عدد أبيات القصيدة
وَأَيْنَ الْحِجَا مِنْ رُشِدِ لُبٍّ وَزَرْتَهُ
وَخِدْنُكَ في الدُّنِيا الْفَيَافي الشُّوَاسِعُ(٧٧)
مَفَاوِزُ جَدَّاءُ الضُّرُوعِ كَأَنَّمَا
إِذَا طَابَ مَرْوَاهَا تَنَامَتْ دَعَادِعُ(٧٨)
صَحَارَى اسْتَطَارَ الْـمِثْلُ مِنْهَا تَشَارَسَتْ
بِأَنْحَائِهِنَّ اليَابِسَاتُ الْبَلَاقِعُ(٧٩)
تَرَى مِنْ مَدَى أُفْقٍ تَلَاعُبَ لَـمْعِهَا
فَتَحْسَبُها الْوَعْسَاءَ، وَهْيَ الأَجَارِعُ(٨٠)
نَوَاكَ إِلَهِي بِالْغَرَامِ، وَطِيبِهِ
حَوَاكَ وَشِيكًا مَغْدِقٌ مُتَوَاسِعُ(٨١)
حَنَانَيْكَ مَهْيَمْ؟ قَدْ خُبِلْتَ بِصَبْوَةٍ
تُكالِمُ نَجْمَاتِ السَّمَا، وَتُوَارُعُ(٨٢)
قَسِيمُكَ أَطْلَالُ الْغَرَامِ، وَنَدْبُهَا
وَفَرْطٌ مِنَ الْأَحْزَانِ في الْقَلْبِ هَائِعُ(٨٣)
وَتَفْضَحُكَ النَّظْرَاتُ شَرَّ فَضِيحَةٍ
وَدَيْجُورُها ادْلَوْلَى، وَأَبْطَأَ سَاطِعُ(٨٤)
وَعَيْنُكَ بِالْأَحْزَانِ قَدْ شَهَّرَتْ كَمَا
تُجَلِّي نَزِيلًا عَبْرَ نَقْبٍ قَوَاصِعُ(٨٥)
وَقَدْ طَارَدَتْهُ النَّارُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
فأَبْلَجَ مِنْ جُحْرِ التَسَتُّرِ تَالِعُ(٨٦)
وَتَكْشِفُكَ الأَبْصَارُ حِينَ تَحَزُّنٍ
وَتُدْرِكُهَا مِنْ بَعْدِ لُسْنٍ مَسَامِعُ
فَتَشْكُو لِطُوبِ الْأَرْضِ عِشْقَكَ يَا فَتًى
وَصِيتُ دُمُوعِ الْعَيْنِ في الْكَوْنِ ذَائِعُ
رَمَيْتَ سِهَامَ السِّرِ تُخْلِي سَبِيلَهَا
وَمَا السَّهْمُ إِنْ أَعْتَقْتَهُ مُتَرَاجِعُ
تَتُوهُ بِمَوْمَاةٍ مُصَابًا بِعِشْقِهَا
تُصِيبُكَ في سَنْوَاءِ جَدْبٍ زَعَازِعُ(٨٧)
وَشَرُّ الـْمَوَامِي مَا وَلَجْتَ كَحَيْدَرٍ
جَرِيحٍ بِلَا حَيْلٍ، وَيَدْهُوهُ بَاقِعُ(٨٨)
مَآسِيكَ في هَذَا الْغَرَامِ مَديدَةٌ
تُؤَلَّفُ مِنْهَا في الْحَيَاةِ مَرَاجِعُ
غَرِيرُكَ قَلْبي مِنْ عَذَابٍ، تَرُحُّمًا
عَلَى أَنَّ صَبًّا ضَائِعَ الْقَلْبِ سَائِعُ)(٨٩)
أَقُولُ إِذَا مَا اسْتَوْقَفَتْنِي حَلِيلَتِي
(وَهَلْ لِقَضَاءِ اللهِ رَادٌّ، وَمَانِعُ(٩٠)
لِمَ الخَوْفُ مِنْ حُزْنٍ، وَنَارِ وَجِيعَةٍ
وَمَسْرَاي في خَطِّ النَّصِيبِ وَجَائِعُ(٩١)
وَمَا الْخَوْفُ مِنْ وَجْدٍ سِوَاهُ جُهَنَّمِي
وَقَلْبيَ مَفْطُورٌ عَلَى الْحُزْنِ بَاخِعُ(٩٢)
وَإِنَّ الْفَتَى يُمْسِي يَخَافُ، وَيَتَّقِي
وَكُلُّ الذِي يَخْشَاهُ في الصُّبْحِ وَاقِعُ
وِفِي غِيَرِ الْأَزْمَانِ عِتْقٌ، وَفُرْجَةٌ
بِهَا فَرَجٌ آتٍ عَجِيبٌ، وَبَادِعُ(٩٣)
وَإِنْ ضَامَتِ الدُّنْيا بِأَلْفِ مُصِيبَةٍ
يُرَى فَرَجٌ بَعْدَ الـْمَصَائِبِ وَاسِعُ(٩٤)
وَنَحْنُ السَكَارَى في الْغَرَامِ قُلُوبُنا
فَرَاشٌ عَلَى جَمْرِ الْهَوَى مُتَقَادِعُ(٩٥)
وَخَوْضِي حُرُوبَ الْعِشْقِ طَيْشُ حَمَاسَةٍ
وَمَا لِجُموحِ الْقَلْبِ في الْعِشْقِ رَادِعْ
أَقُولُ لِقَلْبي: (لَا رَجَاءَ بِعِشْقِهَا)
يَرُدُّ: (صَهٍ تَبَّتْ يَدَاكَ اخْبُ صَاقِعُ(٩٦)
فَلَا يَسْتَوِي مَنْ يَسْتَكِينُ لِخَيْبَةٍ
وَعَاتٍ عَنِيدٌ في الْحُرُوبِ يُصَارِعُ
رَفِيقُ الْهَوَى شِعْرٌ، وَلَا شِعْرَ مِثْلُهُ
وَلَا عَجَبٌ شِعْرُ التَّغَزُّلِ شَائِعُ
فَدَوِّنْ لَهَا شِعْرًا، وَلَوْ أَنَّ مَا يُرَى
بِأَبْنَائِهَا ذَرْعًا تَضِيقُ الْـمَطابعُ)
فَلَا تَأْسَفِي يَوْمًا لِقَلْبِي، وَأَبْشِرِي
فَقَلْبي مُبِيحٌ لِلْعَذَابِ، وَشَارِعُ(٩٧)
سَجِينٌ، وَمَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعِشْقِهَا
وَلَيْسَ لَهُ في سِجْنِهِ مُتَرَافِعُ
وَجَلَّادُهُ الشَّوقُ الْحَبِيسُ بِنَبْضِهِ
وَقُضْبَانُ سِجْنِ النَّبْضِ تِلْكَ الْأَضَالِعُ
وَتَجْلِدُهُ الذِّكْرَى، وتَصْلُبُهُ عَلَى
عَرُوسَةِ سِجْنٍ حَيْثُ تَقْسُو الْـمَقَامِعُ(٩٨)
وَفَي وَحْلِ تَفْتِينٍ تُمَرْمِغُ أَنْفَهُ
وَكَوْمُ جَفَاءٍ بِالْكَرَامَةِ سَافِعُ(٩٩)
يُنَجِّمُ في الْـمَقْبُورِ مِنْ ذِكْرَيَاتِهِ
وَمَاضٍ هُوَ اسْتِطْلَاعُهُ أَوْ مُضَارِعُ
يُبَصِّرُ مَا قَدْ غَابَ عَنْ قِصَّةٍ مَضَتْ
يُفَتَّشُ في الْـمَاضِي، وَيُقْرَأُ طَالِعُ
ولَيْسَ لَهُ في السِّجْنِ إِلَّا صُرَاخُهُ
وَمَا لِحَدِيثِ النَّفْسِ فِينَا رَوَادِعُ
بِنَبْضٍ جَهُورِ الْوَقْعِ مِنْ حَالِ كُلِّ مَنْ
تُرَافِقُهُ في ضَرْبِ نَارٍ مَدَافِعُ
عِقَابِيَّةٌ أَشْغَالُهُ وَقْتَ سِجْنِهِ
عَسِيرٌ هُوَ الـمَنْفَى كَمَا السِّجْنُ صَارِعُ
وَحِيدٌ، وَمَقْطُوعٌ بِهِ، دَقَّ مِعْوَلًا
لِيَنْزَعَ بِكْرَ اللفْظِ جَادَتْ مَقَالِعُ(١٠٠)
وَيَغْزِلُ مِنْ شَوْقٍ قَصِيدًا مُدَمْقَسًا
قَصِيدٌ فَشَا عِطْرًا كَمَا فَاحَ رَادِعُ(١٠١)
وَمِنْ صُوفِ دَرْوِيشٍ يُدَبِّجُ غَزْلَهُ
وَتَنْضُو حَرِيرًا في الليالي الْوَشَائِعُ(١٠٢)
يُزَاوِجُ أَلْفَاظًا، وَيُوحِي دَلَالَةً
هُوَ الشِّعْرُ خُبْزُ الْعَاشِقِ الْـمُتَوَاضِعُ
وَيَهْذِي هُذَاءً كَالْـمَجَاذِيبِ لَوْعَةً
كَحَاطِبِ لَيْلٍ حِينَمَا الْبَوْحُ رَائِعُ(١٠٣)
يُسَامِرُ صَيْفًا، وَالرُّعُودُ شِتَاؤُهُ
وَيَعْوِي خَرِيفًا، وَالنَّسيبُ مُرَابِعُ(١٠٤)
وَفِي دِفْءِ خَيَّامِيَّةٍ رَنَّ عُودُهُ
لِيَأْسَى لَفِيفٌ في الْهَوَى مُتَوَادِعُ(١٠٥)
مَعَا هِرُّهُ عَزْفًا بِمَقْطُوعَةٍ بِهَا
تَسَبَّى لِذَاتِ الْحُسنِ، والشِّعْرُ فَائِعُ(١٠٦)
وَيَشدُو بِأبْيَاتٍ تَغَنَّتْ بِعِطْرِهَا
خِطَابَاتُ مَغْرُومٍ، وغَنَّتْ طَوَابِعُ
يَطُوفُ كَمَخْبُولٍ بِمِبْخَرَةٍ عَلَى
حَوَانِيتِ عِشْقٍ حَيْثُ طَافَ الْـمَرادِعُ(١٠٧)
مَبَاخِرُ لِلْعُودِ الْعَتِيقِ بِشِعْرِهِ
تَفُوحُ عَلَى جَمْرِ الْقَصِيدِ الْـمَطالِعُ
المعاني:
(٧٨) مفاوز: صحارى، جدّاء الضروع: يابسة الضروع أي ليس بها حيوانات أو دواب، دعادع: مفردها دعدع: أرض جرداء الجَرْداءُ التي لا نبات بها.
(٧٩) استطار المثل: انتشر مثلها، تشارست: تعادت، بلاقع: الأماكن الخالية من كلّ شيء.
(٨٠) وعساء: الأرض الليّنة السهلة ذات الرمل التي تنبت، أجارع: مفردها أجرع: أرض ذات خشونة.
(٨١) نواك إلهي: حفظك الله، متواسع: الواسع (إِذا خـافَ جَـوراً مِـن عَدو رَمَت بِهِ مَـخــالِبُهُ والجـانِــبُ المُـتــواسِــعُ “حميد بن ثور”).
(٨٢) مهيم: ما أمرك؟ ما هذا يا امرأ؟، توارع: تكالم وتشاور.
(٨٣) قسيمك: شَطْرُك، ندب: رثاء وبكاء، هائع: حائر.
(٨٤) ديجور: ظلام، ادلولى: أسرع، ساطع: الشيء الواضح كالنهار.
(٨٥) قواصع: مفردها قاصعاء: جُحرٌ يحفِرُهُ اليربوعُ، فإذَا دخَلَ فيه سدَّ فمَه لئلاَّ يدخل عليه حيَّةٌ أو دابَّةٌ.
(٨٦) أبلج: وضح وظهر، تالع: مخْرج رأسه منْ شيءٍ يوارِيه أو يستره
(٨٧) موماة: صحراء، سنواء: شديدة، زعازع: رياح شديدة تحرِّك الأشياء، وتقلع الشجرَ بشدّة هبوبها.
(٨٨) موامي: مفردها موماة، حيدر: أسد، حيل: قوّة، يدهوه: ينزل ويحلّ به، باقع: ضبع.
(٨٩) غريرك قلبي: مخلّصك وفداؤك، سائع: شارد ضائع.
(٩٠) حليلتي: جارتي.
(٩١) مسراي: خطّ سيري.
(٩٢) وجد: شغف وحزن، باخع: قاتل نفسه حزنًا.
(٩٣) غير الأزمان: حوادثها ونوائبها، بادع: فريد عجيب.
(٩٤) ضامت: قهرت وظلمت.
(٩٥) تقادع: متساقط ومتتابع.
(٩٦) صه: اسكت، اخب: انطفئ، صاقع: يا كاذبُ وصه صاقعُ من الأساليب العربية القديمة.
(٩٧) شارع: مُسِنّ ومبين ومُظهِر.
(٩٨) عروسة سجن: آلة جلد بها فتحة تدخل فيها رأس المجلود ويربط ذراعيه إلى ذراعين خشبيين أفقيين ورجليه إلى القائمين الرأسيين، مقامع: خشبة أو حديدة معوجَّة الرَّأس يُضرب بها رأسُ الإنسان لإهانته وإذلاله.
(٩٩) سافع بكرامته: أخذ بها.
(١٠٠) مقالع: مفردها مَقلع: مَكَانُ قَلْعِ الحِجَارَةِ.
(١٠١) مُدَمْقَس: منسوج غنيّ بالزخارف، رادع: القميصُ به أَثرُ طِيب.
(١٠٢) يدبِّج: يجوِّد، تنضو: تتجرد من ملابسها، الوشائع: مفردها وشيعة: المكُّوك، وهو خشبة يُلَفُّ عليها أَلوانُ الغَزْل.
(١٠٣) حاطب ليل: يتكلّمُ بكلّ ما يمرّ بخاطرهِ.
(١٠٤) النسيب: شعر الغزل، مرابع: مقيم من ربيع إلى ربيع.
(١٠٥) خيّاميّة: شارع وأحد أشهر أسواق القاهرة وحرفة صناعة الأقمشة الملونة التي تستخدم قي عمل السرادقات والخيام ويطلق على هذا النوع من القماش، لفيف: ما اجتمع من الناس من أَخلاط شتَّى، المتوادع: المودِّع أفراده بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
(١٠٦) معا: ماءَ كالقطّ، تسبّى لذات الحسن: تحبَّبَ إِليها واستمالها، فائع: فائح.
(١٠٧) المرادع: مفردها مردع: من به أثر من طيب في جسده ومن يمضي في حاجته فيرجع خائبا.
