قصيدة النفس اللوامة

عدد أبيات القصيدة

٢٠٠

دَعْ قِمَارَ الْعِشْقِ عَنْكَ، وَدَعْ

عَنْكَ وَهْمًا خَادِعًا كَذِبَا

 

قَدْكَ بُؤْسًا فُرْقَةٌ أَبَدَتْ

أَوْ مَكَانٌ عَامِرٌ عَزَبَا(٥٤)

 

كَمْ رِهَانٍ كُنْتَ مُعْجِلَهُ

وَالتَّرَوِّي مَا بِهِ نَحَبَا!(٥٥)

 

فَرَّ مِنَّا الْأُنْسُ صَارَ لَغًا

بِالنَّوَى، وَالْعُمْرُ قَدْ نُهِبَا(٥٦)

 

لَا رَفِيقٌ في طَرِيقِ هَوًى

لَا أَصِيلٌ يُنْجِدُ الْغُرَبَا(٥٧)

 

يَا خَدِينَ الْأَمْسِ قَبْلَ غَدٍ

لَا أَسًى أَنْ صِرْتَ مُجْتَنِبَا

 

يَا جِدَارَ الصَّبْرِ يَا سَنَدًا

هَلْ تُؤَوِّي الْيَوْمَ مُغْتَرَبَا؟

 

كَمْ جِدَارٍ بِتُّ أَقْصِدُهُ

إِنْ أَوَانِيهِ ادَّعِي نَسَبَا!(٥٨)

 

عَدَّ أَمْرِي في وِصَايَتِهِ

ظَنَّنِي ضَيْفًا بِهِ عُصِبًا(٥٩)

 

مُدَّعٍ هَذَا الْجِدَارُ عَلَى

مَنْ إِلَى أَرْكَانِهِ جَنِبَا(٦٠)

 

جَسَّ مِنِّي الْحُزْنَ خَايَلَني

أَتَدَاعَى مِثْلَهُ خَرِبَا(٦١)

 

ظَنَّنِي قَدْ إِلْتُ نَحْوَ هُوًى

إِذْ رَأَني مُوحِشًا تَرِبًا(٦٢)

 

ظَنَّنِي! وَالظَّنُّ حَيْثُ دَوَى

إِثْمُهُ الْبِكْرُ الَّذِي اصْطَحَبَا

 

غُلَّ رَأْسِي مُذُ تَكِئْتُ عَلَى

سَنَدِي الْـمَشْرُوطِ مُكْتَرِبَا(٦٣)

 

بَثَّنِي مَوْجَ الْهُمُومِ، مَتَى

كُنْتُ في شُطْآنِهِ كُثُبَا؟(٦٤)

 

مُرْغَمًا أُصْغِي لِشَكْوَتِهِ

غَارِقًا في هَمِّهِ دَأَبَا

 

هَلْ جَلَبْتُ الْعَوْنَ مِنْهُ مَتَى

قُلْتُ: (غِثْنِي)، أَمْ هُوْ اجْتَلَبَا؟!

 

هَلْ جَلَبْتُ الْعَارَ مُنْذُ مَتَى

رُمْتُ غَيْرًا أَمْ لِيَ انْتُجِبَا؟(٦٥)

 

صَارَ عُكَّازًا بِهَا أَبَدًا

وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ أَوْ صَخِبَا

 

وَسَعَتْ حَيَّاتُهُ، وَأَنَا

أَرْتَمِي في حِجْرِهِ تَعِبَا

 

لَمْ يُطِبْ طَعْنَاتِ دَهْرِيَ بَلْ

بَدَلًا أَلْأَمْتُهُ النَّدَبَا(٦٦)

 

دَانَنِي مِنْ سُحْتِ مُتَّكَأٍ

وَالْوَفَا بِالدَّيْنِ قَدْ قَرُبَا(٦٧)

 

وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مَوْتُ فَمِي

وَاسْتِمَاعِي عَائِدَاتُ رِبَا(٦٨)

 

بَاتَ كَوْمِي التَّلُ مُؤْنِسَهُ

وَعَلَى الْإِنْصَاتِ مُنْسَحِبَا(٦٩)

 

ضِاقَ ذَرْعِي، لَا مِرَاءَ، بِهِ

نَفَسِي في أَضْلُعِي انْقَضَبَا(٧٠)

 

وَنَوَى قَلْبِي الرَّحِيلَ إِذَا

مَا رَأَى مِنْ هِجْرَتِي أُهُبَا(٧١)

 

لَا يَعِي بَيْنَ الرَّحَالِ سِوَى

خَيْطِ ضَوْءٍ طَرْفَهُ جَذَبَا

 

ضَجَّ مِنْ أَمْرِي الْجِدَارُ، وَمَا

أَسْعَفَتْ أَطْلَالُهُ غَضَبَا

 

لَا أُبَالِي مِنْهُ زَمْجَرَةً

لِغُرَابٍ حِينَمَا نَعَبَا

 

هَزَّني؛ وَالْجِذْعُ طَوَّحَهُ

نَخْلَتِي مَا أَسْقَطَتْ رُطَبَا

 

لَامَ قَلْبِي في مُفَارَقَةٍ

إِنْ تَرَاءَتْ نِيَّتِي غَضِبَا

 

تَرَكَ الْحَيَّاتِ سَائِبَةً

بَيْنَمَا مَرْبُوطَهُ ضَرَبَا(٧٢)

 

وَتَنَامَى شَزْرُهُ حَنَقًا

وَاسْتَحَدَّ النَّابَ وَالشَّنَبَا(٧٣)

 

خَالَنِي في الْحِلِّ تَابِعَهُ

خَالَنِي مِنْ نَفْسِهِ ذَنَبَا(٧٤)

 

بَهْلَوَانًا يَسْتَمِيلُ عَلَى

حَبْلِهِ أَمْشِي كَمَا رَغِبَا

 

صَاحِبًا في السِّجْنِ مُبْتَئِسًا

دَائِمًا في حُلْمِهِ صُلِبَا

 

طَالَ مَا يَحْجُو نَدَى كَرَمِي

حَقَّهُ الْـمِلْكَ الَّذِي اكْتَسَبَا(٧٥)

 

فَرْخَةً بَاضَتْ لَهُ ذَهَبَا

ضَرْعَهُ إِنْ شَاءَهُ احْتَلَبَا

 

حَازَ صَدْرِي مِنْهُ غَائِرَةً

وَسُيُوفًا جُوَّعًا رُسُبَا(٧٦)

 

يا لَعَارِ الْـمَرْءِ أَيْنَ رَأَى

حَقَّهُ الشَّرْعِيَّ مُغْتَصَبَا!

 

حُلَّ عَنِّي يَا جِدَارُ فَلَمْ

أَكُ لِلْجُدْرَانِ مُنْتَسِبَا

 

مَا لِعَبْدٍ قَطُّ، أَحْسَبُنِي،

كُنْتُ كالْعِتْقِ الَّذِي ارْتُغِبَا

 

وَمَتَى أَنْوِ الْـمُقَامَ عَلَى

وَهَنٍ بِي أَنْتَوِ الْهَرَبَا

 

كَائِنًا مَا كَانَ أَهْجُرُهُ

فِطْرَتِي مِنْهَا الْخَسِيسُ جَبَا(٧٧)

 

طَيِّبٌ عِنْدَ اللُّزُومِ، وَإِنْ

مُسَّ ظِلِّي قُمْتُ مُحْتَرِبَا(٧٨)

 

فَاتِكًا بِاللَّيْثِ في عُرُنٍ

قَاتِلًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَثِبَا

 

يَا طُفَيْلَ الرُّوحِ مَعْذَرَةً

فَكِيَانِي لَيْسَ مُنْتَهَبَا

 

مُحْكَمٌ غَلْقِي طَرَقْتَ عَلَى

بَابِ أَسْرَارِي وَلَنْ تَلِبَا(٧٩)

 

تَشْتَهِي الْأَسْرَارَ مِنْ دَرَكِي

جَائِعًا في سَغْبَةٍ سَغِبَا(٨٠)

 

دُونَهُ الْأعْناقُ نَبْسُ فَمِي

وَدِمَاءٌ طَالَتِ الرُّكَبَا(٨١)

المعاني

(٥٣) فؤادي الفرد: الوحيد، حل إعدام: إعدام عشقك، لتحتسب: لتصبر على موت العشق وتدّخر الأجر.

(٥٤) قدك فرقة بؤسا: يكفيك فرقة تجلب لك بؤسا، قدك مكان قد عزب بؤسا: يكفيك مكان خلا من ساكنيه يجلب لك البؤس.

(٥٥) التروّي ما به نحبا: التروّي ما راهن على هذا الرهان المعجّل.

(٥٦) اللغا: هراء الكلام، النوى: الفراق.

(٥٧) الغربا: الغرباء.

(٥٨) إن أوانيه ادّعى نسبا: إن أواني بأركانه ادّعى قرابة.

(٥٩) به عصبا: أُحيط بي منه.

(٦٠) جنب إلى: مال واشتاق.

(٦١) خايلني: بدت صورتي له.

(٦٢) إلت نحو هُوى: أوشكت على السقوط في حفر بعيدات القرار.

(٦٣) غلّ رأسي: شلّ رأسي عن التفكير، تكئت: استندت، سندي المشروط: جداري الذي يفرض شروطه لأستند عليه.

(٦٤) كثب: كثبان الرمال.

(٦٥) انتجب لي: اختير وانتخب لي.

(٦٦) بدلا ألأمته الندبا: بدلا من ذلك ألأمت ندوبه.

(٦٧) دانني: أقرضني، الوفا: الوفاء.

(٦٨) عائدات ربا: فوائد الربا.

(٦٩) كومي التل: جسدي الثابت جواره، على الإنصات منسحبا: منطبقا على عادة الإنصات.

(٧٠) انقضب: انقطع.

(٧١) أهبا: مفردها أهبة: استعداد.

(٧٢) بينما مربوطه ضربا: البيت من المثل المصري؛ “اضرب المربوط يخف السائب”.

(٧٣) شزره: نظرات التوعّد، حنقا: غيظا، استحدّ: سنّ، الشنبا: أصله الأسنان.

(٧٤) ذنبا: ذيلا.

(٧٥) يحجو: يظنّ.

(٧٦) غائرة: طعنة غائرة، رسبا: نافذات متوغّلات.

(٧٧) جبا: جمع وحصّل.

(٧٨) اللزوم: الضرورة والحاجة، محتربا: مقاتلا.

(٧٩) لن تلبا: لن تدخل.

(٨٠) دركي: قاع بئري، سَغبة: مجاعة، سغِبا: جائعا من تعب.

(٨١) دونه الأعناق نبس فمي: تتقطع الأعناق وفمي لا يتكلم، دماء طالت الرقبا: دماء مسفوكة من كل حدب وصوب ويقال في الثقافة الشعبية المصرية للمبالغة والتهويل “خناقة بها الدماء للركب”.

تحقق أيضا من

قصيدة سلوفان الوجع

مَتَى الْقِنَاعُ الَّذِي سَتَرْتُ بِهِ ضَعْفِي.. مِنَ الْوَجْهِ الشَّمْعِ يَنْخَلِعُ!