عدد أبيات القصيدة
والذِّهْنُ مِنْحَارُ شِعْرٍ لَا أُعَصِّرُهُ
إِلَّا وَأَهْرَقَ مَجْدًا حَيْثُ يَنْعَصِرُ(٤٨)
تَقَاطَرَ الشَّهْدُ في أَفْوَاهِهِم فَنَشُوا
في الْبَدْءِ دِيرَ بِهِمْ قَدْ شَرْشَرَ الْقُبَرُ(٤٩)
أَطوفُ بِالْكَأْسِ قَدْ عَلُّوا إِلَى ثَمَلٍ
خَرَّتْ عَزيمَتُهُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ سَكِرُوا(٥٠)
عَبَّتْ قَريحَتُهُمْ كَأْسَ النَبِيذِ، وَهَلْ
جِنِّيُّ دَهْشَتِهِمْ مُسْتَسْلِمٌ خَدِرُ! (٥١)
يُهَلْوِسُونَ وَنَخْبُ الْكَأْسِ تَيَّهَهُمْ
وَيَنْطِقُونَ الذي مِنْ سِحْرِهِ انْبَهَرُوا
لَوْ كَتَّمُوا سِحْرَ مَا لَقَّنْتُهُمْ كُشِفُوا
لَوْ دَبَّجُوا كَيْدَهُمْ في شِعْرِهِمْ قُبِرُوا(٥٢)
في الصَّحْو أَسْكَرْتُهُمْ حَتَّى أُبَصِّرَهُمْ
هَذِي خُطَى شَغَفي في إِثْرِهَا دَبَرُوا(٥٣)
أَزِيدُهُمْ مِنْ كُؤُوسٍ في مَعَارِكِهِمْ
بِالْوَحْيِ أَنْصُرُهُمْ، مَنْ يَا تَرَى نَصَرُوا؟
وَهُمْ بِجُبٍّ ظَلَامِيٍّ تُحَاصِرُهُمْ
بَنَاتُ مَخْرٍ إِذَا مَا السَّيْلُ مُنْهَمِرُ(٥٤)
فَاضَتْ عُيُونُ قَوَافِيهُمْ تُحَرِّضُهُمْ
لَكِنْ وَرَغْمَ اجْتِهَادٍ مَاؤُهَا عَسِرُ
مُسَّتْ قَريحَتُهُمْ في السِّرِ قَدْ حَمَلَتْ
شِعْرًا فَرِيًا، وَمِنْ خِزْيٍ بِهِمْ تَبَرُوا(٥٥)
وَيُحْشَرُونَ بِكَهْفِ الشِّعْرِ قَدْ لَبِسُوا
رِدَاءَ عُجْبٍ وَمِنْ أَوْزَارِهِ مَجِرُوا(٥٦)
أَجَاءَهُمْ قَاصِيًا ضَنْكُ الـمَخَاضِ إِلَى
جِذعِ النَّدَامَةِ، وَالْـمَوْلُودُ مُبْتَسَرُ(٥٧)
وَطَائِرُ الشِّعْرِ في ذُلٍّ يُطَوِّقُهُمْ
فَهُمْ إِذَا كَبُرُوا جَاهًا بِهِ صَغِرُوا(٥٨)
(مَا دَهْرُ أَلْسُنِكُمْ؟)، قَدْ جِئْتُ أَسْأَلُهُمْ
يَعْتُونَ صَمْتًا، عَلَى أَفْوَاهِهِمْ حَجَرُوا(٥٩)
يَسْتَمْطِرونَ هُرَاءً سَاقِطًا تَفِهًا
إِنْ أَصْمَتُوا سَلِمُوا إِنْ أَنْشَدُوا احْتَضَرُوا(٦٠)
يَسْتَمْسِكُونَ بِلَغْوٍ، لَا يَطُورُ بِهِ
قَوْلٌ حَكِيمٌ، إِذَا مَا الْقَوْلُ مُفْتَجَرُ(٦١)
تَبَقَّرُوا في كَلَامٍ لَا لِجَامَ لَهُ
وَإِنْ حَكَوْا بالَّذي يُحْكَى بِهِ سَدِرُوا(٦٢)
عَلَى عَوَاهِنِهِ يُلْقَى الْكَلَامُ، وَذَا
فِعْلٌ وَضِيعٌ، شُرَيْرًا مِنْهُ مَا وَزِروا(٦٣)
أَلْقَوْا بِشِعْرٍ نَبِيلٍ في الرَّغَامِ فَلَا
يَقْرِي الْقَرِيحَةَ إِلَّا الْغَمُّ وَالْحَسَرُ(٦٤)
وَعَّيْتُهُمْ كَلِمَاتٍ كَيْ تُيَقِّظَهُمْ
كَأَنَّهَا في ثَنَايَا جِلْدِهِمْ إِبَرُ
أَوَوْا إِلَى مَعْزِلٍ وَالْفُلْكُ جَارِيَةٌ
تَهْمِي الْيَعَالِيلُ، والتَّنُّورُ مُنْفَجِرُ(٦٥)
مُعَانِدِينَ، وَإِنْ يَأْوُوا إِلَى جَبَلٍ
يُحِطْ بِهِمْ غَرَقٌ، أَنَّى لَهُمْ وَزَرُ!(٦٦)
كُفِّي سَمَاءُ، وَيَا أَرْضُ ابْلَعِي مَدَدًا
(جُودِيُّهُمْ) لَاحَ، وَالطُّوفَانُ مُنْحَسِرُ(٦٧)
يَلْهُونَ في قُمْقُمِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا
حَتَّى تُزَمِّلَهُمْ أَحْدَاثُهَا الْكُبَرُ(٦٨)
عَرَّيْتُهمْ بِلِسَانٍ غَيْرِ ذِي مَهَلٍ
وَمَا لَهُمْ مِنْ فَمِي سِتْرٌ وَلَا أُزُرُ(٦٩)
وَيَخْصِفُونَ عَلَى الْأَجْسَادِ مِنْ وَرَقٍ
وَيُطْردُونَ جَمِيعًا بَعْدَمَا اقْتَشَرُوا(٧٠)
وَلَا دُخَانَ لَهُمْ إِذْ كُنْتُ أَحْبِسُهُمْ
قَيْدَ الْقَمَاقِمِ مَهْمَا حَكَّهَا الْحَجَرُ(٧١)
غَلَّقْتُ أَبْوَابَ إِعْجَازِ الذِينَ مَضَوْا
حَاقَ الْكَلَامُ بِهِمْ في الْفِتْنَةِ انْحَصَرُوا(٧٢)
هَذا قَمِيصُهُمُ، هَلْ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ
أَمْ قُدَّ مِنْ حَيْثُمَا لَا يَسْلَمُ الدُّبُرُ؟(٧٣)
أَوْدَى لِسَانِي بِهِمْ إِنْ سَبَّهُمْ نَفَرُوا
عَكْسَ الَّذِي دَأَبُوا إِنْ سَبَّهُمْ نَفَرُ(٧٤)
أَعْوِي مَعَ الليْلِ بِالنَّجْوَى أُذَكِّرُهُمْ
فَامْتَدَّ تَسْبِيحُهُمْ، وَالذِّئْبُ مُسْتَحِرُ(٧٥)
إِذَا أَقَامُوا صَلَاةَ الشِّعْرِ مِنْ وَرَعٍ
وَهُمْ عَلَى سَفَرِ الْأَهْوَالِ مَا قَصَرُوا(٧٦)
وَيَحْسَبُونَ لِسَانِي حِينَ يَرْجُمُهُمْ
جِنًّا تَخَفَّى كَذِئْبٍ وَكْرُهُ خَمَرُ(٧٧)
وَكَهْفُهُمْ مِنْ زُجَاجٍ أَيْنَمَا رُجِمُوا
طَقَّ الزُّجَاجُ، وَهُمْ مِنْ قَبْلِهِ انْكَسَرُوا
أُمْلي عَليَهِمْ بِتِيهٍ أَربَعِينَ عَلَى
مَرْأَى مُحَرَّمَةٍ إنْ دَلَّهُمْ نَظُرُ(٧٨)
أَرْضُ الْأَدِيمِ اِكْتَوَتْ كَي يَنْضجَ السَّعَرُ
أَرْضُ الشَّتَاتِ اِسْتَوَتْ كَيْ يَنْبُتَ الْغَجَرُ(٧٩)
عَامُ (الرَّمَادَةِ) آتٍ لَا مِرَاءَ وَلَا
نِزَاعَ فِيهِ؛ سَيَفْشُو الْجُوعُ وَالْخَصَرُ(٨٠)
ضَلُّوا وَمَا نَالَ لِلطُّوَّافِ أَنْ يَكِنُوا
مَا طَاقَهُمْ مَدَرٌ يَوْمًا وَلَا وَبَرُ(٨١)
تَفَرَّقُوا في دَوَاهِي الْأَرْضِ مَا وَصَلُوا
بِنَائِفَاتِ الْفَلَا قَدْ طَوَّدَ النَّوَرُ(٨٢)
مُغَيَّبينَ إِذَا الَّلذَّاتُ تُوقِعُهُمْ
في شَرِّ أَعْمَالِهِمْ حَاقَتْ بِهِمْ قُتَرُ(٨٣)
نَحْرَ الظَّهِيرَةِ يَجْتَالُونَ يَلْفِظُهُمْ،
إِذَا أَرَادُوا الثَّوَاءَ ، الرِّيفُ وَالْحَضَرُ(٨٤)
وَدَأْبُهُمْ دَأْبُ أَعْرَابِ الْفَلَاةِ إِذَا
لَاقُوا أَعَاجِمَهُمْ فِي عِزَّةٍ، ذَعِرُوا(٨٥)
إذا يُصَفِّدُهُمْ عَاتٍ بِغَطْرَسَةٍ
سُرُّوا، وَفي نَشْوَةِ الْإِذْلَالِ قَدْ خَتِرُوا(٨٦)
إِذَا تَرَاءَى، الذِّي يُعْيِي مَدَارِكَهُمْ،
لَهُمْ بَكَوْا وَمِنَ الْإِعْجَابِ قَدْ شَحَرُوا(٨٧)
فِي ذِلَّةٍ مَجَّدُوا مَنْ يَسْتَخِّفُّ بِهِمْ
إِذَا ارْتَمَتْ سُبَّةٌ تُودِي بِهِمْ شَكَرُوا
وَإنْ يُلَاقُوا عَلَى دَرْبٍ لَهُمْ عَرَبًا
هَانَتْ، تَجِدْهُمْ عَلَوْا في الْأَرْضِ وَامَّتَرُوا(٨٨)
نَامُوا بِلَا تُخْمَةٍ في نَوْمِهِمْ شَخَرُوا
وَمَنْ رَأَوْهُمْ إِذَا مَا اسْتَضْحَكُوا شَخَرُوا(٨٩)
يَؤُمُّهُمُ هَجْسُ شِعْرِي أَيْنَمَا هَلَجُوا
عَصَوْا إِمَامَهُمُ مِنْ عَدْلِهِ انْقَهَرُوا(٩٠)
صَاحُوا عَلَى مَلَإٍ مِنْ بَعْدِ غَفْوَتِهِمْ:
(مَا أَصْعَبَ الظُّلْمَ أَيْنَ الْعَدْلُ يَا (عُمَرُ)!)(٩١)
المعاني
(٤٩) دير بهم: أصابهم الدوار والسكر، شرشر: تقاطر، القُبَر: عنب أبيض طويل جيّد الزبيب.
(٥٠) علّوا: شربوا ثانية أو تباعًا، ثمَل: سُكْر.
(٥١) عبّت: شربت بلا تنفّس، خدِر: غير واعٍ.
(٥٢) قُبِروا: دُفِنوا.
(٥٣) دبروا: تبعوا.
(٥٤) جبّ ظلاميّ: قاع بئر مظلم، بنات مخر: سحائب بيضٌ رِقاق يأتين قُبُلَ الصيف.
(٥٥) فريًّا: مختلقًا كاذبًا، تبروا: هلكوا.
(٥٦) مجروا: أصيبوا بالهزال من ثقل ما حملوا
(٥٧) أجاءهم قاصيًا: ألجأهم بعيدًا، ضنك: عُسْر، مبتسر: مولود قبل ميعاده الطبيعيّ.
(٥٨) طائر الشعر: حظّه، كبروا: عظموا.
(٥٩) ما دهر ألسنكم: ما ديدنها وعادتها، يعتون: يستكبرون، حجروا: على أفواههم: منعوا الناس من كلام أفواههم.
(٦٠) أصمتوا: بالغوا في الصمت.
(٦١) يستمسكون بلغو: يتمسكون بالهراء بشدّة، لا يطور به: يقرُب منه؛ يخالطه من قريب، مفتجر: مصاغ بالفطرة.
(٦٢) تبقّروا في الكلام: أسهبوا، لا لجام له: أرسل دون رويّة، بالذي يحكى به: الكلام أو ما يصلح للحكيّ، سدروا: لم يتثبّتوا في كلامهم.
(٦٣) يلقى الكلام على عواهنه: بلا تفكير، شريرا منه: أكثر شرًا منه.
(٦٤) ألقوا في الرغام: أذلّوه وأهانوه، يقري القريحة: يُكرمها، الحسر: الحسرة.
(٦٥) أووا: لجؤوا، اليعاليل: سحابات بيض، تنّور: ينبوع المياه الملتهبة.
(٦٦) وزَر: ملجأ يُتحصّن به، أنى لهم وزر: أين لهم ملجأ من هذا؟
(٦٧) كفّي سماء: توقّفي يا سماء، جوديّهم: جبل الجوديّ الخاص بهم.
(٦٨) كُبَرُ: مفردها كبرى.
(٦٩) غير ذي مهل: عجول، أزُر: مفردها إزار: ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن.
(٧٠) يخصفون: يلزقون، اقتشروا: تعرّوْا عن ثيابهم.
(٧١) قماقم: مفردها قمقم.
(٧٢) إعجاز الذين مضوا: إعجاز شعر السابقين، حاق الكلام بهم: أصابهم ومسّهم بضرّ، انحصروا: حبِسوا ومُنِعوا من الكلام.
(٧٣) من حيث لا يسلم الدّبر: من موطن غدر.
(٧٤) أودى بهم: أهلكهم، نفروا: أعرضوا كرهًا، دأبوا: اعتادوا، نفر: جمع من الناس.
(٧٥) مستحر: عوّاء في السحر.
(٧٦) قصروا: قصَروا الصلاة.
(٧٧) خَمَر: ما يتوارى به الإنسان أو الحيوان من شجر ملتف أو جب.
(٧٨) أربعين: أربعين سنة، مرأى محرّمة: مرأى الأرض المقدّسة التي حرّمت عليهم طول فترة التيه.
(٧٩) الأديم تراب وسطح الأرض، السعَر: السواد، استوت: نضجت، ينبت الغجر: يظهر الغجر المشتتون الرحّالة بها.
(٨٠) عام الرمادة: عام المجاعة، لا مراء: لا شكّ، سيفشو: سينتشر، الخصر: البرد.
(٨١) ما نال للطوّاف أن يكنوا: ما حان لهم أن يستقرّوا، ما طاقهم مدر ولا وبر: ما تحمّلتهم مدن ولا أرض خيام.
(٨٢) دواهي الأرض: أوعُرها ومجاهلها، نائفات الفلا: جبال الصحراء، طوّد: طَوّف، النوّر: الغجر.
(٨٣) قُتَر: مفردها قترة: ضيق العيش.
(٨٤) نحر الظهيرة: أوّلها، يجتالون: يجوّلون، يلفظهم: يقذفهم، الثواء: الاستقرار.
(٨٥) من حيث لا يسلم الدّبر: من موطن غدر.
(٨٦) دأبهم: عادتهم، الفلاة: الصحراء، في عزة: أقوياء، ختروا: ضعفوا.
(٨٧) يعيي مداركهم: يُعجِز قدرتهم، شحروا: شحروا أفواههم: فتحوها دهشة.
(٨٨) عربا: شعوبا أو قبائل عربية، هانت: ضعفت هذه الشعوب، امّتروا: امتدّوا؛ تطوّلوا أمتارًا.
(٨٩) في نومهم شخروا: أصدروا شخيرًا من التخمة والتعب، إذا ما استضحكوا شخروا: إذا أضحك بعضهم بعضًا صاحب الضحكة شخير جرّاء عدم السيطرة على أنفسهم أثناء الضحك.
(٩٠) يؤمّهم هجس شعري: يقودهم شعري الخفيّ، هلجوا: حلموا أحلامًا غامضة، عصوا إمامهم: عصوا الشعر الذي يقودهم.
(٩١) أين العدل يا عمر: يسخرون من عدل هذا الشعر بالإحالة على عدل الخليفة بن الخطّاب.
