عدد أبيات القصيدة
كَيْ يَرَاكَ الْـمُثَمِّنُونَ عَمِيقًا
غُصْتَ في الْقَاعِ كَيْ يَمَسَّكَ حَمْدُ(٣٢)
أَصْبَحَتْ كَثْرَةُ التَّفَاسِيرِ لَيْلًا
دَامِسًا حَلَّ فِيهِ خَلْطٌ وَهَرْدُ(٣٣)
اِنْتَزِعْ مِنْكَ فَرْوَةَ الْعُمْقِ وَانْزَعْ
مَا تَصَنَّعْتَ؛ لَيْسَ في الْعُمْقِ رَغْدُ
تَمْتَطِي كُلَّ شَاغِلٍ، وَالتَّقَصِّي
وَاثِبٌ في مَا لَيْسَ يَعْنِيهِ وَغْدُ
تَتَحَرَّى كَمَنْ يُطَارِدُ دُنْيَا
حَرَمَتْ رَاغِبًا بِهَا مَا يَوَدُّ
إِنَّ تَفْتِيشَنَا بِعُمْقِ الْخَبَايَا
زَلَّةٌ في عُمْقِ الشِّرَاكِ وَرَبْدُ(٣٤)
يَسْتَبِينَا مِنَ الْفُضُولِ غُمُوضٌ
لَهْثُنَا خَلْفَ عُمْقِهِ مُسْتَبِدُّ
يَخْدَعُ الْعُمْقُ مَنْ تَحَرَّصَ عُمْقًا
فِي الَّذِي فِيهِ مَا تَحَتَّمَ جَهْدُ
فِي الْبَسَاتِينِ هِمْتَ تَقْفُو ازْهِرَارًا
عَابِثًا، وَالَّذِي تَشَكَّلَ غَرْدُ(٣٥)
وَاهِمًا، بَيْنَمَا كُنْتَ تَحْرِي
أَثَرِي في الْإِبْدَاعِ أَلْفَاكَ صَدُّ(٣٦)
بِالْـمُحَاكَاةِ قَدْ تَخَلَّقْتَ فَنًّا
دُونَ عَقْلٍ، كَفَاكَ مَخْضٌ وَزَبْدُ(٣٧)
وَضَحُ الْجُهْدِ بِالنَّتَائِجِ يَجْلُو
أَيْنَ مِمَّا زَرَعْتَ فِي الْأَرْضِ حَصْدُ؟(٣٨)
لَا تُؤَمِّلْ مِنَ السَّرَارِيِّ مُلْكًا
هَكَذَا عَادَةُ الْوَصِيفَاتِ حَفْدُ(٣٩)
يَا أَخَا الْجِدِّ إِنْ غِرَسْتَ جُهُودًا
دُونَ فَهْمٍ فَلَنْ يُفِيدَكَ كَدُّ
اِرْتَشِفْ مِنْ مُلَخَّصِ الْقَوْلِ وَانْهَلْ
مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ لِلْفَنِّ رُشْدُ
اِعْتَكِفْ، وَاقْرَأْ في الْـمَحَارِيبِ مَتْنِي
إِنَّمَا فِي قِرَاءَةِ الشِّعْرِ مَجْدُ
يَا مُرَجًّى مِنَ الْـمَظَاهِرِ نُسْكًا
قَدْ عَبَدْتَ الدُّمَى وَجَافَاكَ زُهْدُ(٤٠)
كَيْفَ يَسْمُو مُبَتِّلٌ بِافْتِتَانٍ
فَاضَتِ الرُّوحُ حِينَ أَغْرَاكَ قَدُّ!
لَتَذُوقَنَّ فِي جِنَانِكَ سَهْوًا
ثُمَّ تَنْفِيكَ وَسْوَسَاتٌ وَطَرْدُ
تَنْتَقِي بِالتَّصْنِيفِ ذَوْقًا وَحِيدًا
بَيْنَمَا لَيْسَ لِلتَّذَوُّقِ حَدُّ!
تَصْطَفي مِثْلَ مَنْ تَعَبَّدَ فَنًّا
وَهْوَ فِي الْأَصْلِ لِلتَّذَوُّقِ عَبْدُ(٤٤)
لَيْسَ حَالُ الَّذِي بِدُّفٍّ يُغَنِّي
كَالَّذِي بِالنَّايِ الْـمُتَرِّحِ يَشْدُو
رَبْطُكَ الْحُسْنَ بِالْـمَعَايِيرِ قَتْلٌ
لِاخْتِلَافِ الْأَذْوَاقِ في الْخَلْقِ عَمْدُ
فِي التَّلَقِي اخْتِلَافُنَا مِثْلُ مَغْزَى
حِكْمَةٍ؛ وَجْهَاهَا وَعِيدٌ وَوَعْدُ
أَيْنَمَا وَحَّدْنَا الْجَمَالَ انْتَحَرْنَا
في لَظَى أُخْدُودِ نَارٍ يُخَدُّ(٤٥)
كَمْ مَجَاذِيبَ فُتِّنَتْ بِوَلِيٍّ
سَرَّ عُشَّاقًا لِلتَّأَلُّمِ جَلْدُ
قِلَّةُ الزَّادِ لِلْـمَسِيرِ عَدُوٌّ
وَاعْتِيَادُ الْخُطَى عَدُوٌّ أَلَدُّ
فَخُّ تَأْلِيهِكَ النَّمَاذِجَ حَتْفٌ
وَانْبِهَارُ الْـمُرِيدِ للرُّوحِ وَأْدُ!
لَا تُبَالِغْ في الْعُجْبِ مِنْ سِحْرِ لُغْزٍ
قَدْ يُبِينُ الرُّمُوزَ فَكٌّ وَفَرْدُ
فَاكْتَشِفْ بِالتَّمْحِيصِ دَهْشَتَهُ كَمْ
صُفَّ مِنْ تَوَغُّلِ الْـمِشْطِ جَعْدُ!( ٤٦)
وَاسْتَعِنْ بِالتَّفْكِيكِ تُنْهِ انْدِهَاشًا
كَفِطَامٍ بِهِ تَقَاعَدَ نَهْدُ
كَمْ دَهِشْنَا لِلُؤْلُؤِ الْعِقْدِ لَكِنْ
يَمَّحِي الْعُجْبُ إِنْ تَسَاتَلَ عِقْدُ!
تَنْتَهِي بِالتَّحْلِيلِ خُدْعَةُ سِحْرٍ
وَبِهِ كُلُّ دَهْشَةٍ تُسْتَرَدُّ
سُبَّةٌ فِي الْأعْرَافِ رَدُّ الْهَدَايَا
بَيْدَ أَنَّ الَّتِي رِيَاءٌ.. تُرَدُّ(٤٧)
فَارْتَحِلْ عَنْ تَفْتِينِ (قَارُونَ) وَاسْكُنْ
حَيْثُ يُفْنِي نَارَ انْدِهَاشِكَ خَمْدُ
لَا تُسَفِّهْ بَيْنَ الْفُنُونِ مَقَامِي
لَا عُلُوٌّ يَطُولُهُ مُسْتَهِدُّ(٤٨)
خَسَرَ الْحَاسِدُ الْـمُبَارَاةَ لَـمَّا
أَوْغَرَ الصَّدْرَ بِالتَّنَافُسِ حِقْدُ
يَسْتَبِي كُلَّ خَاسِرٍ في قِمَارٍ
أَمَلٌ كَاذِبٌ وَمَيْلٌ وَعَنْدُ
لَا يَغُرَّنَّكَ السُّكُوتُ فَبَعْضٌ
مِنْ تَمَادِي الْحَلِيمِ فِي الصَّمْتِ سَرْدُ
لَا تُقَارِنْ بِالْبَخْسِ مَنْزِلَتِي لَا
يَسْتَوِى في الرُّقِيِّ طَوْرٌ وَوَهْدُ
خُطَّ عَنِّي يَا مُسْتَبِدًا بِفَنٍّ
غَايَةُ الْـمُسْتَبِدِّ فِي الْكَوْنِ لَحْدُ
مُنْذُ فَطْرِ اللُّغَاتِ وَالشِّعْرُ نُورٌ
شُعُّهُ مِنْ ذَوِي الْبَصِيرَةِ خُلْدُ
قَدْ تَكَهَّنْتَ حِينَ نَأْيِي بِمَوْتِي
كَيْفَ يُخْبِي صَلَى جَهَنَّمَ هَمْدُ!
إِنَّنِي الشِّعْرُ لَيْسَ يَفْنَى وِقَادِي
إِنْ خَبَتْ رِيَّتِي تَوَهَّجَ زَنْدُ(٤٩)
إِنْ أَمُتْ كَالْعَنْقَاءِ بَيْنَ سُطُورِي
في مُتُونِ الْأَمْوَاتِ فَالْلَّحْدُ مَهْدُ
(٣٣) هرد: اضطراب واختلاط. (٣٤) ربد: انحباس وإقامة. (٣٥) ازهرار: طلوع الزهر، غَرْد: خُصّ: ما اتّخذ كبيت أو جحر من القصب وأغصان الأشجار. (٣٦) تحري: تقصد، ألفاك: صادفك. (٣٨) تخلّقت: اختلقت، مخض، زبد: الخضّ والتحريك لاستخراج الزبد. (٣٧) وضح: ضوء. (٣٩) تؤمّل: ترجو، السراريّ: الجواري، حفد: الخفّة والإسراع في الخدمة. (٤٠)مرجًّى: مؤمَّلًا ومترقِّبًا، نسك: تزهُّد، جافاك: بعد عنك. (٤١) لا مساس: لا يماسّك أحد ولا تماسّ أحدًّا. (٤٢) النخبوي: المنتمي للنخبة. (٤٣) أوحدَ الذّوق: ذوقًا وحيدًا، مرد: خالية من النبت. (٤٤) تعبّد: عامله كالعبد. (٤٥) يُخَدُّ: يُشَقُّ. (٤٦) جعد: الأجعد من الشَّعر. (٤٧) الذي رياءٌ: الذي هو رياء. (٤٨) مستهدّ: مستضعف. (٤٩) رِيّتي: كل ما أَوريت به النار.المعاني
