قصيدة على درب الرحيل

عدد أبيات القصيدة

١٠٠

وَأَسْفِكُ  لِتْرَاتِ   الدِّمَاءِ لِصَيْدِهَا

وَهَلْ قَنْصُ أَهْدَافِي حَلَالٌ بِعُزَّلِ(٣٠)

 

وَأَضْغَطُ   أَطْرَافَ   الزِّنَادِ      كَأَنَّنِي

أُقْطِـّعُ فِي وَقْتِ الْحَصَادِ بِمِنْجَلِ(٣١)

 

سِلَاحِي مَحَشِّي، وَالْفَرِيسَةُ  زَرْعَتِي

وَصَحْبِي سُقَاةٌ ، وَالرَّصَاصُ كَسُنْبُلِ(٣٢)

 

وَإِبْرَةُ ضَرْبِ النَّارِ فَاتَتْ مَكَانَهَا

وَأَنْمُلَتِي  صُلْبٌ  كَطَوْدِ  الْعَقَنْقَلِ(٣٣)

 

وَتَسْقُطُ مِنْ جَوْفِ  السَّمَاءِ غَنِيمَةٌ

بِخَرْطُوشِ فَرْدٍ   لِلْإِصَابةِ  مُذْهِلِ(٣٤)

 

رَصَاصٌ تَنَاءَى مِثْلَ  حَبَّةِ فُلْفُلِ

كَسَهْمٍ لِأَسْرَابِ الطُّيُورِ مُغَرْبِلِ(٣٥)

 

وَنُسْرِعُ فِي قَطْعِ الرِّقَابِ كَأَنَّنَا

نَدُقُّ عَلَى الْأَعْنَاقِ  دَقًّا بِمِعْوَلِ(٣٦)

 

وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الصَّيْدِ نَطْهُو وَلِيمَةً

وَمَأْدُبَةً بِاسْمِ  (الْغَزَالِ  المُبَجَّلِ)(٣٧)

 

نُعَلِّقُهَا   لِلسَّلْخِ   نَكْشِفُ  ثَوْبَهَا

خَلَالَ فُرُوعِ الطَّلْحِ عِنْدَ التَّظَلُّلِ(٣٨)

 

وَنُخْرِجُ  أَحْشَاءَ   الذَّبِيحَةِ   بَعْدَمَا

قَضَتْ نَحْبَها جَرَّاءَ غَزْوَةِ هَيْضَلِ(٣٩)

 

نُعِدُّ   لَهَا النِّيرَانَ  نَبْتُرُ سَاقَهَا

نُقَدِّدُ بِالليْمُونِ عَصْرًا بِمُنْخُلِ(٤٠)

 

تَدُورُبِعُودِ  الْخَيْزَرَانِ كَأَنَّهَا

قُمَاشَةُ سَجَّادٍ تُحَاكُ بِمِغْزَلِ(٤١)

 

وَفَوْقَ حَمِيمِ  الْفَحْمِ  فَاحَ  نَسِيمُهَا

وَيَسْرِي لُعَابِي مِنْ طَحِينٍ لِخَرْدَلِ(٤٢)

 

يَهُبُّ عَلَيْنَا لَفْحُ طِيبِ  شِوَائِهَا

كَأَنَّكَ تَطْفُو في رَوَائِحِ صَنْدَلِ(٤٣)

 

تَمِيلُ مَجَسَّاتُ الْأُنُوفِ لَهَا كَمَا

يَمِيلُ   لِإِكْلِيلِ   الْجِبَالِ  مُتَبَّلِي(٤٤)

 

تَرَى صَلْصَةَ الرَّيْحَانِ فِي ثَنَيَاتِهَا

وَقِرْفَتَهَا   مِنْ  بَعْدِ مَزْجِ  الْقَرَنْفُلِ(٤٥)

 

تُقَطِّرُ طَعْمًا  لَا يُضَاهَى بِوَجْبَةٍ

نَسَائِرُ   شَهْدٍ   كَالنَّسِيجِ  الْمُفتَّلِ(٤٦)

 

وَتُمْتِعُنَا   بَيْنَ      التَّلَقُّمِ    مَزَّةٌ

وَهَلْ لَذَّ  شَهْدُ اللحْمِ دُونَ مُخَلَّلِ(٤٧)

 

وَنَرْوي بِكُوبِ الْمَاءِ طُولَ جَفَافِنَا

وَنَلْهَمُ نَهْرًا مِنْ  مُرَبَّى  السَّفَرْجَلِ

 

وَيَغْنَمُ كَلْبُ  الْأَصْدِقَاءِ   غَنِيمَةً

عِظَامَ ضَحَايَا الصَّيْدِ كَالْمُتَسَوِّلِ

 

وَتَهْزِمُنَا عَدْوَى النُّعَاسِ كَأَنَّهَا

مُخدِّرُ بَنْجٍ شَلَّ  مَعْظَمَ هَيْكَلِي

 

وَبَعْدَ هُجُومِ الليْلِ نَشْرَبُ قَهْوَةً

مَرَارَتُهَا تَبْدُو  كَلَذْعَةِ   حَنْظَلِ(٤٨)

 

نُسَارِعُ في نَصْبِ الْخِيَامِ بِهِمَّةٍ

كَجَيْشٍ  بِوَضْعٍ   حَاكِمٍ  مُتَبَسِّلِ(٤٩)

 

وَأَذْكُرُ في وَقْتِ   الصَّفَاءِ  أَحِبَّتِي

وَأَذْكُرُ خَيْرًا مَنْ يُتِيهُ ، وَمُوصِلِي(٥٠)

 

أُسَافِرُ في  لَيْلِ  الْهُمُوم   بِوَحْدَتِي

وَأَعْرُجُ سِرًّا فِي الظَّلَامِ، وَأَخْتَلِي

 

وَأَسْرَحُ فِي ضَوْءِ النُّجُومِ كَأَنَّهَا

لَآلِئُ أَصْدَافٍ   بِشَكْلٍ   تَخَيُّلِي

 

وَتَنْتِشُرُ   الْأَجْرَامُ      بَيْنَ   غُيُومِهَا

كَنَقْشٍ عَلَى طَرْفِ الْوِسَادَةِ مُخْمَلِي

 

وَرُؤْيَةُ عَيْني  لِلسَّدِيمِ    تَدَاخَلَتْ

كَنَظْرَةِ  جَفْنٍ  بِالدُّمُوعِ مُكَحَّلِ(٥١)

 

وَنَسْهَرُ حَوْلَ  النَّارِ  طَالَ كَلَامُنَا

وَتَعْدو الثَّوَانِي بِالْحَدِيثِ الْمُطَوَّلِ

 

أُغَرِّدُ     شِعْرَ     الْأَوَّلِينَ    بِمَجْلِسِي

بَدَأْتُ (بِقَيْسٍ)، وَانْتَهَيتُ (لِأَخْطَلِ)(٥٢)

 

وَأَشْرَحُ بَعْضَ  الْمُفْرَدَاتِ   كَأَنَّنِي

مُتَرْجِمُ شِعْرٍ (لِابْنِ أُخْتِ الْمُهَلْهِلِ)(٥٣)

 

وُكُلُّ قَدِيمٍ مِنْ فُنُونِ زَمَانِنَا

يُبَيَّنُ  أَحْيَانًا  بِشَرْحٍ مُفَصَّلِ

 

وَقَدْ ظَهَرَتْ   أَفْعَى  مُقَرَّنَةٌ لَنَا

تَكِشُّ بِأَنْفَاقِ الرِّمَالِ لَهُمْ، وَلِي(٥٤)

 

فَقُمْتُ، وَوَدَّعْتُ الْخُمُولَ بِجِلْسَتِي

وَقُلْتُ  لِهُمْ:   (فَلْتَهْرَبُوا   بِتَمَهُّلِ)

 

وَأَنْسَى بِلَحْظَاتِ الْهُرُوبِ جَرَاءَةً

وَأَنْبُضُ  خَوْفًا   كَالْغَرِيقِ الْمُبَلَّلِ

 

تَذَكَّرْتُ  يَأْسِي   في الْهُرُوبِ، تُعِيقُنِي

شَرَائِحُ في عَظْمِي، وَشَرْخًا  بِأَرْجُلِي

 

تَسَمَّرْتُ كَالْمِسْمَارِ أَدْرُسُ مَوْقِفِي

كَأَنَّ   جَلِيدًا    يَسْتَقِرُّ    بِمَفْصِلِي

 

وَيَنْتَحِرُ التَّفْكِيرُ عِنْدِي، وَتَخْتَفِي

شَجَاعَةُ  نَفْسِي   كَانْهِزَامٍ  لِكُهَّلِ(٥٥)

 

وَطَارَتْ  عَلَيْنَا؛  فَارْتَعَدْنَا   لِلَحْظَةٍ

وَجَفَّـتْ دِمَائِي،  وَابْتَدَأْتُ تَحَوْقُلِي(٥٦)

 

فَبَخَّتْ نَقِيعُ  السُّمِّ تَقْصِدُ  كَلْبَنَا

وَيَقْضِمُهَا مِنْ رَأْسِهَا الْمُتَطَفِّلِ(٥٧)

 

وَيَدْنُو مِنَ النَّزْعِ الْأَخِيرِ  بِحَسْرَةٍ

وَما  مِنْ دَوَاءٍ   لِلَأَسَى  الْمُتَحَمَّلِ

 

وَيَسْوَدُّ لَوْنُ الْجِلْدِ حَوْلَ جِرَاحِهِ

يَئِنُّ بِصَوْتٍ في الْفَضَاءِ مُزَلْزِلِ

 

وَأُشْفِقُ مَهْمُومًا عَلَى مَا أَصَابَهُ

وَمَا قَدْ بَدَا مِنْ وَجْهِهِ الْمُتَحَوِّلِ

 

أَرَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ غَدْرًا سَرَتْ بِهِ

كَشَاحِبِ    وَجْهٍ     مُذْبَلٍ     مُتَذَبِّلِ(٥٨)

 

وَيُورِثُنِي مَا قَدْ يُمِيتُ عَزِيمَتِي

كَحَاضِنِ عَدْوَى  لِلْجِرَاحِ مُنقِّلِ

 

أَنُوحُ   عَلَى الْكَلْبِ   الْفَقِيدِ  كَأَنَّنِي

مَشَيْتُ عَلَى جَمْرٍ أَنُوحُ، وَأَصْطَلِي(٥٩)

 

وَأَنْظُرُ حَوْلِي كَيْ أُغَادِرَ مَوْقِعِي

رَأَيْتُ  رِفَاقِي   كَالْبُخَارِ  بِمِرْجَلِ(٦٠)

 

أَقُولُ لَهُمْ: (الْآنَ حَصْحَصَ زَيْفُكُمْ

وَلَوْمِي عَلَيْكُمْ  يَوْمَ تَرْكٍ لمَعْقِلي)(٦١)

 

فَرَدَّ صَدِيقٌ: (كُنْتَ مِثْلي مُهَرْوِلًا)

فَقُلْتُ: (عَلَى إِثْرِ انْفِرَاطِ تَكَتُّلِي(٦٢)

 

فَإِنَّ كَلَابَ الْحَيِّ أَوْفَي بِطَبْعِهَا

كَفَاعِلِ خَيْرٍ  بِالْفَضَائِلِ  مُثْقَلِ)(٦٣)

المعاني

  (٣٠) عزّل: مفردها أعزل (مجرّد من السلاح).

(٣١) منجل: محشّ: أداة لحصد الزرع.

(٣٢) السقاة: مفردها الساقي: من يقدّم الشراب، سنبل: مفردها سنبلة. 

(٣٣) أنملة: جمعها أنامل، طود: الجبل الواسع العظيم، العقنقل: الوادي العظيم المتّسع.

(٣٤) خرطوش: حشو سلاح ناريّ للصيد، فرد: فرد من السلاح.

(٣٥) مغربل: مفرّق.

(٣٦) معول: أداة للنقر والحفر في الصخر.

(٣٧) مبجّل: موقّر.

(٣٨) السلخ: نزع الجلد، الطلح: شجر السنط، التظلّل: الاحتماء بالظلّ.

(٣٩) قضت نحبها: ماتت، هيضل: الجيش الكبير.

(٤٠) نبتر: نستأصل، نقدّد: نجفّف، منخل: مصفاة.

(٤١) عود الخيزران: ساق البامبو، تحاك: تمّ نسجها.

(٤٢) حميم: قيظ أو الحرارة الشديدة، طحين الخردل: مسحوق الخردل.

(٤٣) لفح: حرق، صندل: شجر خشبه طيّب الرائحة

(٤٤) مجسّات: مستقبلات، إكليل الجبال: توابل الروزماري، متبّلي: الشيء الذي قمت بتتبيله.

(٤٥)  ثنياتها: دواخلها. 

(٤٦) يضاهى: يقارن نسائر: قطع اللحم الصغيرة، منسّل كالخيوط.

(٤٧) التلقّم: الالتهام بسرعة، مزّة: فاتحة الشهيّة، مخلل: قطع النبات المحفوظة بمحلول ملحيّ.

(٤٨) لذعة: حرقة، حنظل: نبات له مرارة في الطعم.

(٤٩) حاكم: له السيادة، متبسّل: متشجّع.

(٥٠) من يتيه: من يفقدني طريقي ويضلّلني، موصلي: من يرشدني ويعينني.

(٥١) السديم: الضباب الرقيق.

(٥٢)قيس والأخطل: شاعران قديمان.

(٥٣) المهلهل: الزير سالم وابن أخت المهلهل: يقال هو امرؤ القيس.

(٥٤) أفعى مقرّنة: أفعى لها قرنان (كالطريشة)، تكشّ: تصدر صوت احتكاك جلدها بالرمال.

(٥٥) كهّل: أناس في سن الشيخوخة.

(٥٦) تحوقلي: قولي لا حول ولا قوّة إلّا بالله.

(٥٧) بخّت: رشّتْ

(٥٨) مذبل: فاقد للحيويّة والنشاط، متذبل: متلوّي من الألم.

(٥٩) أصطلي: أعاني شدّة حرارة الجمر.

(٦٠) مرجل: آلة توليد البخار.

(٦١) حصحص: ظهر وبان.

(٦٢) انفراط تكتّلي: تشتّت جماعتي.

(٦٣) بالفضائل مثقل: معبّأ بالفضائل. 

تحقق أيضا من

قصيدة امرأة تفصيل

كثيرٌ من ملابسنا يداري ما بنا من عيْبْ