عدد أبيات القصيدة
كَيْف التَّغيُّبُ عَنْ مَرَاسِمِ عِشْقِهَا
وَأَنَا عَرَفْتُ الْـمُـلْكَ في إِيوَانِهَا(٨)
أَنْوِي الرَّحِيلَ، وَكَيْفَ أَعْبُرُ مِحْنَتِي
وَأَنَا أَسِيرٌ في خُلُودِ جِنَانِهَا
وَخَريطَةُ (الْـﭽِينَاتِ) تَرْبُطُنَا مَعًا
بِمَشَاعِرِ الْإِحْسَاسِ في وِجْدَانِهَا
وَأَمُوتُ مِنْ سِرِّي الصَّغِيرِ بِحَسْرَتِي
أَوْجَاعُنَا تَزْدَادُ مِنْ كِتْمَانِهَا
وَالْبَوْحُ بِالْأَسْرَارِ أَصْعَبُ مِهْنَةٍ
إِنَّ الْهُمُومَ تَطِيبُ مِنْ إِعْلَانِهَا
وَيْلِي مِنَ الصِّدْقِ الْـمُخَضَّبِ بِالْأَسَى
وَتَقَلُّبِ الْأَرْوَاحِ في أَشْجَانِهَا
وَأَمِنْتُ في هَذَا الزَّمَانِ لِـمَكْرِهَا
وَالْغَدرُ كُلُّ الْغَدْرِ في أَزْمَانِهَا
أَرَأَيْتَ أَفْعَالَ الثَّعَالِبِ رُبَّمَا
وَبَرَاعَةَ الْحِرْبَاءِ في أَلْوَانِهَا
اعْتَدْتُ أَنْوَاعَ الْجِرَاحِ بِقُرْبِهَا
وَشَرِبْتُ كَأْسَ السُّمِّ مِنْ ثُعْبَانِهَا
جَاءَتْ تَمُنُّ عَلَيَّ مِثْلَ صَدِيقَةٍ
بِصُكُوكِ هَذَا الْعِشْقِ، أَوْ غُفْرَانِهَا
وَتَعَطَّفَتْ بِسُؤَالِهَا عَنْ صِحَّتِي
شُكْرًا لِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ إِحْسَانِهَا
شُكْرًا جَزِيلًا لِلسُّؤَالِ حَبِيبَتِي
إِنَّ الْقُلُوبَ تَطِيرُ مِنْ عِرْفَانِهَا
جَاءَتْ أَخِيرًا ، وَالْبُرُودُ بِعَيْنِهَا
وَمَكِيدَةُ الْألآمِ في أَجْفَانِهَا
وَتُنَادِمُ الْأَصْحَابَ عِنْدَ لِقَائِنَا
تَتَبَادَلُ الْإِعْجَابَ مِنْ شُبَّانِهَا
وَأَغَارُ كَالْأَطْفَالِ مِنْ أَفْعَالِهَا
وَأَقُولُ مَا الْإِبْهَارُ في فِتْيَانِهَا؟
بَدَأَتْ تُمَازِحُ مَا يَرُوقُ لِقَلْبِهَا
وَتَلَفَّتَتْ عَنِّي إِلَى صِبْيَانِهَا
عَادَتْ بِمِحْرَابِ الْغُرُورِ تَصُدُّنِي
تَبْكِي بِمِسْبَحَةٍ عَلَى صُلْبَانِهَا
وَتَقُولُ إِنِّيَ غَيْرُ مَكْتُوبٍ لَهَا
في الْحُبِّ، قَوَّى اللَّهُ مِنْ إِيمَانِهَا
خَرَجَتْ مِنَ التَّارِيخِ بَعْدَ رَحِيلِهَا
ضَمَّتْ بِتَقْوَاهَا عَلَى إِخْوَانِهَا
أَلْقَتْ عَلَى سَمْعِي اعْتِرَافًا مُؤْلِـمًا
وَقَعَتْ تُفَنِّدُهُ بِمِلءِ لِسَانِهَا
غنَّتْ عَلَيَّ؛ وَلِاحْتِرَافِ غِنَائِهَا
عَزَفَتْ لَهَا قِصَصُ الْهَوَى بِكَمَانِهَا(٩)
جَاءَتْ تُعَلِّمُني الْفَضِيلَةَ رُبَّما
أَخَذَتْ نُصُوصَ الزُّهْدِ عَنْ رُهْبَانِهَا
إنِّي أَخَذْتُ عَلَى التَّلَاعُبِ دَائِمًا
وَأَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْ شَيْطَانِهَا
مَا كَانَ يَنْقُصُنِي غَرَامٌ زَائِفٌ
أَوْ لُعْبَةٌ مِنْ إِنْسِهَا أَوْ جَانِّهَا
فَتَيَاتُ هَذَا الْعَصْرِ سُمٌّ قَاتِلٌ
وَبِرَغْمِ شَكْلِ الطُّهْرِ في أَبْدَانِهَا
الْحُبُّ في نَظَرِي مَزِيجُ تَحَضُّرٍ
وَيَغِيبُ هَذَا الْفِكْرُ عَنْ أَذْهَانِهَا
عَيْنِي عَلَيَّ، أَنَا ضَحِيَّةُ قِصَّتِي
وَالدَّمْعُ يُدْمِي الْعَيْنَ في إِنْسَانِهَا
وَأَمُوتُ مِنْ حِمْلِي الثَّقِيلِ، وَأَكْتَوِي
وَتَئِنُّ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ أَطْنَانِهَا(١٠)
وَغَفَرْتُ مَا فَعَلَتْ بِكَامِلِ وَعْيِهَا
وَنَسِيتُ حِقْدَ النَّفْسِ مِنْ أَضْغَانِهَا
قدَّمْتُ بِالْـمَجَّانِ نَهْرَ قَصَائِدِي
وَتَثُورُ أَشْعَارِي عَلَى دِيوَانِهَا
تَبْكِي الْقَوَافي في قَصَائِدِ حُبِّنَا
هَرَبَتْ بُحُورُ الشِّعْرِ مِنْ أَوْزَانِهَا
وَتَبَخَّرَ الْوَجْدُ الـمُسَافِرُ بَيْنَنَا
مِثْلَ الْعُطُورِ تَفُوحُ مِنْ طَيَرَانِهَا
رَحَلَتْ، وَفَاتَتْنِي أُعَانِي صَدْمَتِي
وَأُتَابِعُ الْأَحْدَاثَ مِنْ جِيرَانِهَا
وَبَحَثْتُ في كُلِّ الضَّوَاحِي مُتْعَبًا
أَتَحَسَّسُ الْأَخْبَارَ مِنْ غِلْمَانِهَا
وَبُرُودَةُ الْأَيَّامِ تَسْكُنُ غُرْفَتِي
ذَبُلَتْ زُهُورُ الْقَلْبِ في بُسْتَانِهَا
يَأْتِي الْخَرِيفُ عَلَى الْحَنِينِ مُبَكِّرًا
تَتَسَاقَطُ الْأَزْهَارُ مِنْ بَلـَـسَانِهَا(١١)
وَتَوَافَدَ الْعُشَّاقُ نَحْوَ مَدِينَتِي
وَطَلَائِعُ الثُّوَّارِ في مَيْدَانِهَا
وَالْأَرْضُ تَغْضَبُ مِثْلَ يَوْمِ قِيَامَةٍ
وَتَضِيقُ بِالنِّيرانِ في بُرْكَانِهَا
كُلُّ الـْمَرَاكِبِ في الرَّحِيلِ تَشَتَّتْ
بَيْنَ الْبِحَارِ تَخَافُ مِنْ قُرْصَانِهَا
تَغْزُو عَوَاصِفُنَا الْبِلَادَ ، وَدَائِمًا
نَغْتَالُ دِفْءَ الشَّمْسِ في (أَسْوَانِهَا)(١٢)
وَرَقَائِقُ الْأَطْفَالِ مِثْلِي هَشَّةٌ
وَقْتَ الْفَطُورِ تَمَلُّ مِنْ أَلْبَانِهَا(١٣)
كَانَ انْفِصَالُ الْوَصْلِ بَيْنَ شِفَاهِنَا
مِثْلَ الرَّحِيلِ (لِـمِصْرَ) عَنْ (سُودَانِهَا)
سَلَّمْتُ في هَذَا الْغَرَامِ إِرَادَتِي
وَأُسَاقُ كَالْأَغْنَامِ مِنْ أَذْقَانِهَا
أَجْنِي مِنَ الدُّنْيَا حَصَادَ شُرُورِهَا
وَوَثَقْتُ مِثْلَ النَّاسِ في خَوَّانِهَا
وَتَمُرُّ آلَافُ الشُّهُورِ، وَحُبُّنَا
يَمْضِي تِجَاهَ الْبُعْدِ في نَيْسَانِهَا(١٤)
سَتَعُودُ رَغْمَ الشَّامِتِينَ لِأَصْلِهَا
فَوْقَ الْفُرُوعِ، وَتَسْتَوِي بِأَوَانِهَا
سَتَعُودُ عِنْدِي بَعْدَ مَوْتِ شَبَابِهَا
وَسَتَخْمُدُ الثَّوَرَاتُ في فَوَرَانِهَا
فَأَنَا أَرَاهَا مِنْ دَوَاخِلِ قَلْبِهَا
إنَّ النُّفُوسَ تُطِلُّ مِنْ جُدْرَانِهَا
السُّوءُ في الْـمَوْضُوعِ كَانَ بِأَنَّنِي
عَظَّمْتُ طُولَ حَيَاتِنَا مِنْ شَانِهَا
وَالْحَلُّ يَا أَهْلَ الْغَرَامِ بِحَالَتِي
أَنْ أَسْتَعِيرَ حَبِيبَةً بِضَمَانِهَا
المعاني
(٩) الكمان: آلة موسيقة وترية.
(١٠) أطنان: مفردها طُنّ: وزن للأثقال يقدر بمليون جرام.
(١١) بلسان: زهر أبيض صغير يشبه العناقيد رائحته طيّبة.
(١٢) أسوان: مدينة ومحافظة في جنوب مصر.
(١٣) رقائق الأطفال: طعام رقائق الذرة.
(١٤) نيسان: الشَّهْرُ السَّابعُ من السَّنة السُّريانية، ويقابله أَبريل، الشهر الرّابع من السنة الرومية.
قصائد أسامة فؤاد سراج الدين شارك أجمل أوقاتك معها 