بدأ ناقدنا كأنّه في محاضرة:
(ماذا تعرفون أنتم عن الراسخين؟ لا تحاربوهم إما أن تكونوا مثلهم وإمّا أن تموتوا إلى الأبد)
بدأ صديقي يشرح أن كلّ قيمة راسخة من البشر فاسدة أو صالحة تافهة أو عليمة لا جدوى من محاربتها؛ لأن أحدهم سيستخدمك فإذا كنت معترضًا على أحدهم سيقف بجانبك عدوّه ليضربه بك لكنّه لن يسمح لك أبدًا، أن تكون قيمة راسخة إضافيّة أخرى فيكفيه الذي يحاربه؛ تحدث عن الوالي (محمّد على) وحروبه وقربه من إسقاط العثمانيّين؛ وكيفية تلقّيه ضربة مطرقة الراسخين واتّفاق الراسخين الأعداء عليه في النهاية عندما فكّر في بزوغ شمس رسوخه..
لم أفهم شيئا من صديقي لكنّني تذكرت أحوال المرضى في فيلم “(إسماعيل ياسين) في مستشفى المجانين” وكيف أن بعضهم لفترة يُحدّثك بالعقل؛ تحدث ناقدنا عن المهادنة ونبذ الحرب حتّى تكون راسخًا.. تحدّث عن قيمة التافهين والفاسدين وأنّ مملكة تافه لم تأت بالسهل بل عن تفوق وموهبة وتعب في أمور عظام؛ قائلًا: (التافه عوّض تفاهته وفساده في أمر آخر عبقريّ فذّ حتّى إن كان هذا الشيء المنقوص هو لبّ المطلوب منه؛ لذا لن يسمح لك راسخ بهدم مملكته ولن يسمح بهدمك مملكة راسخ آخر وصعودك عوضًا عنه بل إضعافها وسقوطها دونك إلا إذا اضطُرّ عندما يبزغ نجمك للرسوخ)..
تعجّبت عندما هدأ ثائرنا بمنطق ناقدنا الذي لم أفهمه وتعجّبت من حنان وتدلّل ملبننا الذي أدّعي أنّني فهمته.. رجعنا لأجواء المسابقة، وانتهى اليوم الأوّل وقبل النهائيّ منها..
أثناء انتظار الشعراء للنتيجة كان شاعرنا الثوريّ يقوم بأفعال صبيانيّة مرّة بتهديد بالانسحاب من المسابقة ومرّة بهجومه على شاعرنا السموراي والتهديد بفضحه ومرّة بالتودّد لي اعتقادًا منه بمكانتي لدى رئيس لجنة التحكيم ومرّة بإلقاء همومه وشكواه على وسائد ملبننا الحنون.. هذا رغم طمأنة صديقي الناقد له..
بدأ الحفل الختاميّ، هبّ الشعراء جميعًا على خشبة مسرح الجوقة الموسيقيّة كصفّ زردق واقفين في انتظار إعلان نتيجة المسابقة وبدء الجولة النهائيّة.
فزت بثاني الأصوات باختيار مشاهدي الشاشات قبل شاعرنا الثوريّ وتأهّلنا، وفازت ملبننا بثاني أصوات لجنة التحكيم قبل شاعرنا السموراي فتأهّلا
جلسنا الأربعة مع لجنة التحكيم أمام خوان انتظارًا لمأدبة عشاء مباشر على الهواء احتفالًا بانتصارنا وفي الخلفيّة يقف الطهاة المشاهير يقدّمون وصفات الطعام للمشاهدين؛ ظلّ شاعرنا الثائر يشاكس السموراي على المائدة حتى شعرت أنه انتصر على روح القتال اليابانية بعد رؤيتي السموراي تائهًا؛ وكأنّ عصير الرمّان الذي يشربه خمر دبّت فتمشّت فطارت فسارت سورًا في رأسه؛ فاستأذن مع بعض رفيقاته ليعود مع بدء المسابقة..”سألقي عليهم قصيدة من قصائدي الأخيرة عن شعر الحكّام” هكذا حدّثتني نفسي وهي على ثقة في الفوز، وما إن تقدّمت ملقِيًا قصيدتي عليهم وعلى الملايين خلف الشاشات إلّا وبدأت لجنة التحكيم بتشريحها لمعرفة أسباب الوفاة عدا رئيسهم الذي حاول منعهم من هتك حرمة الموتى دون جدوى..
تقدّمت ملبننا منشدة قصيدتها فتهزجت لجنة التحكيم، كلٌ ينطق بكلمة فيردّ عليه الآخر بكلمة أخرى لوصف القصيدة في سلسلة متتابعة لا تنتهي (“قصيدة بهكنة رشوفٌ أنوف”.. “قصيدةلفّاءٌ، برهرهةٌ وصيئةٌ قسيمة”.. “قصيدة مبتّلةٌ رءودة”.. “قصيدة ممكورةٌ رعبوبةٌ غادةٌ غيداء بضّةٌ هيفاء”.. “قصيدة موهةٌ خريع عطبول رقرارةٌ عبهرةٌ”.. “قصيدةٌ غانيةٌ قسيمةٌ بهنانة”.. “قصيدةٌ عبقةٌ لبقة”).. تثاءبتُ حتّى رنق النوم في عينيّ من الملل..
تقدّم شاعرنا الثائر؛ فقال قصيدة مطوّلة مُبكية مؤثّرة أبكت الحاضرين وطاقم التصوير، وأشادوا بها كثيرا حتّى بدأ شاعرنا السموراي في إنشاد قصيدة حاولت أن أجمّع كلماتها وأفهمها كان عنوانها “الجرذ القرمزيّ في غيهبان ليْل بوهيميّ على ستائر عجلات عربة الكارّو الخشبية”..
لكنّني لم أفهم من طلاسمها شيئًا؛ وقد أشاد النقّاد بها بشدةّ وتحدّثوا بعلمٍ خبير عن الإيحاء والإيماء والدلّالات الرمزيّة وغيرها من الكلاكيع النقديّة المستعصية على الفهم بطريقة تجعل المستمع يشعر بأهميّة القصيدة.. كانت هذه المرحلة فاصلة؛ ليختار المشاهدون خلف الشاشات متسابقيْن فقط تصويتًا عبر الاتصالات الهاتفيّة على أن تكون التصفية النهائيّة لآراء لجنة التحكيم دون غيرهم.. مرّ الفاصل الإعلانيّ عليّ كأنّه الدهر انتظارًا لنتيجة التصويت حتّى عاد البثّ معلنًا عن تأهّل الشاعر الثوريّ والسموراي للنهائيّ..
لم يهتم أحد لخروجي، ولم يواسني غير شاعرتِنا المهزومة بعيدًا عن أعين الرقابةالزوجيّة في حين بدأت مشاكسةعلى الطرف الآخربين الطرفيْن الفائزيْن، وحروب ومناوشات..
بدأت الفقرة الختاميّة؛ وعليها سيكون فائز وحيد.. تقدّم الشاعر الثوريّ بقصيدة مع موسيقى شجيّة لكنّه لم يفلح في سكب دموع أحد؛فقامت لجنةالتحكيم بتشريح قصيدته في حياد وفتور..
تقدّم السموراي مترنّحًا على المسرح ليلقي قصيدته؛ تساءلتُ بدهشة ماذا حدث له؟ أرجّح تلَف أعصابه جرّاء مناوشات الشاعر الثوريّ لتجعله يترنحّ على هذا الشكل العجيب.. وقف أمام الميكروفون؛ رفع يديه قليلًا: (إنّه) انتابته حازوقة، رفع يديه (إنّا هُو)؛ حازوقة، رفع يديه (إنّه).. صفّق صديقي الناقد منفردًا تبعته بالتصفيق لجنة التحكيم، بعد تردّد أدّى إلى عدوى ليقطع الهرج والمرج صمتَ الجلسة وترقّب الجميع..
تعدّدت المدائح ما بين (هذا هو الفنّ الخالص)، و(هذا ما نسمّيه الطاقة الفنيّة والأبعاد الدلاليّة)، و(هذا هو المعنى السياقيّ وكشف مدلولات تشابك القرائن اللغويّة وانغلاقها على الرموز والإشارات)..
اختيرت قصيدة “إنّه” عن جدارة واستحقاق لتكون أفضل قصيدة، واختير محارب الساموراي ليكون أفضل شاعر..
تعجّبت من تلاشي ثورة الشاعر الثائر على النتيجة حتّى لمّح لي بمقدار الجائزة الماليّة للفائز الثاني، وسفره القادم لأمريكا مع لجنة التحكيم هو والفائز الأوّل لعمل ورشة محاكاة مع الشعراء المعاصرين الأمريكيين، وأن الشعر والاستفادة من خبرات شعراء الغرب أهمّ من المركز الأوّل في مسابقة شعريّة..
بدا أنّ لجنة التحكيم في حيرة من أمرها لتفسير قصيدة من ثلاث كلمات في دراسات نقديّة، أنقذهم صديقي الناقد الروائيّ المقنّع كالعادة فقد كوّن داخل المستشفى النفسيّ الخاص الذي كان يعالج به جمعية (الجُمعة) لعلم الأدب النفسيّ؛ بدأ يتحدّث معهم عن نظريات (فرويد) والتكيّف ونظرية (آن رو) والعقل الباطن والظاهر، ونظريته التي ابتكرها في وجود عقل ثالث حاكم فوق الأنا العليا .
جمع صديقي طلابه من أعضاء الجمعيّة، ومرضى المستشفى الذين وُجدوا في المسابقة مع المتسابقين، ولجنة التحكيم ليشرح لنا نظريّة الانتخاب الثقافيّ: (سنقوم بإنشاء حالة “إنّه” ثمّ نحوّلها إلى ظاهرة ثم تنتشر، وتبدأ المحاكاة ثم تُنتخب من الحالات لتُصاغ لها نظريّة؛ واسم النظريّة من الآن هو ملكيّة فكريّة لي يا طلابي الأعزّاء، سأسمّيها “نظريّة المرايا المزخرفة”، قاطعت صديقي حانقًا: (سبق لي وأن سمعت عن نظريّة المرايا المحدّبة والمقعّرة هل هذه سرقة فكريّة)، لم يلتفت أحد لي، وأكمل صديقي حديثه، وانصرفت إلى كافيتريا المستشفى متعكّزا على شاعرتنا الملبن بعد أن تبادلنا أرقام الهواتف، وحسابات التواصل الاجتماعيّ، إلى أن فقتُ، وتعافيتُ وخرجتُ من المستشفى.
