عدد أبيات القصيدة
أَبِيَّةٌ في صَدِّهَا كُلَّمَا
نَاشَدْتُهَا، لَقِيتُ إِصْرَارَهَا
كَأَنَّ رُوحَهَا بِذاكَ الْهَوَى
مَدينَةٌ تَطْرُدُ أَخْيَارَها
كَأَنَّهَا قَدْ طَهَّرتْ نَفْسَهَا
وَذَبَّحَتْ بِالنَّفْيِ كُفَّارَهَا
لَا بَارَكَ الرَّحْمَٰنُ في قَرْيَةٍ
اسْتَعْبَدَ الظُلَّامُ أَحْرَارَهَا
لَا تَكْتَئِبْ إِنْ أَخَّرَتْ عَاشِقًا
وَقَدَّمَتْ في الْقَلْبِ أَشْرَارَهَا
اسْبَقْ، وَفُقْ، نَكِّدْ عَلَى حَاسِدٍ
وَاكْتُبْ عَلَى نَفْسِكَ إِكْبَارَهَا
كُنْ بُغْيَةً، وَمُبْتَغَى نَاكِرٍ
وَقِمَّةً لَهُ، وَمِعْيَارَهَا
وَاتْبَعْ كَريمَ الْأَصْلِ كَمْ قَريَةٍ
قَدْ شَوَّهتْ بِالزَّيْفِ أَبْرَارَهَا
وَاصْمُدْ، وَلَا تَهِنْ، وَلَا تَبْتَئِسْ
إِنْ حَارَبَ الْفُجَّارُ أَطْهَارَهَا
لَا تَسْتَهِنْ بِقِلَّةٍ آمَنَتْ
لَعَلَّ بِالنُّقْصَانِ إِكْثَارَهَا
دَعْ صِيتَكَ الْـمَزْعومَ في قَلْبِهَا
وَاجْعَلْ صَفَاءَ النَّفْسِ إِشْهَارَهَا
كَمْ مِنْ قُلُوبٍ كَتَّمَتْ مَا بِهَا
يَفْضَحُ نَزُّ الْغَيْظِ فَخَّارَها(١٣)
يَا لَهْفَ عَيْني مِنْ قُلُوبٍ بَكَتْ
وَاسْتَقْبَلَتْ في الْعِشْقِ أَقْدَارَهَا
لا يَسْتَكِنُّ الأُنْسُ في عَيْنِنا
مُذْ فَجَّرتْ كالسُّحْبِ أَمْطَارَهَا
ظَالـِمَةٌ في عِشْقِها أَحْرَقَتْ
غَابَةَ أَشْوَاقي، وَأَهْوارَهَا
وَجَرَّفَتْ أَرْضي بِعِصْيانِهَا
وَجَفَّفَتْ بِالنَّأْيِ آبَارَهَا
وَهَجَّرَتْ بِالظُّلْمِ سُكَّانَهَا
تَقْتُلُ خَيْلَهَا، وَأَمْهَارَهَا
وَأَفْسَدَتْ بِالْجَفْوِ مَحْصولَهَا
وَأَعْطَبَتْ بِالشُّحِّ إِثْمَارَهَا
تَسَلَّلَ الْإِهْمَالُ في غَرْسِهَا
وَأَوْقَفَ الْفُتُورُ إِنْضَارَهَا
وَأَتْلَفَتْ إِنْمَاءَ مَزْرُوعِهَا
وَقَطَّعَتْ بِالْعَنْدِ أَشْجارَهَا
وَافَقْدَ أَرْضَاهُ بِمَا مَنَّعَتْ
رَوَاءَ سُقْياهَا، وَإزْهارَهَا
سَقَتْ بِأَنْهارِ الْجَفَا زَرْعَتي
وَسَاقَطَتْ قَبْلَ النَّمَا أَثْمارَهَا(١٤)
وَامْتَهَنَتْ تَنْهِيدَتي، اسْتَكْبَرَتْ
مِنْ بَعْدِ أَنْ كَشَفْتُ إِسْرَارَهَا
وَغَيَّرَتْ طِبَاعَهَا فَجْأَةً
وَبَدَّلَتْ في الْقَلْبِ أَفْكَارَهَا
وَيْلَ الفَتَى مِنْها إِذَا عَانَدَتْ
وَقلَّبَتْ في الْحُبِّ أَطْوَارَهَا
مُحْتَالَةٌ كانَتْ إذا قَيَّمَتْ
مَشَاعِري تَبْخَسُ أَسْعَارَهَا
فَاذْكُرْ فَتَاةً غَلَّقَتْ قَلْبَهَا
وَشَيَّدَتْ في الْعِشْقِ أَسْوَارَهَا
أَقَمْتُ في أَحْضَانِهَا جَنَّتي
وَأَتْلَفَ الْهِجْرَانُ أَزْهَارَهَا
إْنْ جَنَحَتْ لِلسِّلْمِ ضَاقَتْ بِهِ
وَجَمَّعَتْ في السِّرِّ أَنْصَارَهَا
اكْتَسَحَتْ جُيوشُهَا دَوْلَتي
وَاسْتَعْمَرَ الْإغْوَاءُ أَمْصَارَهَا
وَاحَسْرَتَاهُ امْتَلَأَتْ رِحْلَتي
رُعْبًا، وَمَا حَسَبْتُ أَخْطَارَهَا
حَتَّامَ أَهْوَى، وَالْهَوَى قَاِتلٌ
أَضْمَرَ لِلنُّفُوسِ إِضْرارَهَا
وَحْدِي أَنا حَارَبْتُ عُدْوَانَهَا
بِمُفْرَدِي وَاجَهْتُ تَيَّارَهَا
فَفَجَّرَتْ بِالْحِقْدِ طُوفَانَهَا
كَبَّتْ عَلَى الْقُلُوبِ إِعْصَارَهَا
سَبَتْ سَفِينَتي، وَرُبَّانَهَا
وَمَنَّعَتْ في الْوَجْدِ إِبْحَارَهَا
كَمْ رَحَّلَتْ بِالليْلِ عُشَّاقَهَا
كَمْ تُهلِكُ الْأَبْحُرُ عَبَّارَهَا
وَازْدَحَمَتْ شُطْآنُ خُلْجَانِهَا
مِنْ سُفِنٍ تُطْلِقُ إِنْذارَهَا
فَوَدَّعَتْ في الشَّطِّ رُكْبَانَهَا
وَشَيَّعَ النَّفِيرُ أَنْفَارَهَا(١٥)
كَمْ أَسْرَفَتْ في الْحُبِّ مِنْ مَكْرِهَا
وَأَنْفَقَتْ في الْهَجْرِ دِينَارَهَا
إِيمَا خَلاصَ النَّفْسِ مِنْ عِشْقِهَا
إِيمَا هُروبَهَا، وَإدْبارَها(١٦)
اخْتَرْ بِأَوْقَاتِ الْأَذَى مَهْرَبًا
وَاتْرُكْ لِخَوْضِ الْحَرْبِ كَرَّارَهَا
كَمْ مِنْ حُروبٍ في تَصَاريفِهَا
أَخْزَتْ بِرَغْمِ الْبَأْسِ عَكَّارَهَا(١٧)
وَأَنْصَفَتْ مَنْ نَاصَ في خُفْيةٍ
وَأَنْقَذَ الْهُرُوبُ فَرَّارَهَا
كَمْ ثَوْرَةٍ ضَحَّتْ بِأَرْبَابِهَا
تُعْدِمُ يَا لَلظُّلْمِ ثُوَّارَهَا
وَيْحي عَلَى الْعُشَّاقِ في قِصَّةٍ
تَبَادَلوا في الْهَمِّ أَدْوارَهَا
شَادَ أَبَالِيسُ الْهَوَى فَخَّهَا
وَشَيَّدوا بِالْهَدْمِ أَوْكَارَهَا
ضَيَّعتُ يَا آلَ الْهَوَى فُرْصَتي
أَتْقَنْتُ كَالْـمَنْحوسِ إِهْدَارَهَا
يَا لَامْتِدَادِ الصَّمْتِ في بُعْدِنَا
كَأَنَّ فَوْقَ الرَّأْسِ أَطْيَارَهَا
وَيْحِي عَلَى قَلْبَيْنِ قَدْ حَصَّلَا
في دَرَجَاتِ الْعِشْقِ أَصْفَارَهَا
حِكَايَةٌ تَبَخَّرَتْ، وَامَّحَتْ
قَدْ وَضَعَتْ كَالْحَرْبِ أَوْزَارَهَا(١٨)
المعاني
(١٤) الجفا: الجفاء، النما: النماء.
(١٥) النفير: البوق، أنفارها: أفرادها (جمع نَفَر).
(١٦) إيما: لغة في إمّا (إيما لإبقاءٍ على فضلِه—إيما لتسليمٍ إلى ربّهِ “المتنبّي”).
(١٧) عكّارها: كرّارها، الشجاع كثير الهجوم، هجّام.
(١٨) أوزارها: أثقالها.
