من ذاكرة الوهام

هدأ الجميع بعدما استسلمت على سرير غرفتي بقسم العظام؛ قال لي كبيرهم الذي علّمهم الطبّ من وراء قناعه الطبيّ:

(هل كنت على علاقة مع المخدّرات من قبل؟) أجبته نافيًا:

(مارأي تحاليل نسبة الكحول والمخدّرات بالدم التي أجريت فور وصولي المشفى عقب الحادث؟) تجاهل الردّ بردّ:

(كما تعلم انتشار الحمّى التاجيّة “كورونا” هذه الأيّام، والضغط على المستشفيات لذا سنؤشّر لك بالخروج قريبًا جدًّا لتستكمل علاجك في البيت حتَّى تلتئم عظامك مع متابعتنا شهريًّا يا شاعرنا العظيم.. سمعتُ أنّك تكتب الشعر بعد سؤالي عن مكتبة (الإسكندرية) التي افتتحتها في غرفة المستشفى بكتبك المحيطة؛ جميل أن تكون للمتقاعد هواية تنسيه أنّه عاطل)..

أنهى كبير الأطباء كلامه معي بعدما استُدعي لوصول الممثلة (رخاء السيناويّ) من أحد مشافي مدينة أخرى بعد تدهور حالتها منبّها إحدى ملائكة الرحمة لتقول شيئًا لي: (تعرف كورونا.. فقدان الوظائف.. العمالة اليومية.. الواجب القوميّ في رفع المعاناة عن العمالة اليوميّة، إقامة المستشفيات حفلات غنائيّة صغيرة للترفيه عن المرضى، وتشغيل هذه العمالة من ناحية أخرى، إقامة فقرات سحريّة، أمسيّات شعريّة) قاطعتها: (أفهم لكنّني لا أشارك بأمسيّات النفاق الشعريّة؛ مدرستي الشعريّة يا سادة هي مدرسة فنّ حركات الشعر الإيحائيّة هل تفهمينني إنه (البانتومايم الشعريّ المقروء) انتهى الأمر، نقطة).

لن أفعلها أبدًا، وإن جمعوا الشمس والقمر عن يميني ويساري.. ربّما سأتراجع هذه المرّة بعد اقتناعي بتوسّلات فريق ملائكة الرحمة الناعمة..

لم أعد أحلم بكوابيس بل بأحلام متفرّقة غامضة أحيانًا، وأحايين أخرى ممتعة، آخرها حلمت أنّني (مهراجا) ‏حاول أن يتفقّد سيّارة (مرسيدس) بإحدى المعارض في (أوروبا)؛ فطرده صاحب المعرض استصغارًا لعدم معرفته المسبّقة به؛ فقام (المهراجا) بشراء جميع السيّارات من المعرض في اليوم التالي واستخدمها في (الهند) كسيّارات أجرة مما دفع شركة (مرسيدس) إلى عرض مبالغ طائلة لوقف استخدامها كأجرة إلا أنّني (كمهراجا) رفضت‏ ممّا دفع الشركة لوضع شرط بجميع عقودها أنّ بيع سيّارة لا يعني انتهاء العلاقة بين السيّارة والشركة، ولا يحقّ لأيّ مشتر استخدامها في غرض أو مشوار أو مأموريّة إلا بعد الرجوع لصاحب الملكيّة الفكريّة.. ياله من انتصار لي كمواطن هنديّ..

هكذا جاءتني الأحلام مرة كصائغ وأخرى كمهراجا وقديمة كمتهم لتعبّر عن توقي للعمل والمال، والبعث مرّة أخرى عبر عمل ما بعد التقاعد؛ دلّني على ذلك عمق موهبتي الخارقة في تأويل الأحاديث وتفسير الأحلام..

(المريضة التي سألت عنها في قسم النساء بخير) قالتها الممرّضة؛ وهي تستبدل عبوات المحاليل بالفارغةمنها،

حمدت الله كثيرًا أنّها بخير مع شعوري بالتحرّج؛ فقد سألت على المريضة التي استضافتها غرفة العناية المركّزة لقسم العظام بعد امتلاء مثيلاتها في قسم النساء قبل إجرائها عمليّة(كحت)، وكان هذا السؤال في المرحلة الثانيّة من أزمة مرضي بعد مرحلة الأمل والنجاة حين تسأل طبيبك بعد عمليّة أو تعاف متى سأعود لعملي أو لما أمارسه من مواهب وإذا كنت من المشاهير فتصريحات وأثناء مرحلة تاليةمن يأس وتعاطف وفزع واستسلام ورجاء وقبل المرحلة الثالثة الأخيرة؛ والتي هي إمّا موت وأمّا نجاة..

تذكّرت في الحال صديقي الروائيّ والناقد. أنساني مرضي الاطمئنان عليه؛ فهو مريض أو يقال أنّه مريض، ومازال بالمشفى..

وهذه مكالمة فيديو لك كالعادة يا صديقي: (الكبير وعمّ الكلّ، مفتقدك جدًّا يا وَحْش، طمِّنّي عليك،ما أخبارك؟ عندي لك مفاجأة مدهشة، ستقام لي أمسية شعريّة هنا، وأحتاج إلى حضورك لتقديمي عبر الفيديو، الأمسية كلّها مع المرضى عبر شاشات الغرف) طمأنني بالقبول على أن أُذكّره قبلها بوقت مناسب ودعاني للمرّة العشرين لأشاهد معه عبر مكالمة الفيديو الفيلم الأمريكي (نزع القناع face off) فهو يعلم أن الإنترنت مجانيّ..

إصرار صديقي كناقد جنبًا إلى جنب مع كتابته للرواية؛ جعله يأكل خبزًا جافًّا بائتًا، وأكلت بما أكتبه من شعر دون فنّ آخر خبزًا رديئًا بعض الشيء لكنه طازج.. كان من حاملي نبّوت النقد، وكم خافتة هي معاركه حتّى بابتكاره نظريّة نزع القناع أو استبداله (face off)، كان يكتب المقال ثم يخرج بعكس تفنيداته في اليوم التالي، ينتهي من كتاب ليخرج بكتاب عكسيّ.. لا أجزم أنّني استوعبت ما يقصده من فكره المشوّه المشوَّش، ونظريته البائسة ربّما لعميق كرهي للنقّاد ذوي النظريّات الفيزيائيّة قدر كرهي للفلاسفة الحمقى.. وطأ برجليه المنطقة المحظورة وذاق خسارته منطقَ قبوله لدى العامّة، وخسارتَه جميعَ أطراف حبال سحرة يوم الزينة؛ فاتّقدت معاركه وانكسر نبّوته ليفقد سحره منذ كتب مقالًا عن مثقّفي ما بعد (ثورات نكسات الربيع العربيّ)، هكذا أسماها، تحدّث عن ارتضاء المثقّفين الواقع وتكيّفهم بقدر الحريّة المتاح خوفًا أن تسقط أوطانهم ولا تعود؛ تطرّق لتطبيلهم وانكفائهم وتقليدهم لما ألفوا عليه آباءهم أدبيًّا، وأنّ هذا التوارث الجينيّ الأدبيّ تسرّب عبر تعاملاتهم الاجتماعيّة.. توقّعت أن يكتب في اليوم التالي الوجهة المقابلة لمنطق الباحثين عن الحريّة؛ “نحبّ أوطاننا.. نطبّل لها أفضل من التطبيل لوطن آخر؛ إن سقطت الأوطان لن تعود..”

هاتفته لأستمتع بسبق معرفة وجهة النظر المخالفة والموافقة لتوجهاتي قبل أن تنشر فدُهش من عدم فِهمي لنظريته: (أنت تتكلّم عن وجهة نظرمقابلة؛ وكلّ وجهة نظر لها قناع آخر غير مطروح، وخارج الوعي الجمعيّ؛ أنا أقوم بنزع القناع المطروح واستبداله بالقناع الآخر.. ما ذكرته لي هو دفاع نتيجة هجوم وليس وجهة نظر أخرى؛ القناع الآخر أنه يُطبَّل لك ولوجهة نظرك لا أنت الذي تطبّل وإذا توقف مَن يطبّل لك عن التطبيل ستعاديه هذا ما سأكتبه ‏غدا)..

لم أفهم ما كان يعنيه؛ حاول إفهامي مرارًا وتكرارًا ثم باغتني: (سأسألك بعض الأسئلة؛ لتجيبني عليها؛ وعندئذ إن لم تفهمني فقد خسرتُ محاربًا آخر في معركتي:

-بم تسمّي الشعراء الذين تكسّبوا من مدحهم قديما؟

– ماسحي جوخ، مداهنين، متملّقين، شعراء العار.

– ما تصنيف شعر (أحمد مطر) لديك؟

– سياسيّ محرّض مستنهض لتخليص الناس من واقعهم المرّ.

– ما الذي يجعل القصيدة تعيش؟

– أن تكون جيّدة معبّرة؛ فتتناقلها الألسنة عبر العصور.

– (يكفي هذا ستجد آلاف وجهات النظر الأخرى كلها مترسّخة داخل وعينا الجمعيّ، ترسخت لأسباب شتّى، لكن هل رأيت أحدًا يبرّر للمدّاحين؛ لماذا لم يقل أحد أنّ الشاعر مهنته الكلام، وحقّه أن يتكسّب منه.. وإذا قلت هذا المنطق لأحد ووافقك الرأي؛ أجابك بأنْ لا حرج أن يتكسّب الشاعر لكن بطريقة أخرى غير التملّق، وأنّ هذا نفاق لأنّ الشاعر سيبدأ في الهجاء إن لم يحصل على المال، لتخرج له بالقناع الآخر أن المهنة ليست نفاقًا إنما هي منفعة شخصيّة مقابل مال؛ أنت تطلب خلودًا حميدًا على ألسنة العامّة بقصيدة دعائيّة، والشاعر يحقّقه لك؛ فإذا لم تعط قدر هذا العمل؛ وثمن الدعاية سيحقّق لك الشاعر خلودًا باللعنات.. لكلّ عمل قانون يحكمه، وما يدور في رأسك من أن بعضهم كان يذهب دون طلب ليتكسّب فقناعه الآخر أنّك إذا كنت في حرب، وحتّى لو لم تكن، وجلبت لك أسيرا أو شيئا ثمينًا ولم تمنحني شيئًا عليه؛ فأنت تستحق جائزة عقابيّة مؤلمة على سفهك.. لكَ منّي قناع آخر غير مطروح وخارج الوعي.. شاعر ينتقد الأنظمة؛أو المبدع الذي كرّس حياته لنقدنا ذاتيًّا بعيدًا عن النقد الذي ينتهي مرّة أخرى لنقد الأنظمة؛ وبعيدًا عن اتّهام الشعوب القانعة المقتنعة بالعبوديّة والتطبيل وتحريضهم ليقتنعوا بأنّهم تحت أغلال الأسر والقمع لأن الوعي الجمعيّ الذي فرضه هذا الإبداع القمعيّ المتطرّف الذي لا يقبل وجهة النظر الأخرى يفرض ذلك.. يقنعك أنّك كمواطن لابد لكَ وأن تثور لأنّك مقموع وعبد وضيع لنخبة فاسدة..أمّا القناع الآخر لخلود شيء كقصيدة هو خلودها دون الربط بجودتها وتناقلها عبر الألسنة؛ ألم تنته علوم قديمة جيّدة ومتقدّمة انبهر بها العامّة والقاصي والداني؛ أين الأقنعة الأخرى الغائبةعن وعينا وتقبّلنا؟)

– (أنت تتلاعب بكلامك وأنا لا أستطيع أن أجاريك)

– (الفكرة أن تكتب عن المألوف، ونقيضه خارج الصندوق، وتحارب لتنتقد ما تنتقده، وتحارب لتبرير رؤيتك وتبرير نقيض رؤيتك، وتطرح ما لا يتقبله وعيك يومًا، الفكرة طرح اللامطروح)..

لهذا؛ ولمصطلحات أخرى يحادثني إيّاها مثل: بنيويّة، بنية سطحية، بنية عميقة، سيمائيّة، موت المؤلف.. كنت أبتعد عنه قدر الإمكان؛ لكرهي لتكراره المملّ، وتفذلكه، وشعوري بعبء التقبّل لمجال كالنقد الأدبيّ مخالف لما أحبّه.. أو شعوري بالدونيّة من عدم تبحّري في بحار النقد.. اكتفيت بترك خيْط رفيع يجمعنا؛ لاحتياج لمنفعة أدبيّة أو أخرى، والحفاظ على الأواصر الأخرى؛ لهذا ابتعد الجميع عنه، ولُفِظ من أصدقائه، ومحيطه الجامعيّ ومتابعيه بعدما تطرقت مقالاته الأخيرة (لتابوهات) الوعي الجمعيّ المحظورة المحرّمة كما كان يحلو له أن يسميها؛ وها أنا ضمن أصدقائه الأقلّاء الذين حافظوا على حبال الوصل معه وهو داخل المستشفى النفسيّ الخاص بعدما عجز أطبّاء العيادات الخاصّة عنه.

(تغيير في الخطّة.. أمسيتك الشعريّة ملغاة يا دكتور)

هممتُ ممسكًا بحامل المحاليل لألقيه على الممرّضة قبل أن تتابع: (فنّانتنا (رخاء السيناويّ) وبعض المشاهير بالمستشفى فعّلوا اتصالاتهم؛ وها هي الأمسيّةالشعريّة تحوّلت إلى منافسة شعريّة.. أكبر برنامج مسابقات شعريّة واكتشاف مواهب في العالم.. يقام هنا على أرض المستشفى).

(لكنّني غير مستعد وإذا كنت مجبرًا لن أقبل إلا بدعوة رسميّة لصديقي الروائيّ الناقد.. تصرّفوا).

بدأت أعدّ العدّة بمجموعة من قصائد الحكّام على قدر استيعابي لنظريات صديقي تشرح معاناة الحاكم؛ وأفاعيل شعبه به ساخرًا حينًا من الشعب، ومنتقدًا حينًا، هذا ما سيطوّعه ليدعمني بالمسابقة.

تحقق أيضا من

قزقزات الذكريات

وهام السعادة الجزء الأول: قزقزات الذكريات