قزقزات الذكريات

كانت البئر المطلّة على أطراف مقلب القمامة المجاور للمقابر التي كنت أسكن في أحواشها أثناء طفولتي عميقة، ومخيفة لأبعد حدّ، تحيطها أساطير الجنّ، وخرافات النهايات المظلمة المخيفة لكلّ من اقترب من حرم هذه البئر العميقة المكشوفة.

حتّى بعد هذا العمر، يشعر كلّ من يقول لي: “إنّ كتاباتك عميقة”

* * *

سألنا مفتّش الإدارة التعليميّة عندما زار مدرستنا الإعدادية خلال درس التاريخ عن الشخصيات التي نودّ أن نكون مثلها في المستقبل عندما نكبر، لم يتزحزح إعجابه المرسوم على وجههِ من إجابات الأطفال بذكرهم شخصيات وطنية تاريخية حتّى أصابني الدور لأعكّر بشاشته المعهودة بذكر شخصيّة غير معروفة.

مرّ بين التختات الخشبيّة ناظرًا لأرض الحجرة من خلف نظّارته الطبيّة، ثم سألني كأنّه عليم بالشخصية التي ذكرتُها: “ولماذا اخترت (لوسيوس سولا؟)”

أجبتُهُ بثقة ابتسامة نشوة الانتصار ممّا علّمتني إياه معلّمة الفصل من خارج منهجنا الدراسي: “لأنّه الوحيد الذي فاز في جميع معاركه ثم نهب كلّ الأشياء الثمينة وغير الثمينة ووجد الوقت ليكتب مذكراته أثناء المعارك ليخدع بها الجميع، وأنعم على جميع معاونيه، فتنازل عن الحكم طواعية بعد إعدام جميع خصومه؛ ليمشي في الأسواق مطمئنًا بعد إصلاحات دستوريّة وإلغاء الدكتاتورية وإعادة الحكم القنصليّ من فردين لهما حق النقض تحت رقابة برلمانيّة بعد دكتاتوريّته التي مهّدت لما يسمى بأنموذج الحكم الحازم الحكيم، وأوصى أتباعه ليشرحوا للجماهير منجزات حكمه”.

نظرت إليّ معلمةالتاريخ بدهشة أثناء نظر المفتّش لها بعدم فهم، وغضب.

 

* * *

بشيء من الاضطراب على وجهي.صحوتُ من نومي في مدينتي الذكيّة، أخبرني مساعدي الآليّ بمهام اليوم، أثناء غسل وجهي بجهاز الرذاذ، جهّز المساعد لي عدّة أقنعة لأرتديها أثناء تعاملي اليومي ثم قرأ لي العديد من الردود على رسائل وتعليقات حسابات التواصل قبل نشرها، سرد لي الإجابات النموذجيّة المرجّحة لأردّ بها على كلّ صديق سوف يسألني عن اختفائي، وغيابي لمعرفة ما خفِي من أحوالي سواء ليطمئنّ عليّ أو ليطمئن نفسهُ بعدم وجود شيء مميّز في حياتي، ولم يعرفهُ بعد.

أنهيتُ يومي كالمعتاد ورجعتُ لمنزلي ليلًا رابطًا الحبال التي تربطني مع البشر في سور الحديقة. لم تكن قدرتي على النوم على ما ترام سواء بمنوّمات أو بغيرها من وصفات الأطبّاء، جرّبتُ حيلة التفكير في شيء واحد كما نصحني صديق بأن أكرّر التفكير في موضوع واحد ليطرق النوم باب رأسي الموصَد. استغرقتُ شهورًا؛ حتّى كان نومي اليوميّ على فكرة أنّ كلّ إنسان بعد الخلق يهبط ليعيش بمفرده، وبعد انتهاء دوره يهبط آخر قد أصابهُ الدور. كم كان هذا ممتعًا، حياةٌ دون أقنعة، دون إجابات، دون حبال سور حديقتي المتزايدة.

* * *

أخبروني أنّ (تاليران) كان ماسونيًّا؛ ونظرًا لإيماني العميق بنظريّة المؤامرة، علمتُ كيف أنّهُ أصبح الناجي الوحيد من تعاقب الإمبراطوريّات، والأمم.

* * *

كإنسان مهذَّب؛ قيل لي: “يُعرف الإنسان من ردودهِ في مواقع التواصل الاجتماعيّ، لا من منشوراتهِ؛ فالردود كاشفة”

علّقتُ هذه المقولة جيّدًا على منشر ضلوعي داخل قفصي الصدريّ كملابس مبلّلة خارجة للتوّ من المغسلة لتلتقط حمام شمس من قلبي الدافئ. تحوّلتُ إلى شخصين، أحدهما يكتب، والآخريراقب عن كثب ردّة فعل المجتمع على منشوراتي وردودي.
سألني أحدهم سؤالًا محرجًا مستفزًّا تعليقًا على أحد منشوراتي، ردّ الشخص الأوّل داخلي بعد سنوات من المناقشات والمشاورات والمداولات والمفاوضات مع الشخص الآخر، وبعد الاطّلاع علىردود المشاهير في المواقف المشابهة بالرد التالي:

“من فضلك اخترْ من بين الخيارات التالية؛

الخيار الأوّل: تخيّل أنّني لم أردّ عليكَ، وصمتي هو ردّ كافٍ، الخيار الثاني: كم أنتَ لطيف، وتستحقّ وردة كبيرة منّي، الخيار الثالث: لم أفهم ماذا تقصد أطال اللَّه عمرك، الخيار الرابع: جميل أن أرى من هو مثلك يتقمّص دور المتحدّث من أعلى وكأنّه خبير مع من هو مثلي، الخيار الخامس: لقد ردّ أصدقائي لذا لا يوجد ما أستطيع قوله بعدهم، الخيار السادس: الحظر كافٍ لك”.

كانت خيارات الردود تزداد كلّما ازددتُ خبرة، وحنكة حتى عدتُ مرّة أخرى 

لطبيعتي وتحوّلت من شخصين إلى شخص واحد بمجرد انتهاء الشراكة القديمة بينهما.

* * *

(فيلم الهروب).

لم أذكر فيلمًا سينمائيًّا في مراهقتي خلال مرحلة الدراسة الإعداديّة أن حدث أثناء عرضه هذا الكمّ من الهروب الجماعيّ للتلاميذ، وقفزهم من فوق أسوار المدارس في مدينتي الصغيرة لمشاهدته في السينما قبل العودة إلى غرف الحبس في المنازل، إلّا فيلم (الإمبراطور) لبطله الممثّل (أحمد زكي).

كان مشهد مقتل إمبراطور المخدّرات في نهاية الفيلم بآلاف الطلقات مشهدًا مهيبًا ظلّ عالقًا في أذهاننا الصغار طوال سنوات. لم نكن ندرك وقتها أنّها النهاية العادلة لكلّ إمبراطور شرّ لكن ما كان يبهرنا بصدق أن عظمة الإمبراطور تجلّتْ حينما لم يسقط من طلقة واحدة بل أن سقوطه بالكاد كان بعد سيل من آلاف الطلقات استقبلها بصدره واقفًا صامدًا كهرم في صحراء مصر.

* * *

لسببٍ ما كنت أشدّ ضفائر الفتاة الصغيرة الجالسة في التختة الأماميّة أثناء درس الرياضيّات في مدرستنا الابتدائيّة، لم أكن أستمتع بصراخها قدر استمتاعي بضباب دموعها المتكثّف فوق نوافذ نظّارتها الطبيّة السميكة لتختفيَ أعينها البلهاء عنّي. 

رغم ما سبق ذكره؛ كانت المواسية الوحيدة ظهيرة يوم بكيت بحرقة في الفسحة لسقوط وجبتي، التي سبق وأن جهزتها أمّي لمنتصف اليوم الدراسيّ، على الدرج أثناء نزولنا مشاركة وجبتها معي. توطّدت بيننا علاقة صداقة طفوليّة عفويّة ساذجة وبريئة.

لا زلتُ أذكر وأنا الآن في الأربعينيّات من عمري مذاق شطائر اللحم، والمربى، والجبن، والحلوى التي كانت تبادلني إياها مضحيّة بالموافقة على قبول شطائر أمي اليوميّة من البيض المسلوق. سرقتنا سنوات قليلة اختفت ضفائرها تحت حجاب فلم أجد ما أستطيع شدّه أو جذبه، ولم أعد أحظى بأصدقاء أوفياء مذ كانت تلك الطفولة البريئة.

* * *

جاءتني (إيميلي ديكنسون) في الحلم. كنتُ ودودًا معها لأقصى حدّ ومتعاطفًا بشدّة في نفس الوقت. سمعتُ منها قصائدها بشغف وصل إلى مرحلة الوله، والتعشّق. شجّعتها على مواصلة طريق الشعر الذي تؤمن به دون التفات لأي محبط أو معوّق. حمل معسول كلامي لها بشرى سعيدة بأنّها ستصبح من أهم الشعراء في (أمريكا) بعدما تنتقل إلى الرفيق الأعلى لذا نصحتها بمواصلة كتاباتها بجد، ودأب.

لا أعرف ما الذي جعلني أفقد تعاطفي وعشقي ولذة استمتاعي بإنشادها القصائد المنسوبة إليها بعدما أخبرتني أنّها ميّتة بالفعل، وأنّها الآن تعيش صخب الشهرة، وتشاهد من السماء شغف القراء، والنقّاد بقراءة قصائدها.

* * *

انضممتُ لفريق جنائي دوليّ للتحقيق في أسباب وفاة (نيتشه)، ومدى صحّة إصابته بالجنون قبل وفاته. ثم قبلت بالانضمام لفريق محقّقين أدبيّ لدراسة نسب كتابه الأخير “إرادة القوّة”، ونسب “رسائل الجنون” لكشف إذا كانا من فعلهِ أم أنّهما مكيدة من أخته، قال لي الحصان الذي انقذهُ (نيتشه) من الجلد بالسوط: “لقد تلاعب (نتشه) بكم جميعًا، تلاعب بعائلته، تلاعب بالنقّاد، انتقم لنفسهِ من دور النشر التي أهملتهُ، من أصدقائه الأدباء الذين هجروه، تلاعب (بموسوليني)، تلاعب (بهتلر)، تلاعب (بسيّد قطب)، وانتقم لنفسه من البشريّة”.

دوّنتُ اعترافات الحصان في تقريري دون أن تُعتمد في التقارير النهائيّة لأنّ الحصان ليس ذي صفة بين البشر.

* * *

قال صديقي الشاعر: “أغلب الشعراء ممّن تراهم يا صديقي مدّعون مزيّفون، ومتقمّصون دور شعراء، الشعر مهنة صعبة التقمّص يا صديقي، ومحال أن يتقمّص أحد صفة شاعر”

قلتُ له بحسرة، وحزن: “معك كلّ الحقّ يا صديقي، تقمُّص صفة شاعر مهمّة مستحيلة، طال ما حاولتُ تقمُّص روح (ديلان توماس)، وهو يرقص منتشيًا مرتعدًا راقدًا ساخرًا على الأرض لشخص انتقد قصائده، ولم أنجح في ذلك مطلقًا!”.

* * *

اصطحبتني جدّتي للتسوّق؛ سقط أمامنا شخص مرتديًا نوبات ارتعاد، واختلاج؛ فاختبأتُ محتميًا برداء جدّتي التي حاولت قتل خوفي بصوت حنون: “حبيبي لا تخف، سيهدأ بعد لحظات، ربّما قيل له شيء؛ أزعج شيطان الغضب، فقرّر زيارته!”.

* * *

صحوت من نومي هادئًا على غير عادتي، ومزاجي يشعر بفخامة مفاجئة، أحسست بدنوّ مرحلة السلام النفسيّ إلى حياتي البائسة، ذهبتُ للطبيب مذعورًا قلقًا حتّى طمأنني وهدّأ من روعي، وكتب لي على عقار (النفسنة) لأتناوله صباحًا على الريق كي أقضي على مرض السلام النفسيّ المفاجئ.

* * *

“لم أمتنع مطلقًا عن الوصال لهذا السبب؛ لم أكن يومًا أؤمن بالتعصب لرأي حتى أخشى من البوح وتلقّي البوح، وجدتُكِ تحرّمين عليّ حواسّكِ؛ فقررتُ القيام بهذا الدور عنكِ كيلا تشعري بأيّ ذنب لموت الحوار..بيديّ لا بيديكِ، أليست هذه تضحية كبيرة؟”

* * *

اصطحبتني أمّي لبلاد (الريم) خلال أسطورة رعب لطيفة قصّتها لي قبل النوم في حضور أخوتي. كان (شادهافار) مخلوقًا ذا قرنٍ سحريّ وحيد متفرّع لاثنين وأربعين فرعًا مجوّفًا تمرّ خلاله الريح؛ فيصدر أنغامًا تجذب حيوانات الغابة حوله.

خلافًا لأخوتي الخائفين بعد سماعهم قصة (شادهافار) اليوميّة المحرّضة على الصمت، والنوم؛ أمضيتُ أوقاتًا لا بأس بها قبل نومي أحاول استكمال حكاية أمّي الغامضة؛ ما الذي يحدث بعد انجذاب أحياء الغابة إلى (شادهافار) هل يأكلهم بعد ذلك؟ هل طمعت حيوانات الغابة في أنغامه العذبة؛ فقتلته لتستحوذ على قرن الموسيقى السحري؟

بعد سنوات لا أذكر عددها، ما زلتُ أسأل نفسي عن باقي أحداث القصّة؛ فيقيني أن حياتنا ما هي إلا أسطورة وقصّة، ومن غير الطبيعيّ أن تنتهي حياتنا هكذا دون شرّ، ومن المستحيلات أن نكفّ عن مضايقة الآخرين.

* * *

جلسة الكهرباء في عنبر المجانين ولا مجالسة النساء.

* * *

عظمة القدماء، والعرب منهم، تجلّتْ في استخدامهم خرائط السماء الفلكيّة في الاهتداء وفي أمور حياتهم من زراعة وغيرها؛ توارثنا علم الاهتداء عبر أجيال وجينات.

أذكر جيلنا وفي أوج المراهقة كان يهتدي بحاسّة سمعه القويّة قبيل الفجر لأماكن أفراح الحظّ المؤمّنة رسميًّا على أطراف مدينتنا. لم أكن أعرف سببًا لتسميتها بالأفراح؛ فهي أفراح دون عروسين واقترانها بالحظّ مبرّر لأنّ ساعة الحظ لا تُعوّض.

قد تنصب الأفراح لأسباب وهميّة عدة؛ كطهور ابن المعلّم (البرازيلي)، زكاة عن المعلّم (الأرجنتيني) هكذا دون مبالغة في الألقاب، وقد يُنصب أحد الأفراح للانتقام عبر دعوة معلّم منافس وضربه بعد استدراجه أمام المتفرجين؛ لذا وجب التأمين الرسميّ.

موهبتنا كانت في انتقاء صوت المطرب الشعبيّ لمعرفة جودة ما يُقدم على موائد الأفراح من محرّمات تُذهب العقل في دخانها المغيِّب، وجودة اللحوم الشعبيّة الراقصة على خشبة المسرح، وسلك أقصر الطرق للهدف.

أقسى عقاب يمكن أن يناله زائر فرح حظّ هو اقترابه من ورقة نقديّة من أموال النقطة المنهالة على اللحوم الشعبية الراقصة؛ فهو إن خرج حيًّا من هجوم حراس كتائب المقدّمة؛فلن ينعم بأمنه لثانية في مصائد وكمائن الحماية الخلفيّة الموزّعة بإحكام على الطرق المحيطة.

لم أفهم إلى الآن أي سبب يدعو عتاة الإجرام لإنشاء مثل تلك الاحتفالات؛ فحجم ما يصرف يفوق ما يُرمى من أموال فوق الراقصات على سبيل النقطة للفرقة الموسيقيّة أو أموال على سبيل النقطة لصاحب الفرح من هبات أصدقائه العتاة.

* * *

يوم أنْ كانت أقصى أمانيّنا أنْ نُترك لنستمع للمذياع حتّى وقت متأخّر من ليلة العيد مضطجعين جوار رائحة ملابسنا الجديدة.

* * *

أن تعارض فكرة ما بضراوة يعني أنّها تسكن آمنة في وعيك، فقط قرّرتْ الفكرة الأكثر تسلُّطًا أن تسحقها في معركة البقاء للأقوى.

* * *

أخبرني طبيبي النفسي أنّ كلّ الويلات التي اقترفتها هي من جرائم اللاوعي، والعقل الباطن؛ ودّعتهُ مرتاح الضمير، وقيّدتُ الجرائم ضدّ مجهول.

* * *

“رحمة اللَّه عليه، كان ملاكًا في صورة بشر؛ لم أشاهد أحدًا أكرم منه؛ كان إذا دعانا إلى الطعام على عجل، واعتذرنا بخجل، أقسم بالطلاق أن نجلس لنشاهدهُ، وهو يأكل.”

* * *

تحقق أيضا من

فيما وراء الذكريات

وهام السعادة الجزء الثاني: فيما وراء الذكريات