قال صبيّ المقهى الصغير (بحارة البرقي) في شارع (كلوت بك): “أريد إنشاء صفحة على (الفيسبوك) لكتابة الاقتباسات والأقوال من الحكمة، وأريد أسماء كتب وعناوين مواقع إلكترونيّة تساعدني على الكتابة والنقل” قلتُ لهُ: “لا داعيَ لذلك؛ افعل كما أفعل، اكتب كلامًا غير متناسق، واستخدم الرمز ستصبح بعدها (المتنبّي) أو (كريشنامورتي)”.
* * *
كان البريد الإلكترونيّ حدثًا هامًّا مميّزًا في فترة انقضت من حياتنا، وكان الحدث الأكثر تميّزًا إذا تنازل أحدهم وأرسل لنا رسالة تهنئة بمناسبة عبر البريد الإلكترونيّ ضمن رسالة جماعيّة موحّدة لأصدقائه المقرّبين.
عن نفسي،كنت أقدّر ذلك تقديرًا يفوق تهنئة عبر الهاتف أو زيارة.
بعد انتهاء عصر التليجراف، والبريد الإلكترونيّ ومعاصرة عصر منصّات، وبرامج التواصل الاجتماعيّ، وبعد أن صارت الرسائل الجماعيّة حدثًا اعتياديًّا؛ أصبحت تهنئة جماعيّة نوعًا من الوقاحة التي تشعرني بالضجر وعدم أهميّتي لدى مرسلها. لم أهتمّ بأهميّتي لدى الغير مطلقًا كاهتمامي بالوسيلة والطريقة التي تشعرني بالأهميّة.
هاتفتني أختي غير مرّة شاكية من حماتها التي تأخّرت عن إرسال ما لذّ وطاب من مأكولات ولحوم في أوّل أيّام موسم العيد كعرف وتقليد مقدّس إلى اليوم الثاني.
* * *
زارني جدّي في الحلم، وذهب بي إلى السينما، رأينا فيلمًا يحكي عن رجل في حالةٍ يُرثى لها تحت أنقاض بيت منهار من خرسانات، وأحجار متهدّمة مرسوم عليها شعارات أطلقها مستخدمو مواقع التواصل، أخرج الرجل لسانه من ثقب صغير يظهر بالكاد بين أنقاض الكتل المنهارة مهنّئًا المارّة، وعائلته المنتظرة خروجه من تحت الأنقاض بالعيد القوميّ.
* * *
(ما يطلبهُ المستمعون)، من أجمل البرامج الإذاعيّة في الزمن القديم.
آمنتُ أن أحد أسباب أفوله هو طلب تلك الأغاني ذات الجودة العالية لدى الذوّاقة من المستمعين، لذلك كان معدّو البرنامج يتنافسون في اختيار تلك الأغاني الرائجة السائدة خالصة الفنّ.
هكذا كان أسلوبي في صنع (البيتزا) التي يهتزّ الذوّاقة طربًا لمذاقها؛ فأصبح في منافسة للإتيان بالأفضل في طرق صنع (البيتزا) دون غيرها من الأطعمة ارضاء للذوّاقة ولنفسي التائقة للانتشاء من طربهم إلى أن نصحني مخلص: “لا تنجرف لسباق مع نفسك تلبيةً لما يطلبه المستمعون، وإذا شارفت على قمّة جبل فاهبط لقمة أخرى قبل الوصول؛ فمن صعد لقمّة، واستقرّ صعبَ عليه الخلاص من جاذبيّتها والنزول لقمة أخرى”.
لم أفهم علاقة الجبال بالفنّ، (والبيتزا) ومازلتُ أحاول دراسة الأمر.
* * *
الوعي خرافة رديئة نؤمن بوجودها، واللامبالاة عاهة تقنعنا أنّ تلك الخرافات حقيقيّة.
* * *
نصّ بلا بطولة هو فنّ خالص دون شوائب.
* * *
عندما تخمد المنافسة ويصبح الأمر سواء وأعمل ألّا أعمل وأتذكّر ألّا أتذكّر، أتذكّرني على الإطلاق.
* * *
– هل تدركين حجم جريمتكِ (سارة)؟ لقد قتلتِ كلّ شوقٍ لديّ.
– كاذب، مازال لديك بعض شوق لذكريّات ما قبل هذا القتل.
* * *
” المنحوس منحوس ولو علّقوا على رأسه فانوس” من الأمثال التي أؤمن بها بشدّة.
كان جدّي يرسلني لأسوأ وأصعب وأقسى المشاوير؛ هكذا فعل مديري في العمل، مررت بمراحل كثيرة قبل أن أتقبّل هذه المهام التي يتهرّب منها الآخرون، تحوّل الضيق إلى اعتراض فتمرّد فرضوخ للأمر الواقع فمحاولة خلق الأجمل وقلب المرارة إلى شهد، وفائدة. ما من مهمّة عصيبة إلّا وخطّطت مسبقًا أن أستفيد منها بشيء كأنْ أصوّر صورة جميلة في الطريق، أقضي مهمّة خاصّة أثناء مهامّي الثقيلة، أكتفي بشراء شيء أحبّه غير متاح إلّا لدى متجر في الطريق.
هكذا أفعل الآن وأنا أكتب نصوصًا ارتجاليّة لا قيمة لها.
* * *
ما حقّقتهُ المرأة من حقوق عبر التاريخ البشري هائل مقارنة بما جاء على عهدة من كتب سلسلة قصّة الحضارة من تاريخ مخيف لفترة مرّت على البشر ألزموا المرأة فيها أن تهبط إلى قبر زوجها مع سائر أملاكه وأدواته.
ترى ما الذي سيقوله البشر بعد ألف عام من الآن عن ماضيهم المخيف تجاه النساء؟
* * *

نقلوني من إدارتي في شركة (الفضاء السيبرانيّ) إلى قطاع آخر غير منضبط لأحقّق انضباطًا، لم يستطع رئيس مجلس الإدارة ومناديبه تحقيقه. استلمت العمل في القطاع الجديد تحت وابل من تفتيشات الإدارة اليوميّة، وبعد أسابيع قليلة أصبح الموقع هادئًا دون تفتيشات؛ فقط تبادلنا الأدوار.
استلم رئيس مجلس الإدارة وظيفة جديدة وهي أن يكون الملاذ الآمن لشكاوى الموظفين من جبروتي، وزاد على الموظفين وظيفة أخرى أن يكونوا عينَ رئيس مجلس الإدارة على القطاع بعدما كان يرسل العيون لمراقبتهم، فأصبحت أنا عدوّهم اللدود.
لم يقبل أيّ رئيس مجلس إدارة قطّ أن يستبدلني رغم شكاوى الموظّفين اللانهائية وموظّفو القطاع مجبرون على الالتزام، وعلى الرغم من انعدام التفتيش على القطاع، وانعدام خصم ملّيم من رواتب الموظّفين كما كان يحدث قبل إدارتي إلّا أن تشفّي أعدائهم ونظراتهم الشامتة كان أهمّ لديهم من السلك الوظيفيّ والراتب وما زاد عن ذلك؛ فاستمرّت ثورتهم، وغضبهم وحنقهم.
قال لي حكيم متقاعد: “كلّ شيء نستطيع تعويضه في العمل إلّا الحيثيّة”.
* * *
رافقتُ أعمالي من أصنام، وأجساد الكتب المحنَّطة لإلقاء الشعر في أمسيّة شعريّة مهيبة يحضرها علية القوم من متذوّقي الشعر، ونقّاد الأدب، صعدتُ إلى المنصّة وشعور أنّني في مرحاض لا يفارقني، أمسكت (بالميكروفون) وأنا في كامل قواي العقليّة لألقي الشعر على أسماع مرهفي المشاعر، وأنشدت: ” أيّ نوع من الحمقى أنتم، ما الذي سيعود على البشريّة من فائدة لأيّ شيء سوى الموت؟، دماغكم”، وبصقتُ كتبي على رؤوسهم، وانصرفت.
* * *
ما من سبب لإنعاش ذاكرتي الميّتة.
* * *
تقدّمتُ لأجالس متسامريْن من قبيلتنا؛ سمعتُ أحدهم محدِّثًا الآخر: “يا لها من مأساة، هل فعل ذلك حقًّا؟”
انصرفت بهدوء مخالفًا قواعد الفضول وعلم الإجادة والاتقان بالتكرار؛ لذلك لم أتقن فنّ العواء يومًا كباقي أصدقائي من الذئاب.
* * *
كان جدّي شيخًا فقيهًا بحلّة فرنسيّة الصنع رفعه الأتباع إلى الآفاق لدفاعه عن عقيدته وانتصاراته المتوالية على خصومه بصورة تشفي غليلهم، استحقّ الدرع الذهبيّ لليوتيوب بفضل سلاسل فولاذيّة ربطتهُ بمريديه وأتباعه من منطقة المغرب العربيّ. كان يعلم من أين تؤكل الكتف وقت النزال.
حكمته الذهبيّة التي أوصاني إيّاها “اجعل مريديكَ يتمسّكون بك يومًا بعد يوم بمدّ جذور قناعاتهم، مغلوطة كانت أو صحيحة؛ وهميّة كانت أو حقيقيّة، لأعماق رغباتهم، دع قَناعاتهم تتوحّش وساهم في توحّشها باضطراد بكل ما أوتيتَ من قوّة، حتّى تستطيع أن تنمو كطفيليّ بتمدّدها.
* * *
أجدر المستحقّين للعقاب؛ هو من ابتكر عبارتيْ “يرجى العلم..”، “ومن يخالف ذلك..” للاستخدام اليوميّ.
* * *
– سأقول لك شيئًا طال ما أخفيته عنك منذ زمن.
– إيّاك أن تكمل؛ فأنا لا أحب الخيانة.. ما الذي تنتظره، اذهب يا صديقي إلى ذاك الزمان، وأخبرني بما أخفيتَهُ عنّي على الفور.
* * *
اكتُشفتْ مقبرة أثريّة جنوب مصر لم يستطع أحد دخولها وخلافًا لباقي المقابر كانت مصنوعة من الفولاذ ومعادن النيازك التي سقطت من السماء في حقبة الديناصورات. كان الولوج إليها يتطلّب فكّ لغز أحجيّة مبتكرة ورائعة تجبر الأثريين على وضع قواعد الاشتباك وحلول الألغاز المعقّدة دون غيرها من المقابر الأثريّة المكتشفة.
فُتحت المقبرة بعد سنوات سحريّة من المحاولات، ولم يعثروا بها إلا على ناب أفعى محنّط دون سبب وجيه ودون أدنى شعور من الألفة داخلنا لهذه الحيلة من الفراعنة القدماء، فقدت المقبرة سحرها بعد فكّ شفرتها، وعدم جدوى خبيئتها، ولم تستطع أن تحافظ على تعريفها كمقبرة.
قرأت وصفًا يعرّف أروع نصّ أدبيّ أنّه “الفريد المختلف المغاير الذي يؤسّس أدوات نقده”.
لا أعرف لماذا أتذكّر هذا الوصف كلّما ذكّرني أحدهم بسيرة المقبرة السحريّة.
* * *
– من أنت؟
– انتظر؛ سأخرج لكَ شخصيّة المهرّج.
– هل أنت عضو في منظمة ما؟
– بالطبع لا؛ فأنا عضو في منظمة مَن.
* * *
– أهمّ علاج للمشكلة هو الاعتراف بها؟
– هل أنت مجنون؟ برأيك، لماذا سأعترف بوجود مشكلة لا أرغب في حلّها؟
* * *
