عدد أبيات القصيدة
آنَسْتُ نَارًا في الْعُيونِ كَعَابدٍ
مِنْ جَاِنبِ الطُّورِ الْعَظيمِ مُكَلَّمِ
فتَبِعْتُهَا بِطَريقِ عِشْقٍ غَامِضٍ
كَغُمُوضِ نَظْراتٍ بِعَينِ مُلَثَّمِ
وَكَأنَّني إنْسانُ غَابٍ تَائِهٍ
يَلقَى الضَّياعَ بِعَالَمٍ مُتَقَدِّمِ
مَرَّ الزَّمانُ، وَزَادَ حجْمُ مَحَبَّتي
كَالزَّهْرِ يَنْمو مِنْ طُفُولَةِ بُرْعُمِ
كَالنَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرٍ لِشَرارِهَا
إِذْ تَسْتَبِيحُ هَشِيمَهَا بِتَضَرُّمِ
وَوَرَدْتُ حَوْراءَ الْعُيونِ، وَأَرْتَوي
عَطَشًا، أَحِنُّ بِهَا لِـمَاءِ (الزَّمْزَمِ)
وَظَمِئْتُ مِنْ إحْسَاسِهَا؛ فَرَشَفْتُ مِنْ
قَسَمَاتِهَا، وَشَرِبتُ شُرْبَ الْأَهْيَمِ(٢)
مِنْ ذِكْرِها أَلْقَى صَعيدًا طَيِّبًا
فتَيَمَّمَتْ رُوحِي بِحُلْوِ تَوَهُّمِي
وَإِذَا بَصُرْتُ بِهَا الْـمَلَاحَةَ أَبْطَلتْ
كَالْـمَاءِ في وَقْتِ الْوُضُوءِ تَيَمُّمي
يَا مَنْ تَلُومُ الْقَلْبَ، كَيْفَ تَلُومُهُ
بِمَلِيحَةٍ هِيَ جَنَّتي، وَجُهَنَّمي؟
حُوريَّةٌ فَارَتْ بِفِتْنَةِ حُسْنِهَا
وَكَفَاكَ ربُّ الْكَونِ فَتْكَ الْـمَبْسِمِ(٣)
مِنْ نُورِ ضِحْكَتِهَا شُغِفْتُ بِظُلْمَتي
لَكَأَنَّهَا في الليْلِ وَمْضَةُ أَنْجُمِ
كَتَوهُّجِ الْأَلـْماسِ لَاحَ لِعَامِلٍ
لَـمَّا اسْتَرَاحَ بِغَيْهَبانِ الْـمَنْجَمِ(٤)
وَ بِشَمْسِهَا دِفْءٌ لِبَرْدِ قُلُوبِنَا
وَتَكُونُ في حَمِّ الظَّهِيرةِ بَلْسَمي(٥)
وَإِذَا ذَكَرْتُ بمَجْلِسٍ أَوْصَافَهَا
فَاحَ الشَّذا بِمَكانِنَا الْـمُتَنَسِّمِ
فَتَّانةٌ حُلْوُ الْكَلَامِ رَحِيقُهَا
يَجْتَاحُنَا مِنْ عَذْبِ بَوْحِ الْـمِيسَمِ(٦)
حَلَّتْ رُمُوزَ الْعِشْقِ أَنْجَتْ حِيرَتِي
مِنْ كُلِّ مُلْتَبِسٍ، وَفكَّتْ طَلْسَمي
وَتَسَحَّبَتْ كَشُعاعِ شَمْسٍ دَافئٍ
وَتَوغَّلَتْ، وَتَسَرَّبَتْ في أَعْظُمي
تَجْتَاحُ بَعْضِي بَلْ غَدَتْ تَنْسَابُ في
كُلِّي، وَلَيْسَ كَمَا حَسِبْتُ بِمُعْظَمي
قَدْ حَوَّطَتْني دَائِمًا بِجَنَاحِهَا
كَمَلَاكِ قَلْبي الْحَارِسِ الْـمُتَجَسِّمِ
هِيَ كَالنُّبوءَةِ، وَالرِّسالَةِ في الْهَوَى
جَاءَتْ بِعِشْقٍ في الْغَرَامِ مُتَمِّمِ
هِيَ لَا تُقَدَّرُ بِالْكُنُوزِ، وَإِنَّمَا
غَالٍ هَوَاهَا لَا يُقَاسُ بِدِرْهَمِ
يَا مَنْ سَكَنْتُ بعِشْقِهَا الْأَبَديِّ يَا
أَرْقَى مَعَاني الْـمُفْرَداتِ بِمُعْجَمي
حَكَّمْتُ قَلْبَكَ في ذَبِيحِكِ، فَاحْكُمي
بِالْعَدْلِ آتِيني بِحُكْمٍ مُلْزِمِ
أَرْسَلتُ مَخْزُونَ ابْتِهَالَاتي عَسَى
أَنْ تُدْرِكي بَوْحَ الْقَتيلِ، وَتَفْهَمي
لَا عُذْرَ لِلْمَحْبوبِ حَالَ الْبَوْحِ لَا
يَحْتَاجُ مَنْ خَبُرَ الْهَوَى لِـمُترجِمِ(٧)
خَالي الْوِفَاضِ مِنَ الْهَوَى قَدْ مَلَّ مِنْ
صَمْتٍ، وَفَرْضٍ أَوْ تَخَيُّلِ مَزْعَمِ
يَا عَاشِقًا لِلْوَهْمِ يَا مَجْنُونَهَا
فَاضَتْ هُمُومُكَ وَيْ لِقَلْبٍ مُتْخَمِ(٨)
قِفْ نَبْكِ في خَتْمِ الـْمَطافِ تَيَتُّمِي
وَاتْلُ الْقَصِيدَةَ بِالْوَجِيعَةِ، وَاخْتِمِ
بُحْ بِالْـمَحَبَّةِ يَا لَراحَةِ قَلْبِهِ
مَنْ بَاحَ بِالْأَسْرَارِ بَعْدَ تَكَتُّمِ
وَابْرْحْ سُؤالَكَ عَنْ مَصيرِي الْـمُظْلِمِ
وَاذْكُرْ دِيَارَ حَبيبَةٍ هِيَ تَوأَمِي
تِلْكَ الدِّيَارُ نَزَلْتُهَا مُتَوهِّمًا
أَرْجُو اللقَاءَ بِلَهْفةِ الْـمُتَعشِّمِ
عَيْني تُعِيدُ الذِّكْرَيَاتِ، وَبَعْدَمَا
ضَحِكَتْ، تَقَمَّصَ نَفْسَ ضِحْكَتِهَا فَمِي
وَإِذَا تَبَدَّى بَعْدَ وَقْتٍ حُزْنُهَا
قَتَلَ الْأَسَى بَعْدَ الْحَنِينِ تَبَسُّمي
أَوْقَفْتُ في طُرِقِ الْهَوَى سَيَّارَتِي
وَرَكَنْتُها، وَنَزَلْتُ كَالْـمُسْتَسْلِمِ
وَبَكَيْتُ في نَفْسِ الْـمَكانِ، كَلَاجِئٍ
في الْحُبِّ دُونَ إِعَانَةٍ، وَمُخَيَّمِ
نَفْسُ الْوُجُوهِ تَمُرُّ عَبْرَ طَرِيقِنَا
وَمَصِيرُنَا نَفْسُ الْـمَصيرِ الْـمُؤْلِمِ
نَزْدَادُ بُعْدًا، وَالنَّتِيجَةُ نَفْسُهَا:
“يَفْنَى الْهَوَى بَعْدَ انْتِهَاءِ الْـمَوْسِمِ”
وَجَرَى الْحِدَادُ عَلَى الْفَقِيدِ غَرَامِنَا
وَعَليْهِ أَفْضَلُ رَحْمَةٍ، وَتَرَحُّمِ
وَتَـمُرُّ أَزْمِنَةٌ عَلَى أَزْمَانِنـَــــا
وَمَدِينَتي تَحْتَ الْحِصَارِ الْـمُحْكَمِ
ضَاقَتْ شَوَارِعُهَا، وَيَكبُرُ حُزنُهَا
وَتَعِجُّ بِالْـمَخْدُوعِ، وَالْـمُتَوَهِّمِ
وَ تَدُلُّ آثَارُ الْبُيوتِ، وكُلُّ مَا
فِيهَا عَلَى إحْسَاسِنا الْـمُتَهَدِّمِ
وَتَطُوفُ ذِكْرَى سَاكِنِيهَا حَوْلَنَا
وَنَعِيشُ خَضَّةَ طَقْسِهَا الْـمُتَغَيِّمِ
وَتَفِيضُ أَمْطَارُ السَّمَاءِ كَأَنـَّمَا
تَبْكِي الدِّيَارُ عَلَى قُلُوبِ الْهُيَّمِ
وَ الْحُبُّ آلَ إِلَى السُّقُوطِ، كَمَنْزلٍ
في ذِمَّةِ التَّارِيخِ غَيْرِ مُرَمَّمِ
أَعْيَا بُيوتَ الْحَيِّ طُولُ خِصَامِنَا
وَغِيابُنَا عَنْ كُلِّ حُبٍّ مُلْهِمِ
في كُلِّ رُكْنٍ في الشَّوارِعِ قِصَّةٌ
تَحْكِي لَنا عَنْ عِشْقِنَا الْـمُتَأَزِّمِ
صَخَبُ الْأَزِقَّةِ، وَالْـمَدقَّاتِ انْتَهَى
وَتَحَوَّلَ الْفَرَحُ الْقَصِيرُ لِـمَأْتَمِ(٩)
وَرَجَعَتُ أَبْكي بَعْدَ صَدْمَةِ رِحْلَتِي
صِفْرَ الْيَدَيْنِ أَضِيعُ بَعْدَ تَلَطُّمِ
عَصَفَتْ بيَ الْأَحْوالُ بَعْدَ رَحِيلِنَا
أَسَفًا أُوَاسِي وَجْدَنَا الْـمُتَأَلِّمِ
المعاني
(٣) طلّت: حسنت، مبسم: فمّ، ثغر.
(٤) غيهبان: ظلمة.
(٥) حمّ الظهيرة: قيظها، شدّة حرارتها.
(٦) ميسم: أثر الحسن، والجمال.
(٧) خبُرَ: جرّب.
(٨) وي: بمعنى أتوجّع أو أعجب بهِ.
(٩) أزقة: جمع زقاق: الدروب الضيّقة، مدّقات: جمع مدقّ: طرق ضيّقة غير ممهّدة تكون خارج المدن والقرى غالبا.
