عدد أبيات القصيدة
وَمِنْ أَجْلِ عَيْنَيْكَ في خِدْرِهَا
لَكَ الصَّعبُ يَا فَاتِنِي قَدْ سَهُلْ
وَكَمْ لَكَ عِنْدِي مِنَ العِشْق يَا
مُلَخّصَ سِحْرِ الهَوَى الْـمُخْتَزَلْ(٢٤)
أَيَا ذَا الدَّلَالِ قَطَعْتَ بِنَا
وَذلِكَ في الْعِشْقِ أَمْرٌ جَلَلْ(٢٥)
فَدَيْتُكَ لَا يَسَعُ الْقَلْبُ أَنْ
تُقَطِّعَ في العِشْقِ كُلَّ السُّبُلْ
وَيَا ذا الْـمَلاحَةِ كُنْ لي كَمَنْ
إِذَا مَا طَلَبْتُ وِصَالًا وَصَلْ
وَأَبْهِجْ فُؤَادَ الشَّجِيِّ يَكُنْ
جَزاؤكَ مِنْ نَفْسِ جِنْسِ العَملْ
أَكَلْتَ بِنَارِكَ أَكْبَادَنَا
هَنِيئًا مَرِيئًا لِـمَنْ قَدْ أَكَلْ(٢٦)
فَطَرْتَ القُلُوبَ فَتَكْتَ بِهَا
وَحِمْلُ هُمُومِ الْغَرَامِ ثَقُلْ
تَحَنَّنْ عَلَيَّ؛ فَإِنِّي امْرُؤٌ
أَنُوءُ بِهَمٍّ كَحِمْلِ الْجَبَلْ(٢٧)
أَلَا نَظْرَةٌ لي بِحَقِّ الْهَوَى
أَلَا قُلْتَ: خُذْها، ألَا قُلْتَ: نُلْ
وقَدْ كانَ هَجْرُكَ لي عِلَّةً
ولكنّ صَمْتَكَ أُسُّ العِلَلْ(٢٨)
تُكَاتِمُني في الْهَوَى مَا اخْتَفَى
حَنَانَيْكَ يَا مَنْ سَلَا، وَانْشَغَلْ(٢٩)
رُزِقْتَ بِقَلْبٍ تَعَدَّى عَلَى
حُدُودَ الْغَرَامِ، وَقَلْبِي قَبِلْ
وَخَبَّأَ أَسْرَارَهُ، وَاقْتَنَى
كَلَامًا بِسِتْرٍ؛ فَلَا أَخْتَتِلْ(٣٠)
فَيَا مُسْتَبِدًّا تَرَفَّقْ بِنَا
ورُدَّ الْـمَظَالِمَ لِلْمُعْتَقَلْ
وَلَا تَقْتُلَنِّي بِذَنْبِ الْهَوَى
فَإِنَّ مِنَ الْعِشْقِ مَا قَدْ قَتَلْ(٣١)
وَإِنْ كانَ في الْبَوْحِ قَتْلِي؛ فَبُحْ
عَسَاكَ بِقَتْلي تُطيلُ الْأَجَلْ
وَإِنْ كانَ بَوْحُكَ ذَا نِعْمَةً
فَقَلْبي الْأَحَقُّ بِمَا لَمْ تَقُلْ
أَيَا مَنْ يُقَتِّلُني صَمْتُهُ
تَكَلَّمْ، وَبِالسِّرِّ حَدِّثْ، وَقُلْ
وَلَا تَخْشَ قَوْلَكَ نَائِبَةً
لَعَلِّي برغْمِ الْأَسى أَحْتَمِلْ(٣٢)
فَإِنْ كُنْتَ تُغْرِقُني في الْهَوَى
فَلَيْسَ يُؤَرِّقُ عَيْني الْبَلَلْ(٣٣)
ورَدُّكَ عِنْدَ السُّؤَالِ بِلَا
لَدَيَّ بِعُرْفِ الْهَوَى كَأَجَلْ (٣٤)
وَمَا زِلْتَ يَا فَاِتِنِي تَخْتَفي
وَقَلْبي بِعُمْقِ الْأَسَى لَمْ يْزَلْ
نَشَرْتَ الْحَضاَرَةَ في مَوْطِني
وَقَلْبُكَ في مَوْطِنٍ مُنْعَزِلْ
وَقَطَّعْتَ بِالْهَجْرِ أَوْصَالَنَا
وَيَسْبُقُ سَيْفُكَ صوْتَ الْعَذَلْ(٣٥)
وَكَمْ ظَلَّ قَلْبي عَلَى عَهْدِهِ
إِذَا قَالَ: أَحْفَظُ عِشْقًا، فَعَلْ
فَدَاوِ جِراحَكَ في مُهْجَتي
وَمَا قَدْ أَلَمَّ بِنَا مِنْ خَلَلْ
وَصَدِّقْ بِقَلْبي، وَآمِنْ بِهِ
وَحَقِّقْ أَمَانِيَّهُ، وَاتَّصِلْ
وَلَا تَكُ عِنْدَ الشِّقَاقِ كَمَنْ
تَمَادَى بِهِ الْحالُ حَتَّى اعْتَزَلْ(٣٦)
وَحَاشَاكَ يَا فَاتِني عُزْلَةً
تُصِيبُ مَشاعِرَنَا بِالشَّلَلْ
وَسَلْ شاعرَ الْحُزْنِ مِمَّ الْبُكَا
وَسَلْ راهِبَ الْعِشْقِ فِيمَ انْفَعَلْ
وَقَدْ مَرَّ جَمْعٌ على صَفْحَتي
فقَالُوا: (عَجِبْنا لِهَذَا الرَّجُلْ
إِذَا هَوَ لمْ يُعْدِنَا بِالْبُكَا
أَلَانَ الصُّخورَ، وَأَبْكَى الطَلَلْ(٣٧)
فمَنْ خَامِلُ الذِّكْرِ هذا الذي
يُهَذِّبُ شِعْرًا، وَلَا يَنْتَحِلْ؟(٣٨)
شُغِفْنَا بِشِعْرِ ضَحَايا الْهَوَى
وَمَاذَا يُضاهِي هَوَى الْـمُبْتَهِلْ؟
فزِدْنَا مِنَ الشِّعْرِ بَيْتًا لَهُ
وَلَا سيَّما نَوْحُهُ الْـمُرتَجَلْ)
وَنَقَّلَ لي الْخِلُّ أَخْبَارَهُمْ
وَمَا ثَارَ مِنْ لَهَبٍ، وَجَدَلْ
وَقَال صَدِيقِي: (هَلُمَّ لَهُمْ
فَبِالشِّعْرِ أَوْ مِنْ مَلِيحِ الزَّجَلْ
وَدَعْكَ مِنَ الْعِشْقِ يَا صَاحِبِي
وَغَاِدرْ تَفَاصِيلَهُ، وَانْفَصِلْ
فتِلْكَ الرِّوَايَةُ لَا تَنْتَهِي
– بِربِّكَ، إِلَّا بِمَوْتِ الْبَطَلْ)
فقُلْتُ: (صَدَقْتَ وَرَبِّ السَّمَا
أَلَا لَيْتَ ظَلَّامَ قَلْبي عَدَلْ
ولَيْتَ الحَبِيبَ بِشَوْقٍ أَتَى
وَجَادَ عَلَى بَائِسٍ، وَنَفَلْ)(٣٩)
عَدِمْتُكَ إنْ قُلْتُ شِعْرًا، وَلَمْ
تَذُبْ مِنْ شَجَاهُ دُمُوعُ الْـمُقَلْ
وَلَا غَرْوَ إِنْ كَانَ عَنْكَ، وَإِنْ
بَعَثْتُكَ مِنْ كَلِمَاتِي الرُّسُلْ
وَمِنْ شِعْرِ عِشْقِكَ يا فاتِني
تَعَجَّبَ أَصْحَابُ كُلِّ الْحِيَلْ
فَإِنْ كَانَ دُونَكَ شِعْري وَهَى
وَإِنْ كانَ فِيكَ قَصِيدي جَزُلْ
فحَدِّثْ بِشِعْري الذي كُلَّما
قَرَأْتُ عَلَى أَيِّ صَبٍّ ذُهِلْ
وَإِنْ لَمْ تَمِلْ نَحْوَ شِعْرٍ لَنَا
فَخُذْ رَأْيَ قَلْبِكَ فينا، وَسَلْ
وَقُلْ مَا تَشاءُ مِنَ الْعَتْبِ لي
وَدَبِّرْ لِقَلْبي الْأَسَى، وَافْتَعِلْ
وَسَمْعًا، وَطَوْعًا لِأَمْرِكَ يَا
حَبِيبًا لَدَيْهِ الْجَمَالُ كَمُلْ
المعاني
(٢٥) قطعتَ بنا: حلت بيني، وبين ما أرجوه.
(٢٦) هنيئًا مريئًا: طيّبًا سائغا.
(٢٧) تحنّن: تعطّف، ترحّم.
(٢٨) أسّ: أساس.
(٢٩) تكاتمني: تسرّه، تخفيه عنّي/معي، حنانيكَ: تحنّن عليّ مرّة بعد مرّة.
(٣٠) أختتل: أتسمّع لسرّ غيري.
(٣١) تقتلنّي: نون التوكيد الخفيفة مع نون الوقاية، “من الحب ما قتل”: مقولة تنسب للأصمعي.
(٣٢) نائبة: مصيبة شديدة.
(٣٣) شبيهة بما قاله المتنبي أنا الغريق؛ فما خوفي من البللِ.
(٣٤) أجل: نعم.
(٣٥) العذَل: الملامة.
(٣٦) الشقاق: الخصومة، العداوة.
(٣٧) لم يعدنا: لم يصبنا بالعدوى.
(٣٨) ينتحل: يقلّد، يزوّر.
(٣٩) نفل: أعطى له عطيّة، نافلة من معروف.
