عدد أبيات القصيدة
أَتَيْتَ تَلْوِي كَمَا العِرْبيدِ أَذْرُعَنَا
أَوْغَلْتَ في الرُّوحِ أَعْطَالًا، وَأَعْطَابَا
حَقُّ الْوَشِيجِ، وَإِنْ كَانَ الرَّبَاطُ دَمِي
أَنْ لَسْتَ قَلْبيَ بَلْ أُسْمِيكَ نَصَّابَا(٢٠)
مَا حِيلَةُ الْقَلْبِ يَا أَهْلَ الْغَرَامِ إِذَا
أَلْقَى عَلَيْهِ الْهَوَى سَهْمًا، وَقَدْ صَابَا
مَا حِيلَةُ الْقَلْبِ في عِشْقٍ يُحَرِّقُنِي
وَيُلهِبُ النَّارَ في الْوِجْدَانِ إِلْهَابَا
مَسَّتْ جُهَنَّمُهُ قَلْبي؛ فَعَطَّرَ مِنْ
بَخُورِ صَنْدَلِهِ فَحْمًا، وَأَحْطابَا
ذابَتْ بِهِ مُهَجٌ بِالصَّدِّ أَنْضَجَهَا
في النَّارِ قَدْ شَرْشَرَتْ شَهْدًا، وَأَطْيَابَا(٢١)
يَا لَهْفَ قَلْبيَ كَانَ الْبُؤْسُ مَسْكَنَهُ
وَقْتَ الْخِصَامِ، وَكَانَ الْحُزْنُ مِحْرَابَا
يَا لَائِمَ الْقَلْبِ لَا تَعْذُلْ تَتَوُّقَهُ
وَلَا تَكُنْ لِحَنينِ الصَّبِّ عَيَّابَا
وَلَا تُذَوِّقْ فُؤَادِي سَيْفَ ظَنِّكَ قَدْ
أَبْكَى بِأَوْهَامِهِ مَنْ شَكَّ، وَارْتَابَا(٢٢)
وَلَا تُؤاخِذْ صَغِيرًا في حَمَاقَتِهِ
فَلَمْ نَزَلْ بِعُلُومِ الْعِشْقِ طُلَّابَا
وَمَا انْتَسَبْنَا كَأَطْفَالٍ لـِمَدْرَسَةٍ
وَلَا أَتَيْنَا بِدَرْبِ الْحُبِّ كُتَّابَا
هَذَا الصَّبيُّ قَضَى وَقْتَ الْجِرَاحِ لَنَا
أَمْرًا، وَذَلَّلَ حَاجَاتٍ، وَآرَابَا(٢٣)
في حِضْنِ عَيْنَيْهِ أَخْفَانِي، وَخَبَّأَنِي
غَشَّى عَلَى الْـمُغْرَمِ الـْمَحْرُومِ أَهْدَابَا
هَوَ الصَّديقُ بِوَقْتِ الضِّيقِ أَعْرِفُهُ
فَلَا تُفَرِّقْ بِدَرْبِ الْعِشْقِ أَصْحَابَا
وَإِنْ تَفَنَّنَ يَوْمًا في مُخَالَفَتي
فَقَدْ تَشَدَّدْتُ إلَّا إِنَّهُ نَابَا(٢٤)
لَوْ جَاءَ مُسْتَعْتِبًا لَاخْتَرْتُ أُعْتِبُهُ
قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَى الْـمَجْهُودِ أَتْعَابَا(٢٥)
هَبْني عَفَوْتُ؛ فَفِي الْغُفْرانِ مَقْدِرَةٌ
أَخِي، وَأَنْصُرُهُ سَلْبًا، وَإِيجَابَا(٢٦)
أنا، وقلبي، ومَحْبُوبي ذوو رَحِمٍ
عَدَّدْتُ في العِشْقِ أَحْسَابًا، وأَنْسَابا
أَرْعَى قَرابَة قَلْبي وَاصِلًا رَحِمِي
وَوَاصِلُ الرَّحِمِ الْـمَقْطوعِ مَا خَابَا
كَفْكِفْ لِسَانَكَ عَنْ لَوْمِي، وَمَعْتَبَتي
وَلَا تُثَرِّبْ عَلَى قَلْبٍ إِذَا آبَا(٢٧)
إِنَّ التَّعَرُّضَ بِالْأَقْوَالِ نَائِبَةٌ
قَدْ عَابَ أَهْلُ النُّهى مَنْ نَمَّ، وَاغْتَابَا(٢٨)
لَا تَجْمَعَنَّ عَلَى قَلْبِي جَوًى، وَأَسًى
أَتْبَعْتَ نَبَّالَكَ اللَّوَّامَ نَشَّابَا(٢٩)
تَقْسُو عَلَى الْقَلْبِ في جَهْلٍ تُؤَنِّبُهُ
أَتَعْتُبَنّ إِذَا مَا كَانَ تَوَّابَا
لَا تَعْذُلَنَّ؛ فَلا وَاللهِ ما بَصُرَتْ
رُوحي بِأَطْهَرِ مِنْ عاصٍ إِذَا تَابَا
مَا كَانَ لَائِمُ قَلْبِي كَيِّسًا فَطِنًا
لَوْ كَانَ يَعْرِفُ مَا عِشْقِي لَمَا عَابَا
يَا مَنْ تَلُومُ إِذَا أَهْوى كأَيِّ فَتًى
كَوَاعِبَ الْقَدِّ في الْجَنَّاتِ أَتْرَابا(٣٠)
خُذْ ضَوْءَ عَيْنِي، تَأَمَّلْ حُسْنَ طَلْعَتِهِ
تَرَ الْجَمَالَ كَفَلْقِ الصُّبْحِ خَلَّابَا
وَأَسْقِنَا الْخَمْرَ مِنْ مَعْسُولِ نَظْرَتِهِ
حتَّى يَفِيضَ عَلَى قَلْبي، وَيَنْسَابَا
وهَاتِنا قُبْلَةً مِنْ ثَغْرِ مُسْتَتِرٍ
صُبَّ الرُّضَابَ الشَّهيَّ الْعَذْبَ أَنْخَابَا
وَوَارِنَا في بِجَادٍ مِنْ نُعُومَتِهِ
وَأَكْسِنَا حُسْنَهُ بُرْدًا، وَأَثْوَابَا(٣١)
خُذْ مِنْ مَفَاتِنِهِ، وَازْرَعْ بِقَلْبِ فَتًى
مِنَ الْـمَلَاحَةِ أَزْهَارًا، وَأَعْشَابَا
قَرِّبْ لِأَهْلِ الْهَوَى يَا لَائِمِي مَلَكًا
إِذَا تَبَدَّى لَهُمْ جَاءُوهُ خُطَّابَا
إِذَا سَرَتْ في بِلَادِ الْعِشْقِ سِيرَتُهُ
هامَتْ جَماهِيرُهَا عُجْمًا، وَأَعْرابَا(٣٢)
غَضُّ الْـمُحَيَّا، دَلالُ الرُّوحِ أَلْبَسَهُ
مِنْ فَوْحِ طِيبِ زُلَالِ الْعِطْرِ جِلْبَابَا
يُخَبِّـئُ الطِّيبَ في أَرْدانِ بُرْدَتِهِ
يَسْقِي بِفِتْنَتِهِ خَمْرًا، وَأَعْنَابَا
جَمَالُ رُؤْيَاهُ في الضَّرَّاءِ مَغْنَمَتي
مِنْ حُسْنِهِ صِرْتُ في الْلَأْوَاءِ كَسَّابَا(٣٣)
بِعِطْرِ وَرْدٍ مِنَ الْجُلَّابِ يُسْكِرُنَا
كَمْ كانَ لِلسِّحْرِ بِالنَّشْوَانِ جَلَّابَا(٣٤)
إِذَا تَبَسَّمَ في لَيْلِ الْغَرَامِ، أَرَى
حَدَّ الْبَوَارِقِ لِلْوِجْدَانِ ثَقَّابَا(٣٥)
أَنَا الْقَتِيلُ بِهِ لَا أَسْتَطيعُ سِوَى
أَنْ أَسْكُبَ الدَّمْعَ أَقْدَاحًا، وَأَكْوَابَا
في فِتْنَةِ الْحُسْنِ تَجْرِي في الْهَوَى سُفُني
تَنْسَابُ في بَحْرِهَا الْـمَشْحونِ أَسْرابَا
يَسْتَوْطِنُ الْحُبُّ في رُوحِي، وَفي بَدَنِي
رَغْمَ الْبِعَادِ، وَكانَ الطَّبْعُ غَلَّابَا
وَاللهُ أَدْرَى بِمَا أَلْقَاهُ في وَلَعي
أَضْحَى تَشَغُّفُنَا لِلْعُمْرِ نَهَّابَا(٣٦)
حَشَدْتُ جَيْشِيَ، وَالْـمَعْشوقُ يَجْمَعُ لي
مِنْ كُلِّ حَدْبٍ بِأَرْضِ الْعِشْقِ أَحْزَابَا(٣٧)
تَجْتَاحُ مَيْمَنَتي تُودِي بِمَيْسَرَتي
وَتَسْتَبِيحُ مَعَ الْأَعَمَاقِ أَجْنَابَا(٣٨)
وَلَا مَهَمَّةَ لي غَيْرُ الْوُلوعِ بِهِ
وَأَبْذُلُ الدَّمْعَ إِجْهَاشًا، وَتَسْكابَا(٣٩)
لَوْلا الْحَيَاءُ لَمَا جَفَّتْ مَدامِعُنَا
قَدْ يَسْكُنُ الْحُزْنُ في الْأَرْوَاحِ أَحْقَابَا
سيَّانِ عِنْدِي تَنَاسَى بُعْدَ عَاشِقِهِ
وَرَقَّ في وَلَهٍ أَوْ دَاسَ لي بَابَا
لَا حَوْلَ لِلْقَلْبِ إِلَّا أَنْ يَـهِيمَ بِهِ
وَفي الْبِعَادِ بِأَنْ يَزْدَادَ إِعْجَابَا
وَفي الْحَنِينِ لَعَمْرُ اللهِ تَهْلُكَةٌ
لِـمَنْ تَعَلَّقَ أَوْهَامًا، وَأَحْبَابَا
دَاءُ الْـمُريدِ شِفَاءٌ مِنْ صَبابَتِهِ
إِنَّ الْـمُحِبَّ لَـمَحْزونٌ إِذَا طَابَا(٤٠)
المعاني
(٢١) شرشرت: تقاطر دسمها.
(٢٢) حال الحنين: وقت الحنين، معشاب: خصبة، ذات عشب.
(٢٣) آرابا: جمع إرْب (لغير المصدر)، حاجات.
(٢٤) ناب: تاب.
(٢٥) مستعتبا: طالبا الرضا، أعتبه: أرضيهِ، أتعابا: أجرة.
(٢٦) هبني: اعدُدني، واحسبني.
(٢٧) كفكف: امنع، لا تثرّب: لا توبّخ، لا تلم.
(٢٨) أهل النهى: أهل العقول.
(٢٩) نبالًا: الرامي بالنبال، نشّابا: الرامي بالنشّاب (النبال).
(٣٠) كواعب: ناهدات، القد: القوام، أتراب: مماثلات في السنّ، العمر.
(٣١) بجاد: كساء مخطّط، برد: جمع بردة.
(٣٢) عجما، وأعرابا: عجمهم، وأعرابهم.
(٣٣) اللأواء: ضيق المعيشة.
(٣٤) جُلَّاب: ماء الورد، جَلَّابا: كثير الجلب، والإتيان.
(٣٥) البوارق: جمع البارق، الأسنان كالسيوف اللامعة.
(٣٦) أدرى: أعلم.
(٣٧) حدب: صوب، وجهة.
(٣٨) تودي: تهلك.
(٣٩) مهمّة: قلق، تسكابا: سكبًا.
(٤٠) طاب: خفّ، وشُفي.
