عدد أبيات القصيدة
تَعَشَّقْتُهَا كَمْ أَلْهَجَتْني تَتَيُّمًا
فَأَصْبَحْتُ كَالْـمَخْبُولِ لَا أَبْرَحُ الْهَرْفَا(٢٧)
مَآلُ صَريعِ الْعِشْقِ لَوْثَةُ عَقْلِهِ
وَمأْوَى نَزِيلِ الْحُبِّ أَنْ يَقْطُنَ الْـمَشْفَى
وَتُخرِجُني مِنْ أَلْفِ مُنْحَدَرٍ إِلَى
ظَلَامِ طَرِيقٍ، قَدْ وَلَجتُ بِهِ جُرْفَا
أَهِيمُ عَلَى وَجْهِي، وَتَاهَتْ سَفِينَتي
وَمَحْبُوبَتِي مَرْسَى الْـمَرَاكِبِ، وَالْـمَرْفَا(٢٨)
أَخَافُ مِنَ الْفَقْدِ الطَّوِيلِ، وَصَدُّهَا
عَذَابٌ مُحَمًّى صَادَفَ الْقَلْبَ أَوْ أَلْفَى
عَذَابي مَرِيرٌ لَا حُدُودَ لِبُؤْسِهِ
مَتَى تَكْشِفُ الْهَمَّ الْـمُقِيمَ بِنَا كَشْفَا؟
أَنَا الْعَاشِقُ الْـمَذْبوحُ أَبْكِي مَحَبَّتي
فِدَى حُبِّهَا قَلْبِي قَضَى نَحْبَهُ خَسْفَا
كَطِفلٍ بَكَى تَحْتَ الْـمَلَاجِئِ يَخْتَبِي
يَشُدُّ ثِيابَ النَّاسَ كيْ يَأْمَنَ الْقَصْفَا(٢٩)
أُدَارِي هَوَاهَا كَالشُّموعِ بِرَاحَتي
وَخَبَّأتُهَا عُمْقًا، وَأَسْكَنْتُهَا جَوْفَا
وَأَصْدَحُ شِعْرًا في جَلَالَةِ عِشْقِهَا
أَنُوحُ، وَجِنِّيَّاتُ شِعْري بِهِ تَلْفَى(٣٠)
وَأَلْعَنُ حُزْني، وَانْقِيادِي لِحُبِّهَا
جُزَافًا، وَقَلْبي صَدَّني، عَاتَبَ الْجَزْفَا
كَمَنْ يَلْعَنُ الْعِشْقَ الـْمُحَالَ بِسِرِّهِ
وَمَنْ قَبَّحَ الْعِشْقَ اشْتَفَى مِنْهُ مَا اسْتَشْفَى(٣١)
أَخُطُّ تَبَارِيحَ الْغَرَامِ لَهَا، وَمَا
تَخَلَّقْتُ أَعْذَارًا، وَلَمْ أَغْتَنِمْ ظَرْفَا
أَصُونُ دِيَارَ الْحُبِّ أَرْعَى شُؤونَهَا
كَسَاعٍ كَفَى بَيْتًا، وَمَا سَعْيُهُ أَكْفَا(٣٢)
وَبَوْحي لَهَا بِالسِّرِّ بَرَّدَ آهَتِي
وَأَخْمَدَ جَمْرَ الْقَلْبِ، لِلنَّارِ قَدْ أَطْفَا(٣٣)
رَجَوْتُ مِنَ اللهِ الْتِحَافَ حَسِيسِهَا
تَمَنَّيْتُ لُقْيَاهَا لِتَخْطِفَني خَطْفَا
عَرَفْتُ بِأَنَّ الْعِشْقَ بِئْرُ خَطِيئَتي
فَأَكْثَرْتُ مِنْ تُفَّاحِ جَنَّاتِهَا قَطْفَا
لِتَظْهَرَ أَحْزَانِي، وَيُرْخَى سَدِيلُهَا
وَأَخْصِفُ مِنْ إحْسَاسِهَا مَرَّةً خَصْفَا(٣٤)
وَأَنْهَلُ مِنْ ريَّا زُلَالِ رَحِيقِهَا
بِكَأْسٍ إِذَا صَبَّتْ تَنَاوَلْتُهَا لَقْفَا
وَمَا كُنْتُ إِلَّا مِنْ دَرَاوِيشِ سِحْرِهَا
ومَا كُنْتُ إِلَّا فَارِسًا عِنْدَهَا اصْطَفَّا
مَوَازِينُهُ في الْحُبِّ قَدْ ثَقُلَتْ بِهَا
إِذَا مَا سَلَا الْحَسْنَاءَ فَالْوَزْنُ قَدْ خَفَّا
وَفي مُهْجَتي اسْتَوْلَتْ عَلَى مَا حَمَلْتُهُ
لَهَا، حَبَسَتْ عَيْنًا لَنَا صادَرَتْ وَقْفَا(٣٥)
وَيَا لَيْتَني عِشْقٌ لَدَيْهَا مُقَرَّبٌ
تُقِيمُ لَنَا صَفًّا إِذَا قَلْبُهَا اسْتَصْفَى
وَكيْفَ سَبيلي في غَرامِ حَبِيبَتِي
إِذَا حَرَّقَتْ قَلْبي، إِذَا أَثْقَلتْ كِتْفَا
أَرَى قَلْبَهَا حِصْنًا يَدُومُ صُمُودُهُ
أَرَى هَجْرَهَا قَدْ وَلَّدَ الضَّيْمَ، وَالْعُنْفَا
تَمَادَتْ بِتَعْذِيبي، وَشَنَّتْ بِبُعْدِهَا
عَلَى كِبْريائِي حَمْلَةً، كَسَّرَتْ أَنْفَا
إِذَا طَلَعَتْ يَوْمًا تَزَاوَرُ شَمْسُهَا
عَنِ الْبَوْحِ في كَهْفِي، إِذَا أَخْتَلِي كَهْفَا
وَجَادَتْ بِعِشْقٍ في الْجَحِيمِ تَسُوقُني
إِلَى نَارِ أُخْدُودٍ، وَمَا أَغْفَلَتْ قَذْفَا
بَعِيدٌ هَواهَا مُسْتحِيلٌ زَمَانُهُ
فَيَا لَيْتَني أَنْجُو، وَمِنْ عِشْقِهَا أُعْفَى
أُحَلِّقُ حُرًّا إِذْ أَفِيقُ، وَأَشْتَفِي
وَمِنْ قِصَّتي إِنْ شِئْتُ مُسْتَقْبَلًا حَذْفَا
وَمَنْ لي بتِرْيَاقٍ يُحيِّدُ حُسْنَهَا
وَدَدْتُ إِذَا مَا أَسْتَطِيعُ لَهُ وَقْفَا
بَحَثْتُ بِعِلْمِ الطِّبِّ في فَقْرةِ الْهَوَى
وَلَا شَيْءَ يُجْدي، لَا عِلَاجَ، وَلَا وَصْفَا
أَنَا الْعَاشِقُ الْـمَقْهُورُ أُعْتِمُ هَيْأَتي
وَأَخْشَى إِذَا صَرَّحْتُ، تَكْسِفُنِي كَسْفَا
وَأَخْشَى إِذَا أَلْفَى كَلامِي عُيونَهَا
تَعُدُّ حَنِينَ الْـمُسْتَهامِ بِهَا زَيْفَا
وَأَخْشَى إِذَا أَلْفَتْ، تُوبِّخُ نَفْسَهَا
تَقُولُ لَهَا: (إِنْ رَادَ عِشْقًا لَمَا الْتَفَّا)
وَأَخْشَى إِذَا أَزْعَجْتُهَا، تَنْتَقِي لَنَا
سُكُوتًا، وَأَنْ تَلْقَى ببَوْحِي لَهَا خَوْفَا
وأَخَشَى ضَيَاعَ الْبَوْحِ دُونَ وصُولِهِ
أَمُوتُ بِهِ إِنْ هَمَّنِي الْحبُّ أَوْ شَفَّا(٣٦)
فيَا عِشْقَنَا خُذْنِي إِلَيْها مُكَبَّلًا
بِأَنْفَاسِهَا، وَادْلِفْ إِلَى قَلْبِهَا دَلْفَا
بِأَنْغَامِ حَسُّونٍ خَبَأْتُ رَسَائِلِي
تَرَفَّقْ بِهِ، وَاحْلِلْ جَنَاحَيْهِ إِنْ دَفَّا
وَطَيِّبْ جِرَاحَ الْـمُستبَاحِ، وَهَبْ لَنَا
رِضِى قَلْبِهَا، وَاسْعَفْ مَجَاريحَهُ سَعْفا
وَهَوِّنْ عَلَى قَلْبٍ يَبُوءُ بِحُبِّهِ
بِإِحْسَاسِهِ مِسْكٌ عَلَى حُبِّهِ أَضْفَى
وَهَدْهِدْ مُرِيدًا لَا يُبَارِحُ بَابَهَا
كَطِفْلٍ كَسُولٍ نَامَ في حِضْنِهَا أَغْفَى
وَإنْ زُرْتَهَا فَاخْضَعْ كَمَنْ سارَ في طُوًى
وَفي قُدْسِهَا فَلْتَقْتَرِبْ، وَاخْتَلِعْ خُفَّا
حَبِيبَةَ قَلْبي في بِعَادِكِ طَعْنَةٌ
غَمُوسٌ، وَتَنْكِيلٌ يَحُلُّ بِنَا ضَيْفَا
هُمُومي جِبَالٌ في بُكَائي مَرَارَةٌ
فمَنْ ذَا يُدانِينَا وِصَالَكِ في الْـمَنْفى؟
تَحَرَّجَ قَلْبي في حَنِينِي وَلَهْفَتي
وأَخْشى لِذا أَنْ تَحْسَبي وَلَعي سَخْفَا
دعِينِي أَصُوغُ الشِّعْرَ أَسْكُبُ دَمْعَتي
فَقَلْبُكِ بِالتَعْذِيبِ قَدْ كالَ، وَاسْتَوْفَى
وَهَبْتُكِ أَشْعاري، وَقَلْبي، وَعَبْرَتي
وَمَا اسْطَاعَ شَيْطانٌ لِشِعْرِ الْهَوَى صَرْفَا
وَزِيدِي غِيَابًا في الْهَوى؛ لَا يَهُمُّني
غِيابٌ، وَلَٰكِنْ طَمْئِني قَلْبَنَا لُطْفَا
أَأَنْتِ بِخَيْرٍ في الْبِعَادِ فَراشَتي
تَمَادَيْتِ بُعْدًا لَا أَرَى لِلْعَنَا سَقْفَا(٣٧)
المعاني
(٢٨) المرفا: المرفأ
(٢٩) يختبي: يختبئ.
(٣٠) تلفى: مفردها تلفانة.
(٣١) اشتفى: شفى غليله، استشفى: تداوى.
(٣٢) أكفا: أكفأ: مال عن القصد.
(٣٣) أطفا: أطفأ.
(٣٤) أخصف: أضمّ، خصفا: ضمًّا.
(٣٥) وقفا: حبس العين أو الملكية الخاصة للمنفعة العامَّة.
(36) شفَّا: لذع القلب، وأذهب العقل.
(٣٧) العنا: العناء.
