عدد أبيات القصيدة
قَلْبي عَصَى، عَقَّني، وَعَانَدَنِي
وَكُلُّ أَمْرٍ نَوَاهُ أَمْضَاهُ
حَرْبٌ جُبَارٌ عَلَيَّ أَطْلَقَهَا
دَافَعَ عَنْ عِشْقِهِ، وَزَكَّاهُ(٨)
أَلْهَاهُ سَاهٍ إِذَا أُعَاتِبُهُ
أَخْفَى شُعُورَ الْحَنِينِ دَارَاهُ
إِذَا اتَّفَقْنَا عَلَى مُوَاثَقَةٍ
أَرْفَدَني شَرْطَهُ، وَأَمْلَاهُ
إِذَا خَلَصْنَا إِلَى مُعاهَدةٍ
بَنْدُ اجْتِنَابِ الْهَوَى تَنَاسَاهُ
أَوْصَى أَمَامَ الْـمَلَا بِتَوْبَتِنَا
وَارْتَدَّ كَالْبَرْقِ عَنْ وَصَايَاهُ
لَا نَعْرِفُ الْقَلْبَ إذْ يُحَدِّثُنَا
عَنْ حَذَرٍ قَلَّمَا تَوَخَّاهُ
شُعُورُ بُؤْسِي إِذَا شَكَوْتُ لَهُ
ضَاعَفَ إِحْسَاسَهُ، وَقَوَّاهُ
وَفي حُرُوبِ الْهَوَى أُنَاوِلُهُ
سَهْمًا إِذَا مَا رَمَاهُ أَشْوَاهُ(٩)
فَضُمَّ يَا خَائِبَ الرَّجاءِ عَلَى
مَتْعُوسِ عِشْقٍ صَرِيعِ ذِكْرَاهُ
يَفِرُّ قَلْبي، وَرَاغَ مُرْتَحِلًا
إِذَا تَبَدَّى لَنَا مُحَيَّاهُ
فَيَا هَوَىً أَيْنَ أَلْتَقِيهِ، وَيَا
مُثَبِّتَ الْعَقْلِ أَيْنَ مَأْوَاهُ؟
سَأَلْتُ أَهْلَ الْغَرَامِ أَيْنَ عَسَى
أَلْقَى فُؤَادِي، وَأَيْنَ مَثْوَاهُ؟
يَا جِيرةَ الْعِشْقِ كَيْفَ أَمْنَعُهُ
مَنِ اسْتَبى وَجْدَهُ؛ وَسَاهَاهُ؟(١٠)
يَا عِتْرَتي هَلْ يَدُلُّني رَجُلٌ
عَلَى فُؤَادٍ، يَشِتُّ مَرْسَاهُ؟
قَالُوا: (حَبِيبٌ أَتى، وَغَيَّبَهُ
وَالْعِشْقُ وَاحَسْرَتَاهُ أَغْوَاهُ
لَدَى حبيبٍ طريقُهُ نَدَمٌ
عَلَى احْتِرَافِ الْغِيَابِ رَبَّاهُ
أَذَاقَهُ الْوَهْنَ في تَرَحُّلِهِ
آلَـمَهُ نأْيُهُ، وَأَضْوَاهُ(١١)
يَلْقَى بِظِلِّ الْحَبِيبِ تَسْرِيَةً
وَصَارَ في حِضْنِهِ مُسَرَّاهُ)(١٢)
مَا لي أَرَى الْقَلْبَ غَابَ مُبْتَعِدًا
وَمَا الذي هَمَّهُ؛ فَأَلْهَاهُ
تَبِعْتُ قَلْبي، رَحَلْتُ مُغْتَرِبًا
لَعَلَّهُ في الطَّرِيقِ لَاقَاهُ
ذَهَبْتُ في إثْرِهِ، وَيَا وَجَعِي
قَدْ ذَابَ إِذْ ذَابَ في خَلَايَاهُ
رَأَيْتُ قَلْبي لَدَى مُعَذِّبِهِ
عَاتَبْتُهُ فَاتَني، وَلَاهَاهُ
حَبِيبُنا حَازَهُ، اسْتَبَدَّ بِهِ
وفِي بَرَى الْعَاصِفَاتِ أَبْرَاهُ
جَبَّارُ عِشْقٍ أَشَاعَ فِتْنَتَهُ
وَمِنْ مَرِيرِ الْعَذابِ أَسْقَاهُ
عاثَ فَسَادًا بَرَى جَوَا نِحَنَا
أَمَاتَ قَلْبِي بِهِ، وَسَجَّاهُ(١٣)
وَأَدْمَعَ الْجَفْنَ في تَغَيُّبِهِ
وَشَرَّحَ الْـمُسْتَهَامَ، أَدْمَاهُ
وَبَاعَهُ بالرَّخِيصِ، شَرَّدَهُ
وَفي زَمَانِ الْوِصَالِ جَافَاهُ
في سَاحَةِ الْعَاشِقِينِ ذبَّحَنَا
أَجْرَى قِتَالًا، وَفَاتَ مَوْتَاهُ
حُرُوبُهُ في القُلُوبِ أَضْرَمَهَا
قِتَالُهُ في الْغَرَامِ ذَكَّاهُ
قَلْبِي غَرِيرٌ بِطَبْعِهِ وَهِنٌ
يَصْفَحُ عمَّنْ هَوَاهُ آذَاهُ
إِذَا تَصَدَّى لَهُ بِمُعْتَرَكٍ
أَصْبَحَ في الْحَرْبِ كُلَّ قَتْلَاهُ
ويْحِي عَلَى القَلْبِ لَا يُبَارِحُهُ
حُزْنٌ، وَدَاءُ الْغَرَامِ أَوْهَاهُ(١٤)
كَيْفَ انْفِلَاتي، وَحُبُّهُ لَغَمٌ
وَاسْتَقْبَلَتْ مُهْجَتي شَظَايَاهُ
أبْقَى تَعِيسًا صَريعَ رَغْبَتِهِ
مَنْ يُنقِذُ الْقَلْبَ مِنْ خَطَاياهُ؟
وَمَنْ يُواسِيهِ في صَبَابَتِهِ
سِوى صَرِيعِ الْقُلوبِ، آساهُ(١٥)
يَا مَنْ لَقِينَاكَ تَكْتَوي تَرَحًا
وَاعْتَصَرتْ في الْبُكا حَنَايَاهُ
قَلْبي الْبَرِيءَ الذي يَفيضُ أَسًى
وَانْفَطَرَتْ في الْهَوَى ثَنَايَاهُ
هَلَكْتَ عِشْقًا، وَلَا أَرَاكَ إِذَا
مَا مُتَّ إلا وَأَنْتَ تَهْوَاهُ
تَهْوَى حَبِيبًا، وَلَسْتَ تَعْرِفُهُ
وَمَا اطَّلعْنَا عَلَى نَوَايَاهُ
أَسْقَاكَ مُرَّ السِّقَامِ، أتْلفَنَا
ذُقْنَا عَذَابَ الهَوَانِ جَرَّاهُ
وَرَغْمَ نَهْرِ الدُّمُوعِ تَعْشَقُهُ
وَتَرْتَضِي مِنْ بُكَاكَ أَقْسَاهُ
أَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْكَ طَلَّتَهُ
وَأَبْعَدَ الْعِشْقَ عَنْهُ، نَحَّاهُ(١٦)
وَبَوْحُنَا بِالشِّعُورِ يَرْفُضُهُ
إِحْسَاسُنَا كانَ مِنْ ضَحَايَاهُ
تَمَرَّغَ القَلْبُ في مَذَلَّتِهِ
وَصَارَ وَضْعُ الخُنُوعِ مَجْرَاهُ(١٧)
حذَّرتُ قَلْبِي مِنَ الْوُثُوقِ بِهِ
فَنَحْنُ في الْعِشْقِ مِنْ سَبَايَاهُ
وَالْقَلْبُ يَأْبَى، وَلَا يُصدِّقُني
بَعْدَ الذي قُلْتُ، قَالَ: (حَاشَاهُ!)
حَمِيَّةُ الْعَاشِقِينِ تَسْرِقُهُ
وَسِحْرُ هَذَا الْغَرَامِ أَعْمَاهُ
صَرَمْتُ حَبْلَ الْوِدَادِ، وابْنُ دَمَي
قَدْ مَدَّ حَبْلَ الْوصَالِ أَرْخَاهُ!(١٨)
تَصْبُو قُلُوبٌ لـِمَنْ يُعَذِّبُهَا
وَعِلَّةُ الْقَلْبِ مَا تَمَنَّاهُ
المعاني
(٩) أشواه: لم يصب صيده.
(١٠) استبى: أوقعه في الأسر، ساهاه: غافله.
(١١) أضواه: أضعفهُ.
(١٢) مسرَّاهُ: المُسرَّى عنهُ.
(١٣) سجَّاه: كفَّنه بالكفن.
(١٤) أوهاه: أضعفه.
(١٥) آساه: واساه.
(١٦) نحّاه: صرفه، أبعده.
(١٧) تمرَّغ في: تقلَّب في.
(١٨) صرمت: قطعت، ابن دمي: قلبي.
