قصيدة المتيّهة

عدد الأبيات:

٣٠١

يَا طَالَبَ الذَّوْقِ مِنْ عَزْفٍ عَلَى وَتَرٍ

حُبِسْتَ   في   سِجْنِ     مَا    أَغْرَى    بِهِ   الْوَتَرُ

 

قَيَّدْتَ   أَرْضَكَ    وَالْأَوْتَارُ      وَافِرَةٌ

مِنْهَا   الَّذِينَ      تَسَاقَوْا      لَحْنَهَا     تَمِرُوا(٢٣٤)

 

شَرَدْتَ في نَجْمَةِ الَّليْلَاءِ عَنْ  سُبُلٍ

وَأَنْتَ    كَالصَّبِّ     مَشْدُوهٌ      بِهَا    سَدِرُ(٢٣٥)

 

أَمْلَى       عَلَيْكَ   زَمَانٌ    في    تَصَيُّدِهَا

وَذَوْقُكَ   الْعَبْدُ   في   النَّامُوسِ   مُقْتَتِرُ(٢٣٦)

 

تَرَكْتُ      لِلنُّخْبَةِ    الْعَمْيَاءِ     مَلْعَبَهُمْ

فَإِنْ     تَكَدَّسَ     مِنْ    جُمْهُورِهِمْ    شَغَرُوا

 

وَنُخْبَةُ    النِّخْبَةِ     الْخَبْلَاءُ    تَحْسَبُهَا

مِثْلَ  الدَّرَاوِيشِ  في   سَكْرَاتِهِمْ   مَطَرُوا(٢٣٧)

 

يَا طَالِبَ الْحسْنِ لَا تَسْتَسْقِ خَطْرَفَةً

لَا يُسْتَقى  الرُّشْدُ مِنْ أَفْوَاهِ مَنْ هَتَرُوا(٢٣٨)

 

تَبِعْتَ  “أَعْمَى   بِمِصْبَاحٍ”   وَأَنْتَ   بِلَا

بَصِيرَةٍ         بَيْنَمَا       تَسْتَحْلِكُ    النُّهُرُ(٢٣٩)

 

سُحِرْتَ  بِالنُّورِ   فَاسْتَنْهَجْتَ   رِحْلَتَهُ

رِزْقُ    الْـمَهَابِيلِ   مَعْقُودٌ   بِهِ  السَّفَرُ(٢٤٠)

 

نُورُ        اتِّجَارٍ       بِرَوْحَانِيَّةٍ     خَلَبَتْ

ذَوَّاقَةً      وَبِهِ         يُسْتَعْبَدُ         الْهَدَرُ(٢٤١)

 

رَقُّوا     لِدَرْوَشَةٍ     ضَحُّوا     بِأُضْحِيَةٍ

مِنْ بِكْرِ إِحْسَاسِهِمْ أَجْدَوْهُ مَا ادَّخَرُوا(٢٤٢)

 

فَرُّوا    إِلَى     مَلَكُوتٍ    لَا     مَزَادَ     بِهِ

فَجُدْ   عَلَيْهِمْ  بِمَا    تُوكَى    لَهُ   الصُّرَرُ(٢٤٣)

 

بَعْزِقْ إِذَا  دُمْتَ  تَسْتَحْلِي التَّبَرُّكَ  مِنْ

نُورِ الدَّرَاوِيشِ  وَاسْتَشْرَى  بِكَ  الْهَكَرُ(٢٤٤)

 

إِنَّ   الدَّرَاوِيشَ   أَهْلَ  الدَّرْبِ  فِي  عَوَزٍ 

فَانْفَحْ   عَطَايَاكَ   مِمَّا    تُنْفِقُ    الْبِدَرُ(٢٤٥)

 

نَحِّ   الْغُرُورَ   فَلَا    عُجْبٌ   وَلَا   صَعَرٌ

وَلَا      جُنُونٌ       وَلَكِنْ          وَاقِعٌ        كَدِرُ

 

أَرَى    الْقَتَامَةَ   في   حِلْفٍ   وَفِي  شِلَلٍ

يَحُدُّهَا      ضَبَبٌ    مَضْمُونُهُ     الْقَذَرُ(٢٤٦)

 

مِنْ  نَفْسِ  شَاكِلَةٍ   قَدْ جُمِّعُوا   أُمَمًا

عَاشُوا      بِقِيعَانِهِمْ       مَأْوَاهُمُ      الْحُفَرُ

 

تَقَاعُسًا رَكَدُوا تَحْتَ  الْغَمَامَةِ  فِي

مُسْتَنْقَعٍ      وَمُصَفَّى      مَائِهِمْ       عَكِرُ

 

وَشَارَفَ النُّورُ  في  مَسْرَى  تَبَاعُدِهِ

عَنْ  شَمْسِ  حُرِّيَةٍ  يَنْحَلُّ  أَوْ  يَدِرُ(٢٤٧)

 

غَنَّيْتُ في   وَحْشَتِي  مِلْيُونَ  أُغْنِيَةٍ

وَهُمْ عَلَى نَفْسِ جَرْسِ الَّلحْنِ قَدْ زَمَرُوا

 

يُنَجِّمُونَ سُدًى في  الَّليْلِ  أَنْجُمَهُمْ

وَأَهْلُ    حِسٍّ    عَلَى    أَطْيَافِهِمْ   قَمِرُوا

 

يُكَبِّلُونَكَ   بِالصَّوْتِ   الْوَحِيدِ  إِذَا

هَمُّوا   بِخَنْقِيَ    فَالْأَحْبَالُ   تَنْتَسِرُ(٢٤٨)

 

وَأَيْنَ شَمْسُهُمُ مِنْ شَمْسِ أَسْمِيَةٍ

وَهُمْ   بِضَغْطَةِ     زِرٍّ     نُورَهَا    حَظَرُوا

 

فَلَا   مَزَادٌ   وَلَا   رِجْسٌ   رَغِبْتُ  بِهِ

مِنْ     شِلَّةٍ عَمِيَتْ  عَنّهَا  وَلَا  دَثَرُ(٢٤٩)

 

وَلَا حُوَيْجَاءُ لِي إِنْ فُتُّ مَضْجَعَهُمْ

وَلَا   لُوَيْجَاءُ  إِنْ  أَضْنَانِيَ    الْعُسُرُ(٢٥٠)

 

تَلْهُو بِشِعْرِي؟ أَشِعْرِي  صَارَ جَارِيَةً،

أَذَاقَ  هَلْوَسَةً    إِدْرَاكُكَ    الْخَمِرُ؟(٢٥١)

 

يَا أَقْبَحَ الْوَحْيِ مَا في الشِّعْرِ مَشْغَلَتي

لَكِنْ       يُشَاغِلُنِي     الْإِلْيَالُ     وَالسَّهَرُ

 

وَطَابَعُ   الْحُسْنِ   في    عَاجٍ     لِغَانِيَةٍ

وَالشَّامُ وَالْخَالُ وَالْخَلْخَالُ وَالطُّرَرُ(٢٥٢)

 

وَالْقَدُّ  حِينَ  يُقَاسُ الْخَصْرُ  عَبْرَ  يَدٍ

وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالْأَعْمَاقُ وَالنَّهَرُ(٢٥٣)

 

وَالْكَفُّ حِينَ  تَقِيسُ الْقَدَّ   مُغْمَضَةً

وَالْـمَرْأةَ الشِّعْرَ وَالْأَفْذَاذُ مَا شَبَرُوا(٢٥٤)

 

حَيثُ   الْأَنَامِلُ   قَوْمٌ   شُغْلُهُمْ   غَزَلٌ

وَمَنْزِلَ  الْحُسْنِ  بِالْأَمْتَارِ  قَدْ مَتَرُوا(٢٥٥)

 

وَالثَّغْرُ    (حَبُّ   مُلُوكٍ)    يَانِعٌ    كَرَزٌ

وَالْخَدُّ  بِالْغُمْرَةِ   الْحَمْرَاءِ   مُغْتَمَرُ(٢٥٦)

 

وَالْنَّهْدُ   في    الَّلهْوِ   شَغَّالٌ    وَمُنْشَغِلٌ

تَحْتَ  الْجَدَائِلِ   وَالْـمِخْفَارُ  تَعْتَجِرُ(٢٥٧)

 

كَهَوْدَجٍ     بَيْنَمَا     يَرْتَجُّ    فِي       دَعَةٍ؛

تَنُوءُ   (بِالْـمَلْبَنِ)   الْأَضْلَاعُ    وَالْـمُهَرُ(٢٥٨)

 

وَالصَّهْدُ     فَاحَ    فَوَلَّى   دَهْرُ   أَشْتِيَةٍ

وَالْبُنْدُقُ  الْغَضُّ  في الْإِينَاعِ  مُنْغَمِرُ(٢٥٩)

 

فَلَسْتُ  أُعْنى،   إِذَا   أَفْرَدْتُ   فِي  زَمَنِي

بِالشِّعْرِ    وَالْـمَجْدِ،    أَسْتَعْلِي    وَأَشْتَهِرُ

 

وَلَيْسَ عِنْدِي، إِذَا اسْتَوْطَنْتُ عَاطِفَةً

في   بَيْتِ  شِعْرِي،  فِرَاشٌ   لَيِّنٌ   وَثِرٌ(٢٦٠)

 

إِذَا   تَنَعَّمْتُ    وَازْدَادَ  الشُّعُورُ     غِنًى

فَالْخَيْشُ لِي سُرُرٌ  وَالْأَرْضُ لِي حُصُرُ(٢٦١)

 

وَالنَّأْيُ   لِي  أُنْسَةٌ   وَالصَّمْتُ   أَسْمِيَةٌ

وَالْبِيدُ   لِي  سَكَنٌ   وَالْأُفْقُ   لِي   دُثُرُ(٢٦٢)

 

وَهَبْتُ    حُرِّيَّةً       لِلشِّعْرِ       جَامِحَةً

وَالْفِكْرُ     حُرٌّ      فَلَا    غَمٌّ      وَلَا    كَدَرُ

 

فَلَا   حُدُودٌ     وَلَا   مَشْيُ   الْأَسِيرِ    لَهُ

وَلَا    خُطُوطٌ   بِهِ   حُمْرٌ    وَلَا   نَكَرُ(٢٦٣)

 

وَلَا     شَرِيعةُ    شِعْرٍ     كُنْتُ    أَتْبَعُهَا

بَلِ    اتِّبَاعِي   انْحِرَافٌ   مُفْرِطٌ   نُكُرُ(٢٦٤)

 

مِنْ   كُلِّ    زَنْدَقَةٍ    أَوْ    كُلِّ     هَرْطَقَةٍ

أَوْ  كُلِّ  مَعْصِيَةٍ  في  الشِّعْرِ  أَفْتَطِرُ(٢٦٥)

 

لَا   أَتْبَعُ  الدَّرْبَ   لَا   قَلْبٌ   لَدَيَّ    وَلَا

مُوَاءَمَاتٌ      تَقِي    أَحْذَارَ    مَنْ   حَذِرُوَا

 

فَلَيْسَ  مِنْ  “لَا يَصِحُّ”  اجْتَاحَنِي  هَلَعٌ

وَلَسْتُ مِمَّنْ إِذَا مَا رُوقِبُوا احْتَذَرُوا(٢٦٦)

 

وَمَا   عَبَدْتُ    جَمَالَ    الْفَنِّ     مِثْلَهُمُ

وَمَا  تَقَوْلَبْتُ  في  بُعْدٍ   بِهِ   حُصِرُوا(٢٦٧)

 

وَإِنْ تَبَدَّتْ عَذَارَى الشِّعْرِ فِي ضَحِكٍ

فَإِنَّنِي      رَجُلٌ       ذُو     لَوْعَةٍ   عَبِرُ(٢٦٨)

 

وَإِنْ   بَكَيْنَ    بِأَبْيَاتٍ      عَلَى      طَلَلٍ

فَقَدْ   تَسَلَّلَ  في  قَوْلِي  “قِفَا” الْحَبَرُ(٢٦٩)

 

جَهْدِي   فِرَارٌ    إِذَا    طَارَدْنَنِي    وَلَعًا

وَبَيْنَ   قَوْسَيْنِ  إِنْ أَجْفَلْنَ أَحْتَصِرُ(٢٧٠)

 

بُعِثْتُ    لِلشِّعْرِ    فَرْدًا    في   قِيَامَتِهِ

كَأَوَّلِ    الْخَلْقِ     يَوْمَ   الْحَشْرِ   يَنْحَشِرُ

 

وَاسْتَحْفَظَتْ كُتُبِي أَخْبَارَ مَنْ رَحَلُوا

وَاسْتَوْدَعَتْ صُحُفِي أَنْبَاءَ مَنْ هَجَرُوا))

المعاني:

(٢٣٤) تمروا: طابوا.

(٢٣٥) نجمة الليلاء: الليلة شديدة الظلمة، الصبّ: المشتاق، مشدوه: مشغول، سدر: متحيّر.

(٢٣٦) أملى عليك: طال بك، الناموس: مكمن الصيّاد المراقب فريسته، مقتتر: كامن في قُتْرته “كامن في الموضع الذي يراقب منه الصيد”

(٢٣٧) مطروا: مشوْا وذهبوا.

(٢٣٨) لا تستسق: لا تطلب السُّقيا من، خطرفة: هذيان، هتروا: حمُقوا وجهلوا.

(٢٣٩) تستحلك: تُظلِم: النهر: مفردها نهار.

(٢٤٠) استنهجت: سلكت مسار رحلته، معقود به السفر: مربوط به السفر.

(٢٤١) اتّجار: تجارة، الهدر: الألقاط والأوباش.

(٢٤٢) أجدوه: أعطوْه.

(٢٤٣) متربة: فقر ومسكنة، البدر: الأكياس التي تحتوي على ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار.

(٢٤٤) بعزق: بدّد وفرّق، الهكر: أشدّ العجب.

(٢٤٥) توكى: تُشَدُّ، الصرر: صرر وأكياس الأموال.

(٢٤٦) قتامة: الظلمة الزائدة، ضبب: المكان يكثر فيه الضباب.

(٢٤٧) يَدِر: يسقط مغشيًّا عليه.

(٢٤٨) تنتسل: تنفكّ وتنحل.

(٢٤٩) عميت عنها: لم تشاهد شمس السماوات، دثر: الشيء الشائن الخبيث القذر.

(٢٥٠) حويجاء، لويجاء: حاجة.

(٢٥١)  الخمر: السكران.

(٢٥٢) الطرر: مفردها طُرّة: قُصّة الشَّعر.

(٢٥٣) النهَر: السعة.

(٢٥٤) شبروا: قاسوا بالشبر.

(٢٥٥) متروا: قاسوا بالمتر.

(٢٥٦) حبّ ملوك: الكرز، يانع: شديد الحمرة، الغمرة: بودرة تجميل أحمر الخدود، مغتمر: مطليّ بالغمرة.

(٢٥٧) المخفار: الفتاة شديدة الحياء، تعتجر: تختمر بالعجار.

(٢٥٨) يرتجّ: اهتزّ، دعة: هدوء، المهر: غضاريف الضلوع.

(٢٥٩) الإيناع: النضج وأوان القطاف، منغمر: منغمس.

(٢٦٠) وثر: وَطِئٌ، لَيِّنٌ.

(٢٦١) سرر: مفردها سرير، حصر: مفردها حصيرة.

(٢٦٢) دثُر: أغطية.

(٢٦٣) نكَر: قُبْح: كونها مصدر نكُر؛ وهي أيضا مصدر نكِر.

(٢٦٤) نُكُر: صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت من نكُرَ؛ أمر قبيح ينكره شرع الشعر والعقل، وتأتي بمعنى فَطِن.

(٢٦٥) أفتطر: أخلق.

(٢٦٦) من لا يصح: من مقولة الناس لي “لا يصح أن تقول أو تفعل كذا”.

(٢٦٧) تقولبت: شُكِّلت في قالب على شكل واحد، كتبت الشعر بأسلوب واحد أو تميّز لي أسلوب في الكتابة.

(٢٦٨) عذارى الشعر: بكر الصور والكلمات، عبِر: باكٍ.

(٢٦٩) بأبيات: بأبيات شعر، قولي قفا: قولي قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل كما قال امرؤ القيس عند الوقوف على الأطلال، الحبر: الابتهاج والسرور.

(٢٧٠) أجفلن: نفرن، أحتصر: أضيّق عليهنّ وأحيط بهنّ. 

تحقق أيضا من

قصيدة سلوفان الوجع

مَتَى الْقِنَاعُ الَّذِي سَتَرْتُ بِهِ ضَعْفِي.. مِنَ الْوَجْهِ الشَّمْعِ يَنْخَلِعُ!