصَّومَ حَتَّى تَرْحَمَا
وَعَجِزْتُ عَنْ وَصْفِ الْعُذُوبةِ في الْهَوَى
صَادَفْتُ قَلْبِي في الْغَرَامِ مُكَمَّمَا
أَهْلُ الْهَوَى لَا يَفْقَهُونَ لِحُبِّنَا
قَوْلًا، وَإِنْ خَلَقُوا لِعِشْقِي مُعْجَمَا
كَانَ الْهَوَى عَبْرَ الْقُلُوبِ تَذَلُّلًا
وَالشَّوْقُ في لُغَةِ الْعُيُونِ مُتَرْجَمَا
وَمَشِيئَةُ الْحُبِّ اسْتَبَاحَتْ كَوْنَنَا
عِشْقًا، وَتَنْفُذُ بَيْنَ أَقْطَارِ السَّمَا
وَأَبُوحُ بالسرِّ الْجَمِيلِ مُبشِّرًا
وَأَرَى فُؤَادِي بِالْـمَشَاعِرِ مُتْخَمَا(٢٨)
وَنَثَرْتَ ذِكْرَكَ في الْقُلُوبِ مُعَطِّرًا
وَرَمَيْتَ حُبَّكَ في شُعُورِي مُفْعِمَا(٢٩)
وَسَرَى هَوَاكَ، وَمَا رَمَيْتُ مَحَبَّتي
لكِنَّ فَيْضَكَ في الْخَلَائقِ قَدْ رَمَى
بَلَغَ الْحَنِينُ أَشُدَّهُ؛ فَمَنَحْتَنِي
مِنْ نُورِ وَجْهِكَ في سَمَائِي أَنْجُمَا(٣٠)
فِيكَ الْجَمَالُ مَتَى حَلَلْتَ، وَأَيْنَمَا
وَلَكَ الْخُضُوعُ مَتَى أَرَدْتَ، وَكَيْفَمَا
حَالِي بِقُرْبِكَ غَيْرُ حَالي في الْجَفَا
كَالْفَرْقِ مَا بَيْنَ الْبَصِيرَةِ، وَالْعَمَى
أَحْبَبْتُ كَمْ أَحْبَبْتُ قَدْ نَزَحَ الْأَسَى
وَلَقِيتُ مَا أَهْوَى سِوَاكَ مُجَرَّمَا
أَلْقَى التَّيَقُّنَ فَيكَ عِنْدَ تَسَاؤُلِي
وَتَرَى النَّوَاظِرُ مَا خِلَافِكَ مُبهَمَا
وَبُزُوغُ حُبِّكَ في القُلُوبِ مُؤَكَّدٌ
وَبَدَا الْخَلَاصُ بِلَا حَنَانِكَ مَزْعَمَا
قَدْ تُهْتُ دُونَكَ في الرَّحِيلِ مُشَرَّدًا
وَأَمِنْتُ عِنْدَكَ بِالرِّحَالِ مُخَيِّمَا
أَحْيَا عَلَى فَوْضَى التَّجَافي بَائِسًا
وَأَعِيشُ مِنْ قُرْبٍ إِلَيْكَ مُنَعَّمَا
أَمْرِي بِنُورِكَ في الْحَيَاةِ مُحَدَّدٌ
وَيَصِيرُ في يَأْسِ الشَّتَاتِ مُعَمَّمَا(٣١)
وَإِذَا دَنَوْتُ لَـمَسْتُ قُرْبَكَ عُزْوَةً
وَإِذَا اعْتَزَلْتُ فَقَدْ، أَضِيعُ تَيَتُّمَا
وَإِذَا قَسَوْتُ وَجَدْتُ أُفْقِي ضَيِّقًا
وَإِذَا عَشِقْتُ وَجَدْتُنِي مُتَفَهِّمَا
وَإِذَا اعْتَكَفْتُ وَجَدْتُنِي مُسْتَوْعِبًا
وَبِغَيْرِ ذِكْرِكَ تَائِهًا مُسْتَفْهِمَا
وَإِذَا سَجَدْتُ وَجَدْتُ قَلْبِي وَاحِدًا
وَإِذَا غَفَلْتُ أَعِيهِ صَارَ مُقَسَّمَا
وَإِذَا وَعِيدُكَ صَابَ أَضْحَى مَغْرَمًا
وِإِذَا صَدَقْتَ الْوَعْدَ أَضْحَى مَغْنَمَا
وَإِذَا ذَكَرْتُكَ في النَّوَاحِي مَرَّةً
أَضْحَى الْغَرَامَ لِنَبْضِ قَلْبِي مُلْزِمَا
وَإِذَا عَشِقْتُ فَإِنَّ عِشْقِيَ نَاقِصٌ
إِلَّا إِذَا أَحْبَبْتَ، كَانَ مُتَمَّمَا
وَتَكَلَّمَتْ رُوحِي إِلَيْكَ تَوَضُّؤًا
وَتَحَدَّثَتْ وَلِـمَنْ سِوَاكَ تَيَمُّمَا
وَتَوَرَّدَ الْقَلْبُ الْـمُحِبُّ بِعِشْقِهِ
وَتَفَحَّمَ الْقَلْبُ الشَّرِيدُ مُخَتَّمَا
يَزْدَانُ طَقْسِي في التَّوَدُّدِ صَافِيًا
وَغَفَتْ سَمَائِي في الشُّرُودِ تَغَيُّمَا
وَيَلُوذُ جُرْحِي في التَّنَائِي شَائِبًا
وَيَطِيبُ مِنْكَ، وَيَسْتَحِيلُ مُعَقَّمَا(٣٢)
وَيَكُونُ شَأْنِي مِنْ فِرَاقِكَ غَابِرًا
وَيَزِيدُ حَالِي في الْوِصَالِ تَقَدُّمَا(٣٣)
أَحْيَا عَلَى فَيْضِ الْكَرِيمِ، وَفِي الرِّضَا
وَإِذَا قَطَعْتُ الْوَصْلَ زِدْتُ تَهَدُّمَا
وَتَضِيقُ مِنِّي في التَّبَاعُدِ مُهْجَتِي
وَيَزِيدُ قَلْبِي في الضَّيَاعِ تَبَرُّمَا
قَلْبِي يَفِيضُ، وَيَسْتَزِيدُ بِوَجْدِهِ
إِنَّ الشَّرَارَ إِذَا أَهَبَّ تَضَخَّمَا(٣٤)
يَحْمُو عَلَى قَلْبِي اشْتِيَاقُ صَهِيلِهِ
وَيَثُورُ مِنْ فَرْطِ النُّزُوحِ مُغَمْغِمَا(٣٥)
فَإِذَا حَجَبْتُ الْبَوْحَ لَاحَ حَنِينُهُ
وَإِذَا لَـمَحْتُ الْصَّفْحَ صَاحَ مُحَمْحِمَا(٣٦)
فَاعْذُرْ لِتَقْصِيرِي الشَّدِيدِ؛ فَإِنَّنِي
بِمَجَالِ هَذَا الْعِشْقِ لَسْتُ مُخَضْرَمَا
لَوْلَا يُفَنِّدُ في الْـمَحَبَّةِ حَاسِدٌ
لَخَطَطْتُ أَضْعَافَ الْقَصِيدِ مُرَقِّمَا(٣٧)
زِدْنِي صَلَاةً كَيْ تُذَكِّرَ عَاشِقًا
مُتَعَبِّدًا، وَاجْعَلْ جِرَاحِي بَلْسَمَا
وَاجْعَلْ لِقَائِي في الصَّلَاةِ تَوَاصُلًا
وَاقْبَلْ دُعَائِي في الْغُسُوقِ تَرَنُّمَا(٣٨)
وَاسْمَحْ بِحُبِّ مُسَبِّحٍ؛ فَلَقَدْ بَدَتْ
أَسْمَاؤُكَ الْحُسْنَى لِقَلْبِي مَنْجَمَا
وَاشْرَحْ جَوَانِحَنَا، وَأَحْلِلْ عُقْدَةً
لِفَتًى أَتَاكَ مِنَ الْحَيَا مُتَلَعْثِمَا
وَاجْعَلْ خِتَامِي أَنْ أُلَبِّيَ طَائِفًا
وَأَحُجُّ بَيْتَكَ في الشَّعَائِرِ مُحْرِمَا
وَاجْعَلْ مَلَاذي أنْ أُعمِّرَ مَسْجِدًا
عِنْدَ الْبَقِيعِ، وَأَنْ أُجَاوِرَ زَمْزَمَا(٣٩)
وَاغْفِرْ، ذُنُوبِي إِنْ عَشِقْتُكَ طَائِعًا
وَارْفُقْ بِقَلْبِي إِنْ أَتَيْتُكَ مُسْلِمَا
المعاني
(٢٦) يجاور سيّدي: يجاور سيّدي رسول الله.
(٢٧) ملجّما: مقيَّدا، مكفوفًا عن الكلام.
(٢٨) متخما: مثقلا، ممتلأ من.
(٢٩) مفعما: مملوءا.
(٣٠) أشدّه: قوّته، أزدتني: أعطيتني زادا.
(٣١) معمّما: عامًّا.
(٣٢) شائبا: غير نقيّ، مخالطا لشيء، معقّما: مطهَّرا من الأشياء الضارّة.
(٣٣) غابرا: قديما أو بعيدا.
(٣٤) أهبّ: أثار، أهاج الأشياء.
(٣٥) يحمو: يشتدّ حرُّهُ، مغمغما: متكلِّما بكلامٍ غير مفهوم.
(٣٦) محمحما: مصدرًا صهيلًا خافتًا.
(٣٧) يُفنّد: يُسفِّه.
(٣٨) غسوق: ظلمة الليل,
(٣٩) بقيع: مقبرة أهل المدينة، زمزم: بئر ماء في الحرم المكيّ.
قصائد أسامة فؤاد سراج الدين شارك أجمل أوقاتك معها 