عدد أبيات القصيدة
ومَنْ تَخَشَّى؛ فَسَرَّ مَقْصَدَهُ
أَضْمَرَ مَكْنُونَهُ، وَخَبَّاهُ
تَكَتَّمَ الْطَّبْعَ في سَرِيرَتِهِ
وَكلُّ بَوْحٍ لَهُ تَوَقَّاهُ
أَخْفَى الْهَوَى، في حُمَى تَقِيَّتِهِ
تَوْرِيَةٌ غَلَّفَتْ خَفَايَاهُ(٣٣)
أَصْبَحَ في الْحَالِ بَيْنَ بَيْنَ؛ فَما
أَفْطَنَهُ في الْهَوَى، وَأَغْبَاهُ!
وَمَنْ أَسَرَّ احْتِيَالَ مَظْهَرِهِ
وَكُلُّ مَا بالضَّمِيرِ أَخْفَاهُ(٣٤)
زيَّنَ بِالزَّيْفِ مَا تَصَنَّعَهُ
لَهْوَقَ بِالزُّورِ مَا تَبَدَّاهُ(٣٥)
تَكَشَّفَتْ عَاجِلًا خَدِيعَتُهُ
أَوْ آجِلًا هُشِّمَتْ مَرَايَاهُ
ومَنْ يُقَوِّي بقَلْبِهِ مِقَةً
لِرَأْيِهِ، وَالْغُرورُ عَرَّاهُ(٣٦)
تَأَرَّبَتْ بِالْهَوَى حَمِيَّتُهُ
وَاشْتَدَّ في قَوْلِهِ؛ فَأَعْنَاهُ(٣٧)
أَصَدَرَ حُكْمَ الْـمُرُوقِ في سَفَهٍ
إذا نَقِيضُ الحَدِيثِ آتاهُ(٣٨)
حِزْبٌ مُوَالٍ لِضِيقِ مَذْهَبِهِ
كُلُّ الذِي دُونَهُ تَلَافَاهُ
ومَنْ تَقَوَّى بِمَا اقْتَنَاهُ، ومَنْ
غَيَّرَهُ مَنْصِبٌ تَوَلَّاهُ
كُلٌّ تَصَدَّى لِنَيْلِ بُغْيَتِهِ
كُلٌّ يُغَنِّي لِأَجْلِ لَيْلَاهُ
يَا قَلْبُ كُنْ في غَرَامِنَا حَذِرًا
مَنِ ابْتَغَى مُبْهَمًا تَحَرَّاهُ(٣٩)
لقَّمْتَني الْعِشْقَ ذُلَّ مَرْغَمَةٍ
فَمَا اسْتَرَحْنا، وَمَا احْتَمَلْناهُ(٤٠)
عاتَبْتُ قَلْبي، وَعِنْدَ مَعْتَبَتي
رَأَيْتُ دَمْعَ الْحَنِينِ أَبْلَاهُ
حَبِيبُهُ فَاتَهُ، وَفَارَقَهُ
وكُلُّ عَطْفٍ لَدَيْهِ أَنْهَاهُ
أَمَاتَهُ بالشِّقَاقِ عَذَّبَهُ
وَبِالْبُكَا خَصَّهُ، وأَصْفَاهُ(٤١)
غَرَّبَهُ في أَسَى الْغَرَامِ؛ فَمَا
طَهْوِي إِذا فَاتَهُ، وَوَلَّاهُ؟!(٤٢)
سَحَبْتُ أُعْتُوبَتي عَلَى مَضَضٍ
يَكْفِيهِ ما خَاضَهُ، وَعَانَاهُ
يَا قَلْبُ أَكْمِلْ عَجِيبَ قَوْلِكَ لي
عَلَامَ هَذَا الرُّضوخُ تَرْضَاهُ
تَبَّتْ يَدَا الْقَلْبِ كَيْفَ أَقْنَعَني
مَنْطُوقُهُ، بِاللذِيذِ حَلَّاهُ
وَرَغْمَ ضِيقي بِمَا يَكِنُّ لَهُ
لِسَانُ حَالي أَتَى، وَوَاسَاهُ
هَوِّنْ عَلَيْنَا؛ فَحُبُّنا قَدَرٌ
دَارُ الْهَوَى لَوْعَةٌ، وَإِيلَاهُ(٤٣)
أَلَيْسَ هَذَا الذي حَلَمْتَ بِهِ
وَعَدَّدَ النَّبْضُ لي مَزَايَاهُ
تَسْتَرْحِمُ اللَّهَ في تَضَرُّعِنَا
وَمَا تَمَنَّيْتَ مِنْهُ إِلَّا هُو
لَا تَبْتَئِسْ مِنْ أَسَى الْغَرَامِ إِذَا
هَوَاكَ أَضْنَى الشُّعُورَ، أَعْيَاهُ
فَكُلُّ قَلْبٍ، إِذَا تَوَكَّلَ لَا
يُضَيِّعُ اللَّهُ صِدْقَ مَسْعَاهُ
وَكُلُّ عِشْقٍ بِمَا نَوَيْتَ إِذَا
أَخْلَصْتَ حُبًّا يُحِبُّكَ اللَّهُ
فَاكْتُبْ لَهُ عِشْقَنَا، وَكُنْ وَلِعًا
طَيِّبْ، وَعَطِّرْ رُبُوعَ مَمْسَاهُ(٤٤)
وَقُلْ لَهُ البَوْحَ مِنْ بَنَاتِ فَمٍ
شَهْدًا إِذَا مَا الْغَلِيلُ أَضْنَاهُ(٤٥)
وَبُثَّ مِنْ شِعْرِنا لِـمُهْجَتِهِ
لَعَلَّهُ في الْغَرَامِ يَلْقَاهُ(٤٦)
وَقُلْ مِنَ النَّظمِ مَا يَمِيلُ لَهُ
عِشْقًا إذا مَا الْتَقَاهُ غَنَّاهُ
وَقُلْ لَهُ كَمْ يُحِبُّ في وَلَهٍ
قَلْبٌ فَنَى، في يَدَيْهِ مَحْيَاهُ(٤٧)
وَكَوْكَبُ الْقَلْبِ بَاتَ مَسْكَنَهُ
وَفَيْضُ إِلْهَامِنَا هَدَايَاهُ
أَبْياتُ شِعْري غَدَا مُعَلِّمَهَا
أَحْلَى حُرُوفِ الْهَوى صَبَايَاهُ
نَكْتُبُ شَوْقًا بِهِ نُغَازِلُهُ
صَبَا نَسِيمِ الْحَنِينِ فَحْوَاهُ(٤٨)
إِذَا تَنَاهَى إِلَى مَسَامِعِهِ
أَجْوَدُ شِعْرِ الْهُيَامِ أَصْبَاهُ
تَضُوعُ مِنْ نَصِّهِ مَشَاعِرُنَا
وَيَسْكُنُ الشَّوْقُ في حَشَايَاهُ
فَاضَ هَوَىً يَحْتَوِي عَلى عَبَقٍ
مُعَطَّرٍ فَاحَ مِنْ زَوَايَاهُ
نَبُثُّ عِشْقًا بِهِ نَخُطُّ عَلَى
نِيَاطِ قَلْبٍ إِذَا كَتَبْنَاهُ
يَا حَاسِدَ الْقَلْبِ لا تَغَرْ أَبَدًا
مِنْ رَجُلٍ عِشْقُهُ تَوَفَّاهُ(٤٩)
لَا تَحْسِدَنِّــــي؛ فكُلُّ مُبْتَهِجٍ
لَدَيْهِ مَا هَمَّهُ، وَعَنَّاهُ(٥٠)
إِذَا رَأَيْتَ الْـمُحِبَّ مُنْتَعِشًا
فَذَاكَ مِنْ حُرْقَةٍ بِشَكْوَاهُ
وَإِنْ رَأَيْتَ الْفُؤَادَ مُنْتَشِيًا
فَذَاكَ لَوْ تَنْتَشي بَقَايَاهُ
يَا قَلْبُ يَا مَنْ هَرَبْتَ مُنْفَرِدًا
قُلْ مُسْتَتِيبًا إِذَا رَأَيْنَاهُ(٥١)
أَعُوذُ في الْعِشْقِ مِنْ شُرورِ هَوًى
مَا عُدْتُ بَعْدَ الْجِراحِ أَحْيَاهُ
قَلْبِي اسْتَرِحْ لَمْ تَزَلْ تُصَغِّرُنَا
تَزْدَادُ ذُلًّا بِخَيْمِ أَسْرَاهُ
مَازِلْتَ يَا بْنَ الْكِرامِ مُلتَعِجًا
تَخَافُ مِنْ بُعْدِهِ، وتَخْشَاهُ(٥٢)
ضَاعَتْ مَساعِيكَ في الْـمَحَبَّةِ لَا
مُلْكٌ، وَلَا مَنْصِبٌ، وَلَا جَاهُ
المعاني
(٣٤) أسرّ: كتم، وأخفى.
(٣٥) لهوق: تزيّن، تحدث بما ليس فيه، تبدّاه: ظهر به.
(٣٦) مقة: حبًّا.
(٣٧) تأرّبت: تشدّدت، حميته: تعصّبه.
(٣٨) المروق: الارتداد، الكفر.
(٣٩) تحرّاه: تقصّى، بحثه مستفيضًا.
(٤٠) مرغمة: مكرهة بالقسر.
(٤١) الشقاق: الخصام، أصفاه: خصّه، وآثره.
(٤٢) ما طهوي: ما عملي.
(٤٣) إيلاه: حزن، وحيرة.
(٤٤) ممساه: مكانه الذي يمسي فيه.
(٤٥) بنات فم: الكلمات، الغليل: شدّة العطش.
(٤٦) يلقاه: يصادفه.
(٤٧) فنى: فني “لهجة أهل طيء؛ تربع صارةً حتّى إذا ما.. فنى الدحلان عنه والإضاء؛ زهير بن أبي سلمى.”
(٤٨) صبا: ريح الصبا.
(٤٩) لا تغر: لا تشعر بالغيرة.
(٥٠) تحسدنّي: نون التوكيد الخفيفة، نون الوقاية، عنّاه: آذاه، أرهقه.
(٥١) مستتيبًا: طالبًا التوبة.
(٥٢) ملتعجًا: مهمومًا، مضطربًا.
