تعافيْتُ بعض الشيء، عدا بعض آلام ودبابيس غرزات في مكان الجراحة وعصا أتوكّأ عليها؛ وضعتْني أمام حيلة وحيدة لوضع قدم بمتجري بحيّ (الجمالية)؛ مستعينًا بسائق لسيّارتي من أجل الوصول، ومع أوّل خطوة قدم من أقدامي الثلاث فوق عتبة متجري بعد أسابيع غياب، ضَرَبتُ كالصاعقة نعاسَ العامل بطرف العصا مستندًا على الباب.
أن ينام عامل أثناء العمل؛ فهو إهمال، أمّا أن ينام أثناء عمل مؤتمن عليه لمرض صاحب العمل؛ فهي الخيانة، أما الخيانة العظمى؛ فهي أن يكون هذا العمل هو تجارة الذهب كما هي بمتجري.. بعد جعجعات اللوم والتأنيب ومحاضرات الأمانات والخيانات، أرسلته لإحضار الخاتم المنسيّ في ورشة التصنيع الذي صمّمته وصنعته بنفسي قبل الحادثة، هذا بعد أن صرفت السائق، وقمت بجرد المتجر مرّة بخبرة الأعين ومرّة بجرد دمغات الذهب والأوراق والخزينة.
لأنني سيء الظن وأميل إلى التشاؤم والاستنباط الحدسيّ الشرطيّ والتذاكي بدأت أحوم كالنحلة العرجاء بين شاشات كاميرات المراقبة وباب المتجر وأركانه الداخليّة من الزوايا الميّتة لمن هو بالخارج لأراقب سيّارة غامضة تنتظر في الجانب المقابل للمتجر.
قاطع حضور العامل صعودُ منحنى (أدرينالين) قلقي بمرور الوقت، قمتُ بفحص العلبة المخمليّة التي جاء بها وما يسكنها وصحّة الدمغات قبل أن آذن له بالجلوس جوار الباب. انهمكت في تلميع الخاتم، ونبّهني صوت العامل لوقوف سيّارة أمام المتجر صارخا: (زبون)، تجاهلته؛ لأظهر عدم تسامحي مكتفيًا بما انهمكتُ به، لكنّه واصل محاولاته البائسة للفت انتباهي بثرثرته حول تلك السيارة الفارهة موديل خمسينيّات القرن الماضي دون أن يحظى بشرف نظرتي حتّى قال: (أهلًا، أهلًا، ممكن أن نقول أهلًا أستاذ (توفيق الدقن)، يخلق من الشبه “أربعين”).
قبل تنفيذ رغبتي بتوبيخ العامل المازح، هالني كمّ الشبه بين الزبون وبين الممثّل الراحل (توفيق الدّقِن)، كدت أتبسّم لولا أن أصابتني براعة تقمّصه صوت الممثّل الراحل بالفزع، زاد من دهشتي حين قال بأنفه منفّضًا سيجاره الفاخر على كتف العامل: (اسكت أنت.. اعرف مقامك، وأنت تتكلم مع أسيادك).
شعرت بنشوة انتصار، ومع ذلك حافظَتْ على هدوئي، هكذا الأمر إذن؛ سيّارة في الجهة الأخرى من المتجر وسيّارة (كاديلاك) أخرى وممثّل بارع في تقليد الأصوات رديء في التجسيد يقوم بدور (توفيق الدقن) (وماكيير) صانع شخصيّات بارع.. على مَن؟ كان غيركم أشطر.. ليس هذا أسلوب النصابين.. ومجنون مَن يتخيل أن ينجح مقلب كاميرا خفيّة في عرين تاجر ذهب مخضرم، وبأي طريقة؟ بوضع كاميرات في سيّارة أو سيّارتين كموضع شكّ أمام متجر ذهب! نقبكم طلع على شونة يا أغبياء، جئتم إلى منطقتي سأستدرجكم من حيث لا تعلمون، تلعبون بالنار مع من؟ الموهوب الأول في التظاهر بالغباء أمام الآخرين وإقناعهم بذلك والاستمتاع إلى أن ينقضّ عليهم ويصل للنشوة الأخيرة.. بقايا عقول حشريّة تريد العبث؟ حسنا لنبدأ..
تعكّزت إليه مصاحبًا عصاي مخاطبًا إيّاه: (الشبه كبير فعلًا ومئة في المئة مع عمّ الممثّلين (توفيق الدقن) وكذلك الصوت.. اسمح لي أن أقولك لك؛ أنت موهوب حقيقيّ)، قاطعني بعد إزاحة العدسة الدائرية بسلسلتها من فوق إحدى عينيه: (طبعًا، أعرف أنّني تواضعت حتّى أنّني حضرتُ بنفسي؛ لكن أنا (توفيق الدقن) بشحمه ولحمه.. وبديلي (الدوبلير) لا يجرؤ على ركوب سيارتي، آه).
تظاهرت بالهدوء والقبول قائلًا في خبث: (أهلا بنجم (التّرسو) هذا شرف كبير،المحلّ وأصحابه في خدمتك)، طلب منّي خاتمًا لفيلمه الجديد.
(هذا أحدث وأرقى خاتم نسائيّ لدينا، صنعته بنفسي، وسعره مناسب جدًّا)، قلتها متصنّعًا الذكاء، وأمرت بإحضاره موجّهًا سبّابتي للعامل؛ فتوقّف عن الضحك من خلف إحدى يديه وامتنعَتْ يده الأخرى عن الإشارة والتلميح بجنون الممثّل الثانويّ (الكومبارس) الفاشل؛ فذهب.
ذاب العامل بعيدًا، وأنا أرقّد له كدجاجة حضنتْ بيضًا لتفرخ عقابًا مناسبًا له؛ حدسي يقول أنّه مساعدهم الأكيد في زرع الكاميرات المخفيّة بالمتجر، سألتُ المشخّص بابتسامة: (سمعت أن عنوان فيلمك الجديد هو “سرّ طاقيّة الإخفاء” لكن لماذا يطلبون منك خاتمًا ذهبيًّا، كان الأفضل شراء آخر مزيّفًا) أجابني بسرعة: (لأنّنا نحتاج إلى فيل؛ والمعدن الوحيد الذي يتحول إلى فيل هو الذهب والفيلة نعيمة آخر فيلة في حديقة الحيوانات ماتت الدور يقول كذا والنصّ يعوز هذا، أتريدني أن أحرق لك الفيلم؟ أحضر خاتمك وخذ نقودك ونهارك سعيد وانتهينا، وخلصنا).
جاء العامل بالخاتم أثناء ردّي على المشخّص قائلًا: (لحظة، تحوّل الخاتم إلى فيل؟ أظنّني أحفظ تسلسل قصّة الفيلم عن ظهر قلب، البروفيسور (قمر الدين) صاحب عطارة المريخ، ووالد الأستاذ (عصفور) بطل الفيلم يحاول تحويل التراب إلى ذهب، التجربة ستمئة وأربعون تفشل، ظهور العفريت عَرضًا واحتراقه واستخدام قبّعة ملوّثة برماده للتخفّي أمّا الخاتم فله قصّة أخرى مغايرة خلال أحداث لفيلم)، أخرج سيجارًا وأشعله: (لا فائدة من الكتّاب إنّهم يسرّبون أسرار النصوص، الحكاية يا سيّدي، العقبى لأملتك، بإلهام الله الوهّاب وبمواهبي الملكوتيّة عدّلت النصّ بعد نجاح التجربة ستّمئة وواحد وأربعين للبروفيسور العالم الحقيقي فيلسوف الحمير وترعة المفهومية ذي المخّ البلالنط (قمر الدين) وأدخلت فكرة تحويل الذهب لفيل)، قاطعته ساخرًا محافظًا على هدوئي متظاهرًا باقتناعي بمنطق كلامه حتى أُفشل مقلبه: (لكنّني لست تاجرًا أستاذ (توفيق)، أنت فنّان مثلي وتعرف، كلّ هذه المجوهرات من تصميمي، وبعضها صنع يدويّ خالص صنعته أناملي هذه، وأنا لا أقبل أن يتحوّل هذا الفنّ بعد تعب ومعاناة إلى فيل أترضى أن يتحوّل فيلمك إلى نسناس؟)، أجابني باستخفاف: (ما العيب في هذا؟ لا علاقة لي بفنّي بعد انتهاء ولادته العسيرة، يتحوّل إلى قرد يتحوّل إلى ورق تواليت يتحوّل إلى الجنّ الأزرق، يصفّق الجمهور له، يقذفه بالحجارة؛ المهمّ الأجر؛ الفنّ سلعة كالتي تبيعها، وأنا تاجر مثلك، لا تنس أنّ وضع اسم متجرك على ملصقات الفيلم سيحدث فرقًا معك؛ غيرك يدفع الكثير للحصول على هذا الشرف، وهذه الدعاية).
شعرت بالتململ، وزنتُ الخاتم على الميزان غارقًا في دوري التمثيليّ كأنّني أُنهي عملية البيع: (سعر الخاتم بسعر اليوم، وبعد الخصم لأجل ملك السينما وأسطورة الشرّ ستة آلاف جنيهًا، هل نقودك حاضرة أستاذ؟)، أطلق ضحكة عالية ساخرًا: (ستة آلاف جنيها! هل سأشتري عمارة (الإيموبيليا)؟ ثمانيةجرامات، والجرام مئة وخمسون قرشًا والحسبة كلها اثنا عشر جنيهًا أخرج من جيبه نقود ورقية تاريخيّة قديمة تناولتها من يده بسرعة لفحصها بعين خبيرة تأكدت أنها جنيهات (عبد الناصر)، حقيقيّة لكن بقيمة لا تتعدى الثلث من ثمن الخاتم إذا بيعت كجنيهات أثريّة؛ ها جاءت اللحظة والمحاولة الأخيرة له لاستفزازي بعد أن مرّ ما سبق بهدوء، ولم أمدّ يدي عليه.. لكن على من؟ لن أسمح بظهور الكاميرات الآن معلنةً عن انتهاء المقلب وموافقتي على إذاعته تلفزيونيًّا؛ فهم لم يجربوني بعد..
(كنت متأكدًا أنّك ستبيعني الخاتم، خذها حكمة منّي، كلْ عيشًا).. أجبتُ قوله المثبّط أفكاري بسرعة بديهة اشتهرتُ بها: (لكن أنا لن أبيعه قبل أن أشاهد تحوّل الخاتم إلى فيل بعيني في موقع التصوير)..
قاطعني: (ولماذا في موقع التصوير سأحوّله الآن، ما عليك هو أن تعطيني ظهرك وتنادي مرتين (ترالمْ لمْ)، ليظهر الفيل) ضحكت بشدّة: (تقصد طريقة (البالا لمْ)؛ هكذا كان نصّ الفيلم أم أن الاسم تغيّر كما تغيّر النصّ وتغيّرت عناصر التحويل، على الأرجح سأجاريك لكن بشرط؛ أن أعطيك ظهري واقفا على باب المتجر مع العامل).
قَوّسَ عموده الفقريّ مشيرًا بيده لباب المتجر لنعطيه ظهرنا، وقفنا على الباب لم نكد نبدأ في قول “تارااااااااالم لم” حتّى نطق بها العامل في الثانية التي فقدت النطق بها إثر تغيّر مظهر المباني والمارّة إلى طراز مباني وأهل عصر الستينيّات.. مايشبه صوت الانفجار جعلنا نلتفت للداخل بسرعة لأشاهد فيلًا صغيرًا ثائرًا يحاول أن يخطو؛ كاد قلبي أن يتوقّف وأنا أتشبّث بحلّة الممثّل الزائف أثناء هروبه للخارج وذيل الفيل بالداخل بيدي الأخرى؛ ولا أعلم كيف اتّسع الباب ليدخلوه وينفّذوا خدعة سحريّة بهذا الإتقان! إلى أن وقعت على ظهري وأنا ممسك بهما؛ لأجد فوقي ممرّضًا يحاول تخليص معطف الطبيبة الأبيض من إحدى يديّ وحلّة الممرّضة الورديّةمن الأخرى في غرفة المشفى.
