عدد أبيات القصيدة
أَوَطَهْوُهَا هَذَا الفَئِيدُ، وَخُبْزُهَا
أَمْ طَهْوُها قَلْبي بِجَمْرِ مَفَائِدِي؟(٤٤)
مَا لي، وَمَا لِلْعَاوِيَاتِ غُيُومُهَا
فَالْهَامِرَاتِ سُيُولَ غَيْثٍ رَاعِدِ؟(٤٥)
زَرْقَاءُ يَا عَيْنَ السَّمَاءِ بِصِبْغَةٍ
وَتَلَوُّنٍ كَغُيُومِ قَلْبي الرَّامِدِ(٤٦)
وَتَكَشَّفَتْ حَبَراتُهَا بالسَّيْلِ عَنْ
عُودٍ رَخيٍّ ذِي قَوَامٍ نَاهِدِ(٤٧)
فَهَمَسْتُ: (هَاتِيكَ الهَمِيرُ لَظَبْيَتي
أَوَّاهُ مِنْ هَذَا الجَمَالِ الزَّائِدِ)(٤٨)
وَشَدَدْتُها مُتَشَبِّثًا كَالطِّفْلِ مِنْ
أَطْرَافِ أَرْدَانِ الرِّدَاءِ الذَائِدِ(٤٩)
نَظَرَتْ لِقُرْصِي الْـمَعْدَنِيِّ، وَرَدَّدَتْ:
(بِاللَّهِ أَفْلِتْ يَا (أُسَامَةُ) سَاعِدِي)(٥٠)
فَرَدَدْتُ: (آهٍ، تُتْقِنِينَ قِرَاءَةً
أَفْشَتْ بِمَا أُكْنَى، فُدِيتِ قَلائِدِي)(٥١)
فَتَبِعْتُها بِنَسِيِّها مِنْ خُبْزِها
فَتَفَوَّهَتْ ذُعْرًا: (أَأَنْتَ مُرَاوِدِي؟!)(٥٢)
فَخَجِلْتُ مِثْلَ الطِّفْلِ يَقْتَصِدُ الْخُطَى
بِتَهَرُّبٍ مِنْ فِعْلِهِ لِلْوَالِدِ
أَسَرَتْ شُغَافَ القَلْبِ قَبْلَ رَوَاحِها
كَغَزَالَةٍ بِتَمَّيُّدٍ، وتَغَايُدِ(٥٣)
وَلَقَدْ حَجَجْتُ إِلَى مَرَاعي رَبْعِهَا
وَالطَّوْدُ خِلِّي، وَالرِّمَالُ وَسَائِدِي(٥٤)
وَشِيَاهُها بِيضٌ مُسَوَّمَةٌ عَلَى
أَعْنَاقِها نَسْرٌ لِرُتْبَةِ رَائِدِ(٥٥)
أَبْدَتْ حَفَاوَتَها بِثَغْرٍ بَاسِمٍ
وَعُيُونُنَا بِالْوَصْلِ بَيْنَ تَوَاعُدِ
فَغَضَضْتُ طَرْفي ثُمَّ قَدْ أَسْدَلْتُهُ
فَوْقَ الْحِدَاقِ الزُّرْقِ بَعْدَ تَجَاهُدِ
فَأَصَابَني رَغْمَ الْحَيَا في لَحْظِهَا
سَهْمٌ يَحُضُّ القَلْبَ لَيْسَ بِصَارِدِ(٥٦)
وَتَتُوهُ أَعْيُنُنَا تَمُوجُ بِلَهْفَةٍ
مَا بَيْنَ مَعْرَكَةٍ، وَبَيْنَ تَطَارُدِ
آهٍ عَلَى تِلْكَ العُيُونِ، وَيَأْسِهَا
كَالسَّارباتِ مِنَ الضِّبَاعِ لِطَارِدِ(٥٧)
مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي الـمَعَارِكَ أَنَّهُ
لَا حِيلَةٌ لِـمُقَاتِلٍ مُتَقَاعِدِ؟
وَفَصِيحَةٍ عَارَضْتُهَا بِقَصِيدَةٍ
يَا لَلْأَسَى جَاءَتْ بِوَقْتٍ نَافِدِ
هَلَّا إِذَا ذَكَّرْتُمَانِيهَا؛ فَلَا
تَسْتَرْسِلَا مِثْلِي بِلَوْعَةِ فَاقِدِ
وَتُقَلِّبا دَوَّامَةَ الذِّكْرَى عَلَى
مَنْ عَاشَهَا، وَتُنَكِّلا بِالشَّاهِدِ
لَيْسَ التَّفَجُّعُ لِلْبَلَاءِ بِسَامِعٍ
كَوَجِيعَةٍ لِـمُجَرِّبٍ، وَمُشَاهِدِ
وَيْحِي عَلَى صَبٍّ رَمَتْهُ بِأَسْهُمٍ
إِذْ كُلُّ سَهْمٍ صَابَ لَيْسَ بِحَائِدِ(٥٨)
لَـمَّا اسْتَبَاحَتْ، وَاسْتَرَقَّتْ قَلْبَهُ
وَغَزَتْ مَشَاعِرَهُ بِجَيْشٍ حَاشِدِ
أَلْقَى اجْتِيَاحُ غَرَامِهَا في قَلْبِهِ
حَجَرًا عَلَى الْـمَاءِ الْوَدِيعِ الرَّاكِدِ
جَادَتْ بِغَيْرِ الـمَكْرُمَاتِ، وَإنَّما
بِالنّاَرِ في بُرْكَانِ قَلْبٍ خَامِدِ
لـِمُنَدَّمٍ في عِشْقِهِ مُتَأَوِّبٍ
هَمَّتْ بِهِ، وَاسْتَفْرَدَتْ بِالْهَائِدِ(٥٩)
وَتَشَغَّفَتْ شِعْرًا لَهُ حَدِبَتْ عَلَى
طِفْلٍ بِشَلَّالِ الْهُيَامِ الرَّاغِدِ
قَالَتْ: (بِرَبِّي دُمْتَ لي، مَحْلُوفَةً
بِاللَّهِ قَدْ أَدْهَشْتَني يَا وَاجِدِي)( ٦٠)
فَتَلَهَّفَ الـمَحْرُومُ عِشْقًا آنَذَا
كَ لِجَمْرِ حُبٍّ ذِي لَهِيبٍ وَاقِدِ
فاسْتَوْطَنَتْ، وَاسْتَعْمَرَتْ، بِجَمَالِهَا
واسْتَثْمَرَتْ، وَاسْتَأْثَرَتْ بِالْعَائِدِ
وَاسْتَوْثَقَتْ عَهْدًا عَلَى إِحْسَاسِهَا
خَدَعَتْ بِهِ عَقْلَ الشَّغُوفِ السَّاهِدِ
وَعَدَتْ مُخَادِعَةً بِوَصْلِ مُرِيدِهَا
وَتَنَكَّرَتْ لِفَتًى بِقَلْبٍ كَائِدِ
لَـمَّا اطْمَأَنَّتْ للتَّوَلُّهِ أَنْكَرَتْ
إِحْسَاسَ وَلْهَانٍ بِطَبْعٍ جَاحِدِ
فَتَحَلَّلَتْ، وَتَبَرَّأَتْ مِنْ عَهْدِها
وَتَفَنَّنَتْ ظُلْمًا بِقَتْلِ مُعَاهَدِ(٦١)
كَمَنَتْ (كَوَحْشِيٍّ) (لِحَمْزَةَ) في الوَغَى
وَتَحَيَّنَتْ رَشْقًا بِرُمْحٍ وَائِدِ(٦٢)
أَسَفًا عَلَى صَبٍّ شَهِيدٍ في الهَوَى
وَعَلَى نَفِيسِ دَمِ الكَرِيمِ الْجَائِدِ(٦٣)
مَا كَانَ مِثْلَكَ يَا (عَلِيُّ) بِغَزْوَةٍ
أَسَدًا، وَلَا هُوَ في الدَّهَاءِ (بِخَالِدِ)(٦٤)
وَفَرَاشَةٍ حَلَبِيَّةٍ مَنْ ذَا الذي
إِنْ مَرَّ في حَرَمِ الْجَمَالِ بِصَامِدِ
رَفَّتْ بِقَلْبي، وَاخْتَفَتْ؛ فَتَبِعْتُهَا
للنَّارِ كالْـمَسْحُورِ غَيْرَ مُعَانِدِ
يِا لَاعْتِلَاقِ الـْمَرْءِ طَابِعَ حُسْنِها
وَحُلُولِهَا كالعِطْرِ دُونَ تَوَاجُدِ(٦٥)
هِيَ في الْغُنَاجِ صَبُوحَةٌ، وَرَهِيدَةٌ
سَلِمَتْ فَتَاتي مِنْ عُيونِ الْحَاسِدِ(٦٦)
خَلَّابَةٌ، وَلَهَا القُلُوبُ مُسَاقَةٌ
كَأَسِيرِ حَرْبٍ نَحْوَ قَبْضَةِ صَافِدِ(٦٧)
هَلْ سَيَّرتْ أَلْحَاظَها فَقَتَلْنَني
فَرَضِيتُ كالْعَبْدِ الشَّكُورِ الْحَامِدِ
أَمْ هَذِهِ البَسَمَاتُ صَبَّتْ شَهْدَهَا
فَتَرَكْنَنِي بِدَمِي الْـمُرَاقِ الْعَانِدِ؟(٦٨)
قَدْ طَالَ مَا نَاجَيْتُها أَنَقًا بِهَا
وَرَجَعْتُ خَوْفَ تَشَدُّدٍ، وَتَكَايُدِ(٦٩)
صَبِّرْ فُؤَادَكَ يَا (أُسَامَةُ) بِالْحَنِيـــ
ـــنِ وَأَيَّما خَوْدٍ عَشِقْتَ؛ فَوَارِدِ(٧٠)
هَذِي بَقَايَا مَا تَجُودُ حِكَايَتي
وَأَبُثُّ حُزْنِي لِلْإِلَهِ الْوَاحِدِ
فَلَئِنْ جُفِيتُ لَأُوصَلَنْ بِقَريحَتي
وَلَئِنْ نُسيتُ لأُخْلَدَنْ بِقَصَائِدِي
المعاني
(٤٥) العاويات غيومها: السماء ذات السحاب الراعد، الهامرات سيول غيث: الغيوم الممطرة.
(٤٦) رامد: الهالك.
(٤٧) حبرات: جمع حَبَرة: ملاءة حرير سوداء كانت ترتديها النساء عند الخروج من المنازل.
(٤٨) همير: الظبية الحسنة الجسم.
(٤٩) أردان: جمع رُدن: كمّ، الذائد: الحامي، الساتر .
(٥٠) قرصي المعدني: قرص بيضاويّ الشكل يحفر عليه اسم فصيلة دم الجندي يعلّق بسلسلة على رقبة الجندي ليعرف به أثناء الإصابة أو الوفاة في المعركة.
(٥١) أفشت بما أكنى: كشفت عن اسمي، فديتِ قلائدي: لكِ الفداء يا قلائدي التي تحمل قرصي المعدنيّ.
(٥٢) نسيّها: المُهمَل، المنسيّ.
(٥٣) تميّد: تمايل، تبختر في المشية، تغايد: تمايل كتمايل الغيداء، تمايل في نعومة، وتثنّي.
(٥٤) ربعها: حيّها.
(٥٥) شياه: جمع شاة، مسوّمة: معلّمة بعلامة، نسر لرتبة رائد: علامتها النسر المختوم على عنقها الشبيه بنسر رتبة رائد.
(٥٦) صارد: مخطئ الهدف.
(٥٧) الساربات: الماضيات في رعيها، طارد: صائد.
(٥٨) ذا كلّ سهم: ذا: هذا.
(٥٩) متأوّب: راجع للهداية، عاود طريق الهداية، هائد: تائب.
(٦٠) محلوفة بالله: أحلف محلوفة بالله (أقسم بالله)، واجدي: عاشقي.
(٦١) تحلّلت: تخلّصت من قسمها، وعهدها.
(٦٢) كمنت: اختفت، وتوارت، وحشي: الصحابيّ وحشي بن حرب قاتل سيدنا حمزة بن عبد المطلب، حمزة: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب (ص) عم رسول الله، وأخوه في الرضاعة، الوغى: ساحة المعركة، تحيّنت: ترقّبت الفرصة المناسبة، وائد: قاتل، مهلِك.
(٦٣) صبّ: مشتاق، عاشق، نفيس دم الكريم الجائد: الغزير.
(٦٤) علي: الخليفة الراشد عليّ بن أبي طالب، خالد: الصحابي خالد بن الوليد.
(٦٥) اعتلاق المرء: عشْق المرء بشدة، طابع حسنها: علامة حسن بالوجه أو بالذقن، حلولها: نزولها، انتشارها بالمكان.
(٦٦) الغناج: الدلال، صبوحة: ذات جمال ومشرقة الوجه، رهيدة: ناعمة.
(٦٧) صافد: مقيِّد بالسلاسل، والأصفاد.
(٦٨) عاند: الدم المسال جانبا.
(٦٩) تكايد: تشدُّد.
(٧٠) خوْد: الشابّة الناعمة الحسنة الخلق، فوارد: فتعال معها، ورافقها عند مجيئها.
