عدد أبيات القصيدة
وَبِرَغْمِ بُرْهَانِ اسْتِحَالَةِ وَصْلِنَا
لَمْ أَدَّخِرْ وَهْمًا؛ أَتَى، وَتَخَمَّرَا(١٥)
فَبَثَثْتُ حُبِّي في الشُّرُودِ تَوَهُّمًا
وَرَسَمْتُ عِشْقًا في الْخَيَالِ مُزَوَّرَا
أَغْفُو عَلَى سُرِرِ الْأَنَامِلِ أَنْتَشِي
بِعُيونِهَا خُلْدًا، وَلَيْلًا مُقْمِرا
وَأَخَافُ لَوْ شَاءَ الْإِلَهُ، وَسَلَّمَتْ
في نَارِ حُبِّي أَنْ تَمَلَّ، وَتَضْجَرَا
وَأَعُودُ أَنْزِفُ في التَّخَيُّلِ وَاقِعِي
أَسَفًا عَلَى الْحُلْمِ الْجَمِيلِ تَبَخَّرَا
أَسَفًا عَلَى قَلْبِ الْأَسِيرِ بِسِجْنِهِ
حَسِبَ التَّذَلُّلَ لِلْقُلُوبِ تَحَرُّرَا
حَسِبَ التَّمَنُّعَ في الْغَرَامِ تَحَدِّيًا
أَسَفًا عَلَى هَذَا الْقَتِيلِ مُؤَخَّرَا
لَمَّا تَحَدَّتْهُ الْمَلِيحَةُ؛ فَانْبَرَى
وَأَصَابَهُ وَهَنٌ، وَتِيهٌ؛ فَانْبَرَى(١٦)
ارْحَمْ دُمُوعَكَ، بَلْ تَشَجَّعْ لَا تَخَفْ
مَا زَالَ مَخْزُونُ الْبُكَا مُتَوَفِّرَا(١٧)
هِيَ جَنَّةٌ تَهْفُو الْقُلُوبُ لِخُلْدِهَا
وَأَنَا بِنَارِ الْعِشْقِ مُتُّ تَسَعُّرَا(١٨)
وَلِسُوءِ حَظِّ الْقَلْبِ قَدْ زَادَتْ عَلَى
نَأْيِ الْغَرَامِ السَّرْمَدِيِّ تَحَجُّرَا
لَوْ أَنَّنِي أَحْبَبْتُ في هَذَا الْهَوَى
حَجَرًا؛ تَصَدَّعَ مُشْفِقًا، مَا قَصَّرَا
وَعَذَرْتُهَا في الصَّدِّ؛ حَقًّا مَنْ أَنَا
حتَّى تَرُدَّ عَلَى الْكَلَامِ، وَتَشْعُرَا؟!
وَأَخَافُ تَسْأَلُنِي الْعَوَاذِلُ مَرَّةً
عَنْهَا، وَأَفْشَلُ لِلْوَرَى أَنْ أُنْكِرَا
وَأُقِرُّ بِالْوَلعِ الشَّدِيدِ لِيَهْمِسوا:
(مَجْنُونُ فَاتِنَةٍ أَرَاحَ، وَأَخْبَرَا)
شَرَفٌ رَفِيعٌ أَنْ أَبُوحَ بِحُبِّهَا
أُثْنِي إِلَيْهَا في الْمَحَبَّةِ خِنْصَرَا(١٩)
لِكِنَّهُ حُبٌّ أُكَتِّمُهُ أَنَا
كَانَ الْهَوَى لِخِيَالِهَا مُسْتَنْكَرَا
كَمْ تُبْتُ لِلْأَيَّامِ عَنْ إِدْمَانِهَا
وَرَفَضْتُ بَعْدَ الْعَزْمِ أَنْ أَسْتَغْفِرَا!
كَيْفَ الْخَلَاصُ مِنَ الْجَحِيمِ، وَبُعْدُهَا
أَضْفَى عَلَى قَلْبِي أَذًىً، وَتَضَرُّرَا؟
تَهْوَى، وَيَهْرَبُ قَلبُهَا مِنْ قِصَّةٍ
قَبلَ النِّهَايَةِ خَائِفًا أَنْ يُبْحِرَا
سُبْحَانَ ربِّي قَدْ فَطَرْتَ فَؤَادَهَا
سبحانَهُ مِنْ ثَابِتٍ – مُتَغيِّرَا
يَا مَنْ مَلَكْتِ الْقَلْبَ حُبُّكِ سُخْرَةٌ
قَلْبِي لَدَى الْأَحْزَانِ صَارَ مُؤَجَّرَا
يَا مَنْ نُفِيتُ مِنَ النَّعِيمِ بِحُسْنِهَا
أَرَأَيْتِ مَنْفيًّا إِلَيْكِ مُهَجَّرَا؟!
لَا تَنْعَتِينِي بِالْجُنُونِ؛ أَنَا إِذَا
أَحَبَبْتُ قَلْتِ: (العقلُ زَادَ تَدَهْوُرَا)
مِمَّا رَأَيْتِ مِنَ الْجُنُوحِ بِلَوْعَتِي
وَالْعَقْلُ يَهْذِي هَائِمًا مُتَأثِّرَا
وَتَوَاصُلِ الْإِلْحَاحِ عِنْدَ تَجَاهُلٍ
كَانَ التَّجَاهُلُّ في النِّسَاءِ مُؤَشِّرَا
إِنَّ الْجُنُونَ مِنَ الْمُحُبِّ بَرَاءَةٌ
بَعْضُ التَّأَخُّرِ قَدْ أَرَاهُ تَطَوُّرَا
الْهَائِمُونَ يُفكِّرُونَ بِقَلْبِهِمْ
وَالْعِشْقُ لَيْسَ لِمِثْلِهِمْ مُتَيَسِّرَا
أَحْبَبْتُ لَا أُخْفِي خَلَالَ مَسِيرَتِي
وَسَلِمْتُ حَينًا أَوْ خَرَجْتُ مُدَمَّرَا
قَدَّرْتُ أَنِّي كَمْ ظَلَمْتُ حَبِيبَةً!
وَزَرَعْتُ جُرْحًا في الْقُلُوبِ مُعَمِّرَا!
وَظَلَمْتُ أَوْأُوذِيتُ دُونَ ذريعَةٍ
ظنِّي خُلِقْتُ بِفِطْرَتي مُتَهَوِّرَا
وَكُرِهْتُ كُرْهًا لَا أُجَمِّلُ صُورَتِي
أفُشِي إِلَيْكِ بَمَا جَنَيتُ تَصَوُّرَا
قِيسِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ مَسَاوِئِي
إِنْ مُدَّ قَلْبُكِ لِلْقِيَاسِ مُشَبِّرَا(٢٠)
أَنَا بَائِسٌ حَدَّ الرِّثَا مَا هَمَّنِي
أَبْدُو لَدَيْكِ بِقِصَّتِي مُسْتَصْغَرَا(٢١)
فَأَنَا أُدَوِّنُ قِصَّتِي بِرَسَائِلِي
وَلَسَوْفَ تَشْتَغِلِينَ شَيْئًا آخَرَا
هِيَ ذِكْرَيَاتٌ، كَمْ سَحَرْتِ مُتيَّمًا
وَسَرَقْتِ قَلْبًا طَيِّبًا، وَمُبَعْثَرَا!
أَشْتَاقُ لِلْمَاضِي لِأَيِّ حَبِيبَةٍ
حَتَّى أَكُفَّ بِحُبِّهَا أَنْ أُسْحَرَا
أَوْ رُبَّمَا لِأُزِيلَ وَشْمَكِ مِنْ دَمِي
وَأَفُكَّ لُغْزًا مُبْهَمًا، وَمُشَفَّرَا
وَأَخَافُ مَوْتِي قَبْل أَنْ تَتَيَقَّنِي
مِن صِدْقِ مَا أُخْفِي بِقَلْبِي مُضْمِرَا
وَأَخَافُ مَوْتي في الْمَحَبَّةِ فَجْأَةً
وَعَلَى غَرَامِكِ أَنْ أَمُوتَ، وَأُحْشَرَا
وَسَمَاعَ شِعْرِي عَنْكِ في يَوْمِ الْعَزَا
وَيَفِيضُ قَبْرِي مِنْكِ دَمْعًا مُمْطِرَا(٢٢)
وَسَأَلْتُ نَفْسِي: (هَلْ لَدَيْنَا فُرْصَةٌ؟)
سَاءَلتُهَا مُسْتَفْهِمًا مُسْتَفْسِرَا
أَبَدًا سَأَبْقَى فِي الْحَيَاةِ بِخَيْبَتِي
أَبَدًا غَرَامُكِ جَاءَنِي مُتَأَخِّرَا
كَفَّرتُ عَنْ ذَنْبِي بِحُبِّكِ هَائِمًا
حَتَى يَرُوحَ الذَّنْبُ أَوْ أَتَطَهَّرَا(٢٣)
كَانَتْ حَيَاتِي قَبْلَ حُبِّكِ غَفْلَةً
وَدَوَامُ بُؤْسِي في الْحَيَاةِ مُكَرَّرَا
وَأَقُولُ رَغْمَ الْيَأْسِ مِنْكِ، وَحِيرَتِي
(يَا لَيْتَنِي قَدْ ذُبْتُ فِيكِ مُبَكِّرا)
أَرْسَلْتُ في هَذَا الْبَرِيدِ قَصِيدَتِي
لَكِنْ، عَلَامَ؟، وَصَدُّ عَيْنَيْكِ افْتَرَى
يَا مَنْ لَهَا الْإِذْعَانُ، يَا مَنْ صُوِّرَتْ
جَنَّاتِ عَدْنٍ أَوْ تُفَجِّرُ كَوْثَرَا(٢٤)
عَوَضِي عَلَى الْمَوْلَى قَصَصْتُ حِكَايَتِي
يَا وَيْحَ قَلْبِكِ فَاتَنِي مُتَنَكِّرَا
يَا لَيْلةً فِي الْعُمْرِ يَا مَحْبُوبَتِي
أَضْحَى مَسَاؤُكِ بَاسِمًا مُخْضَوْضِرَا(٢٥)
المعاني
(١٦) تخمّر: اكتمل ونضج.
(١٧) البكا: البكاء.
(١٨) تسعّرا: تلهّب.
(١٩) أثني خنصرا: أبدأ بها عندما أشير لمثلها من الشريفات مُعَدِّدا.
(٢٠) مشبّرا: قائس بالشبر (يقيس بحجم الكفّ).
(٢١) الرثا: الرثاء.
(٢٢) العزا: العزاء.
(٢٣) يروح: يذهب.
(٢٤) الإذعان: الانقياد والخضوع، كوثر: شراب عذب، ونهر في الجنّة.
(٢٥) مخضوضر: مشتدّ خضرته، وعاشب.
