من ذاكرة الوهام

في صبيحة اليوم الموعود فوجئت بحضور زوجاتي الأربعة وأطفالي لحضور الحفل الافتتاحيّ، أخرجنني من الغرفة كعكّاز يحميني من رأتلتي في سيري أثناء مشية الكسير بعد أن ألبسنني حلّة طراز عشرينيّات القرن الماضي، وفي ممرّ الغرف قابلني (أبو صلاح) الممرّض، مرتديًا عباءة عربيّة قديمة، وأرصوصة بطيخيّة كقلنسوة على رأسه، وقال لي مترنّحًا: (اليوم يومك يا لوذعيّ يا آفق، أسقِنا من مُخبرَم خمرك).

نظرتُ إلى الممرّضة المرافقة لي.. لا يمكن أن يكون هذا هلج أحلام؛ فزوجاتي لا يأتين في الأحلام مطلقًا؛ كوابيسهنّ تأتي دائمًا في يقظة صحوي..

(لا تتعجب يا (دكتور)؛ هو محاكاة وتمازج الماضي بالحاضر أو كما يفضّل أن تقولها اللجنة الأدبيّة المنظّمة للمسابقة “التماهي”، أعتقد أنّهم يقصدون الماء (المايّه يعني) قد تكلّموا كثيرًا عن سوق عكاظ، والشعراء، وخمر الشعر، ونحن كما تفهم نحبّ المساعدة والتجويد، والأجواء الواقعيّة) قالتها الممرّضة.

اتّجهنا إلى مبنى انتظار السيارات متعدّد الطوابق مكان المسابقة لأجد ديكورًا لخمّارة من عشرينيّات القرن الماضي طرز حيّ بحريّ الإسكندرانيّ وزمزمة من البشر الحزناء البؤساء يتوسّطهم صديقي الناقد مع لجنة التحكيم على كراسيّهم وجوقة موسيقيّة كلاسيكيّة (وأكورديون) ونايًا يعزفان موّالًا على مقام الحجاز وراقصة شعبيّة ورواقيد وخياتيم ودنان وجرار وأقداح وكؤوس.. لا أدري أخمرٌ بها أم لفافات قصائد.. صعدت زوجاتي الأربعة إلى مكانهنّ الدائريّ المحيط بالسندرة العلويّة المخصّصة للجماهير، واختار الممرّض الجاهليّ (أبو صلاح) مجلسه جواري أمام لجنة التحكيم حتّى اكتمل الحضور؛ لتعلن الكاميرات عن بدء البثّ المباشر للحدث الشعريّ الهامّ.

(الفقرة الأولى سلام مربّع يا “جدع”.. فقرة النقد السحري مع أعظم السحرة في الكَوْكَوْ، فن التحويل يا”جدع”)؛ قالها مقدّم الفقرة متقمّصًا دور نوبتجي وحارس الأفراح الشعبيّة.

طُلب من كلّ شاعر في مرحلة التصفيّات قصيدة أوليّة لاختيار أربعة شعراء للمرحلة النهّائية..

“(سيد درويش)(وبديع خيري) الثائران في زمن عزّت فيه الثورات” كان هذا عنوان الدورة الأولى من المسابقة الشعريّة؛ لذا كان كلّ شاعر يتقدّم لإلقاء قصيدة تعزف له أغنية من أغاني الملحّن والمطرب الراحل (سيّد درويش) أو من مؤلّفات كاتب المسرحيّات والأغاني (بديع خيري).. صعد الشاعر الثوريّ ليلقي قصيدته مصحوبًا بأغنية “قم يا مصري” فألقى قصيدته التي لم تلق استحسان لجنة المحكّمين أو الجماهير الحاضرين..

جاءت فقرة التحويل وفيها سيحوّل النقاد السحرة القصيدة إلى شيء سحريّ يستفتى المشاهدون عليه عبر الشاشات.. ساد المكان صمت رهيب قبل تحوّل قصيدة الشاعر الثائر إلى درويش مجذوب رثّ الملابس يستجدي الله في خشوع.. وهكذا استمرّ الشعراء في إلقاء قصائدهم حتّى تقدّمت فاتنة الفاتنات وجميلة الجميلات وساحرة الساحرات وملبن الملابن -كما يسمونها- الشاعرة (وجدان مشهور) مع أغنيّة “الحلوة دي‏ قامت تعجن في البدرية” وكل من بدسكرة خمّارة القصائد يتمايل طربًا عدا زوجاتي من الغيرة وعدا شاعرنا الثوريّ.. وزّعوا علينا الونّ والصنج بعدما أُرهق الإبهام والوسطى من النقر، والقرقعات.

لم تقل الملبن قصيدة واكتفت بتقديم ثلاث قصائد للنقّاد السحرة ولجنة التحكيم موضوعة في وأْب خمر مقعّر..

(هذه خمر الصبوح وهذه خمر القيْل وهذه خمرالغبوق) لا أعرف لم شعرت بقشعريرة، فور رؤيتي قشعريرة الحضور من الرجال وتصفيق لجنة التحكيم بعد قولها هذه الجملة التي تحولت مفرداتها لثلاث غانيات فاتنات حسان على أيدي السحرة..

قام صديقي الروائيّ القناع بخدعة شرّيرة وتمرير اسمي لأشارك في المسابقة تلو هذه الملبن بعدما كان دوري الدور الأخير.. اتّضح لي فيما مرّ من أيام تلت قيامه بذلك أنّ هذه الخدعة لضمان تأهّلي لنهائيات المسابقة؛ فلا يكفي تبرير اختيار لجنة التحكيم لشاعرة الملبن بأنّها فتاة أوأنّ العنصر النسائيّ مهمّ ولا يكفي إخماد اعتراض شاعرنا الثائر على قرار اللجنة الحتميّ باختيارها ولحفظ هيبة مصداقيّتهم أمام جمهور الشاشات الذكيّ المراقب، لذا سيعوّضون هذا باختيار المتقدّم التالي مباشرة؛ هكذا فسّرها وأدار الأزمة بحسابات خبير أو مدير حملة انتخابيّة، ومهارة استشاريّ مسابقات.

تقدّمت لألقي قصيدتي وصاحبتني أغنية “بوخومار خنفشار”..أسكتَ صراخ الشاعر الثائر أصوات القنين والعود والآلات معترضًا على كلمات الأغنية الشاميّة التركيّة الجريجية السودانية معلّلا التمسّك بالأصولال مصريّة العربيّة؛ فقامت الجوقة بتغيير الأغنية إلى “التحفجيّة” هنا وعند كلمة الحشيش بالأغنية أخرجت النيكوتين من علبة السجائر التي أدخلتها للمشفى تهريبًا في السابق وأشعلته لأرفع نسبته في دمائي المضطربة لأسيطر، وبعد إلقائي القصيدة كان السحر..

لم تتحول قصيدتي مباشرة إلى شيء بل غرق السحرة في ألعاب الليجو والتركيب؛ أخرجوا بلازما لعلاج كورونا، أخرجوا شيشة، وصنجًا وعودًا أخرجوا (هتلر) (وجيفارا) أطلقوا سراح (زرياب) (والحجّاج) ‏شعرت بالروعة، وصديقي الناقد رئيس لجنة التحكيم يشرح خبايا القصيدة للمحكّمين ويزكّيني والشبق الأكبر من شعوري بالروعة كان في أداء الممثّلين ومن رأفة اللجنة المنظّمة وشركات الدعاية بالعمالة اليوميّة من الموسيقيّين والراقصات (الغوازي) والسحرة وعمّال (الديكور) (والكومبارس) وغيرهم من المهمّشين وتوظيفهم في مسابقة أدبيّة عالميّة..

استمرّت عروض الشعراء وتأويلات السحرة وتغريبات لجنة التحكيم حتّى تقدّم الشاعر الأخير سموراي الشعر العربيّ وصاحب حسابات التواصل الاجتماعيّ الخاصّة ذات الشعر الذي لا يُرى إلا لخاصته من أحْبَاء الملك وقطينه والذي فتح جميع بلاد المسابقات الشعريّة والمؤتمرات والأمسيّات وصالونات الشعر..

(تموْكَبَ)السموراي إلى القاعة على دراجة بخاريّة ثلاثيّة العجلات بصندوق خلفيّ أعلاه مَحمَل جَمَل داخله الشاعر؛ يصحبه حرسيّان كلّ منهما يحمل مقشّة للتهوية عوضًا عن عصا بريش، وخلفه المعجبات يتكوّمْن ما بين هودج وفودج وسعدف ومحفّة فوق درّاجات بخاريّة مشابهة..

(واااو) قلتها من شعور الروعة حتى بدأت أغنية سيّد درويش “شدّ الحزام على وسطك” فجنّ جنون شاعرنا الثوريّ وفقد عقله بكسره مزمارًا يشبه هيرعة الرعاة كان أحد أفراد الجوقة يمسكه قبل أن يُخطف من يديه صارخًا: (هذه أغنية المتخاذلين انظروا إلى الكلمات شدّ الحزام لا يقل لي أحدكم خيارًا وفقّوسًا، يُراد لنا أن نصمت على الفاسدين والواسطة بأغنية خبيثة، أين عنوان المسابقة “الثائران” من هذه الأغنية؟)..

عدّل صديقي في لجنة التحكيم من جلسته كأن ثورة شاعرنا وحديثه عن الثورات جاءت في ملعبة وعلى هواه، توقّعت أن تُستبدل الأغنية لكن ناقدنا بدأ في محاضرة طويلة على الهواء مباشرة عن دور (سيّد درويش) الثوريّ ودوره في ثورته الاجتماعيّة المضادّة على المتكاسلين والمتحجّجين والخاملين وأن أغنيته ليست قبولًا لعبوديّة إنّما ثورة أخرى مضادّة يحسبها البعض عبوديّة وشرح كلامًا آخر، لم أفهمه، عن صخب موسيقى (بيتهوفن) التي تحاول لطم المجتمع على أصداغه ليصحو خلاف موسيقيين آخرين رابطًا شرحه بنظريته البائسة (faceoff) لتكمل الفرقة العزف وتبدأ الفقرة دون استبدال الأغنية.. اكتفى شاعرنا السموراي بتقديم علبة سحريّة كعلب الأحاجيّ لا تفتح إلا بمحاولات شهور وسنوات وبها قصيدته..

جاء عمل السحرة لتتحوّل القصيدة وسط ذهول الحاضرين وتصفيقهم إلى ممثّل مصر القدير (محيي الشرّاني) الذي يقوم بدور (الملك لير) على المسرح مرتديًا غِدفة ملك نصفها حرير بألوان طاووس والآخر خيش وصوف..

ثار هذا المملّ الثائر مرّة أخرى متّهمًا الجميع بالخيانة: (ما معنى أن يكون شاعركم العظيم آخر العرض، وأن تختاروا له ممثّلا مشهورًا ليصبح نتاج التأويل السحريّ لقصيدته وهذا المسكين، يشير لي، اختير له ممثّلون درجة ثانية إنه الخيار والفقّوس يا ملاعين).

دهشتُ بحقّ عندما ذكّرني مدافعًا حتّى كادت أن تخرج شخصيّة (ميكي) التي تسكن داخلي؛ فقد سبق وشتمته قبل بداية العرض؛ فهو إضافة إلى الممرّض، كانا الوحيدين اللذين يرتديان رداء عربيًّا جاهليًّا كالذي كان بسوق (عكاظ) الشعريّ قديمًا مع بعض اللمسات الحديثة؛ وعندما سألته في أمر ذلك حدثّني عن أصولنا العربيّة والمحاكاة، وكيف أقنع الممرّض بارتداء الزيّ العربيّ رغم عدم فهمه شيئًا من الشعر سوى ذكر اسمه “أبو صلاح” في إحدى أغاني (سيّد درويش) وفرحه بها، ، وأنّ هذا ليس مستغرَبًا فهناك المسابقات الشعريّة التي تحاكي شعراءنا القدامى، وأنّ أحد خلفائنا المعاصرين عندما بنى قصره الامبراطوريّ الفاخر أتى بحرسه التركيّ بزيّ قديم ليلتقطوا صورًا؛ فأثارني حتّى قلت: (خلفاؤنا؟هم خلفاء أمّك)..

ارتفعت الجعجعة؛ فاضطرّ مخرج العرض لفاصل إعلانيّ وهنا تقدّم صديقي الناقد مرّة أخرى؛ وأخذني والثائر لغرفة جانبيّة لتهدئته، ومعنا الملبن متأبّطة إحدى ذراعيه..

تحقق أيضا من

قزقزات الذكريات

وهام السعادة الجزء الأول: قزقزات الذكريات