عدد الأبيات:
وَنَيْتُ، وَلَا أُسْبَى لِسَرْمَدِ لَيْلَةٍ
وَيَخْرَسُ -إِنْ بُحْتُ- الطُّغَاةُ الْأَشَاجِعُ(١٣٩)
وَهَيِّ بْنِ بيٍّ قَدْ تَحَدَّى، وَحُلْمُهُ
بُلُوغُ مَقَامِي، وَالْوَظِيفَةُ دَانِعُ(١٤٠)
إِذَا مَا ارْتَقَى عَبْدٌ لِطُورِ سِنِينِهِ
وَآنَسَ نَارًا طَيْفُهَا مُتَلَامِعُ(١٤١)
رَجَا قَبَسًا بَيْنَ الْأَمَارِيتِ أَوْ هُدًي
فَنُودِيَ مَا هَذَا طُوى، وَهْوَ سَامِعُ(١٤٢)
تُشَاغِلُهُ بِالضَّوْءِ، وَالنُّورِ نَبْتَةٌ
مُبَارَكَةٌ علَّيْقَةٌ، وَهْوَ خَاشِعُ(١٤٣)
دَنَا بِعَصَاهُ ارْتَاعَ لـِلْفَخِّ رَاغِبًا
إِذَا قِيلَ: (نَعْلَيْكَ انْتَزِعْ)، فَهْوَ خَالِعُ
عَصَاهُ إِذَا مَا خَالَهَا حَالَ نَفْعِهَا
مَتَاعٌ، وَكَمْ تُغْرِي الْعَبِيدَ الْأَمَاتِعُ(١٤٤)
وَمَا بِيَمِينِ الْعَبْدِ إِلَّا وَسِيلَةٌ
وَلا تَرْتَعِي في الْأَرْضِ إِلَّا الْـمَقَادِعُ(١٤٥)
مَآرِبُ أُخْرَى أَوْ يَهُشَّ بِهَا عَلَى
رَعَاوَى وَأفكارٍ لَهُ، وَيُشَايِعُ(١٤٦)
ويُلْقِي بِهَا أَرْضًا، فَيَلْقَفُ مَا ارْتَمَى
عَلَى الْأَرْضِ مِنْ سَعْيِ الثَّعَابِينِ رَافِعُ
وَيَفْلقُ بَحْرًا في الْحِصَار تُغِيثُهُ
إِذَا فَاضَ بِالشَّكْوَى، الْعُصِيُّ الصَّوَادِعُ
وَيَسْتَلُّ مِنْ جَيْبٍ يَدًا بَعْدَ غَرْسِهَا
فَشَعَّ سَنَا كَالْبَدْرِ أَبْيَضُ لَامِعُ
وَإِلْهَامُهُ في الشِّعْرِ صَارَ عَدُوَّهُ
وَأَلْفَاظُهُ مَا هُنَّ بَعْدُ طَوَائِعُ
يَئِنُّ إِذَا قَحْطُ الْقَرِيحَةِ غَالِبٌ
يَرِقُّ، وَلَا مَأْوًى لَهُ أَوْ مَفَازِعُ(١٤٧)
وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْبَوْحِ نَقْصٌ يٌصِيبُهُ
وَجَدْبٌ، وَإِمْلَاقٌ، وَتَفْشُو الشَّنَائِعُ(١٤٨)
وَأَهًّا لَهُ، رَبِّي أَجَنَّ جِبَالَهُ
بِطُوفَانِ لَغْوٍ، أَتْبَعَتْهُ التَّوَابِعُ(١٤٩)
وَلَمْ يَرَ شِعْرًا كَانَ أكثَرَ نَازفًا
تُراقُ بِمعْنَاهُ الدِّماءُ الْـمَوَائِعُ(١٥٠)
يُعَاوِدُهُ الْهَسْهَاسُ في نَبْتِ قَوْلِهِ
كَرَوضٍ، وَأَسْرَابِ الْجَرَادِ رَوَاتِعُ(١٥١)
وَجَائِحَةٌ مِنْ بَعْدِ أُخْرَى، وَقُمَّلٌ
بِيَافُوخِهِ، وَاسْتَوْطَنَتْهُ الْهَرَانِعُ(١٥٢)
إِذَا سَمِعَ الذِّوَاقُ طَبْخَةَ عَقْلِهِ
تَعَجَّبَ حَتَّى قُالَ: (تَعْوِي الضَّفَادِعُ)
ثَمَانٍ مِنَ الْآيَاتِ حَاطَتْ طَرِيقَهُ
وَخَاتَمُ أَجْزَاءِ الْبَرَاهِينِ تَاسِعُ
تَكَرَّى صَبَاحًا غَاصَ في نَعْسَةٍ صَحَا
إِذَا ضَوْءُ شَمْسٍ لِلْمَغَارِبِ ضَارِعُ(١٥٣)
عِدَادَ الثُّريا نَجْمُهُ الْفَرْدُ طَالِعٌ
عَلَيْهِ نُجُومِي صُبْحَ لَيْلَ طَوَالِعُ(١٥٤)
تُضَاجِعُهُ الْأَحْلَامُ يَحْسَبُ نَجْمَهُ
حُدَيَّا لِنُورٍ قَدْ رَأَى وَهْوَ طَالعُ(١٥٥)
يَظُنُّ ظُنُونًا أَنَّمَا قَدْ تَنَزَّلَتْ
عَلَى قَلْبِهِ بَعْدَ الخُرُوجِ شَرَائِعُ
وَنَقْشٌ عَلَى الْأَلْوَاحِ غذَّى خَيَالَهُ
وَعَشْرُ وَصَايَا عَقْلُهُ الْغِرُّ وَاضِعُ(١٥٦)
فَلَمّا رَأَ ى وَحْيَ الْـمُجِيدِينَ غَرَّهُ
رَجَاءٌ بِهِ عَقْلُ الْـمُغَيَّبِ طَامِعُ
فَقَالَ بِفَخْرٍ مَا تُسَوِّلُ نَفْسُهُ
لَهُ: (إِنَّنِي نِدٌّ لِهَذَا مُضَارِعُ)(١٥٧)
فَلَا فَخْرُهُ حَدَّ الْجِبَالِ مُطَاوِلٌ
وَلَا كِبْرُهُ حَدَّ السَّمَاءِ مُتَالِعُ(١٥٨)
وسَابَقَ أَوْهَامَ الْـمُحَالِ مُرَاهِنًا
يُسَابقُ مَكْسُورًا عَلَى السَّبْقِ ظَالِعُ(١٥٩)
تَسَلَّقَ أَطْوَادَ الـْمُحَالِ سَمَاءَهَا
وتُسْقِطُهُ قَاعًا هِشَاشٌ يَرَامِعُ(١٦٠)
رَئِيٌّ هُوَ الْجِنِّيُّ ضِغْثُ فِرَاشِهِ
وَتَلْمَعُ في الرَّأْسِ الضّلُولِ الْأَسَايِعُ(١٦١)
غَوَى في نُبُوءَاتٍ، وَلَـمْعِ نُبُوَّةٍ
وَيُوهِمُهُ كَالْآلِ في الْبِيدِ خَادِعُ(١٦٢)
تَأَبَّطَ زَهْوًا، وَالطُّمُوحُ يَصِيدُهُ
وَمَا لِجُموحِ الْكِبْرِ في النَّفْسِ رَادِعُ(١٦٣)
وَلَمْ يَرَ في مِرْآتِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ
وَشَرُّ الْوَرَى مُسْتَكْبِرٌ مُتَتَالِعُ(١٦٤)
وَتسْرِقُهُ السِّكينُ وَهْوَ مُذَبَّحٌ
بِسِكِّينِ إِعْرَاضٍ، وَتُلْوَى الْأَخَادِعُ(١٦٥)
وَقَدْ فَرَّ مِنْ سَوْءَاتِهِ كُلُّ زُخْرُفٍ
تَعَرَّتْ بِسِكِّينِ الْغُرُورِ الطَّبَائِعُ
يَظَلُّ الفَتَى يُخْفِي حَقِيقَةَ طَبْعِهِ
فَيُظْهِرُ أَوْصَافًا، وَيَغْلِبُ طَابِعُ
وَيَا بُؤْسَ مَنْ أَعْمَتْهُ ظُلْمَةُ كِبْرِهِ
ذَلِيلُ الْأَمَانِي كِبْرُهُ مُتَضَارِعُ(١٦٦)
وَفِي ظُلُمَاتِ التِّيهِ سَبَّحَ قَلْبُهُ
وَتَلْفُظُهُ مِنْ بَطْنِ حُوتٍ مَدَاسِعُ(١٦٧)
سَقِيمٌ، وَمَنْبُوذٌ بِأَعْرَاءِ ظُلْمَةٍ
وَأَشْجَارُ يَقْطِيني عَلَيْهِ صَعَاصعُ(١٦٨)
فَأَبْرَأْتُ عَطْفًا عُقْدَةً مِنْ لِسَانِهِ
فَتَشْدُو شِفَاهٌ رَاضِيَاتٌ قَنَائِعُ(١٦٩)
وَكَدَّ بِمَعْسُولِ الْكَلَامِ لِسَانَهُ
وَحِكْمَاتُهُ أَثْنَتْ عَلَيهَا الْوَضَائِعُ(١٧٠)
وَكَثَّفَ إِيجَازًا وَمَعْنَاهُ مُغْدِقٌ
فَتَنْبُعُ مِنْ بَطْنِ الْكَلَامِ جَوَامِعُ(١٧١)
وَأَسْهَلَ أُسْلُوبًا تَدَاوَلَهُ الْوَرَى
مَجَارِيهِ مَا بَيْنَ الْعِبادِ شَّوَائِعُ(١٧٢)
هُوَ الْـمُبْعِدُ الْـمَكْنُونَ مُخْفٍ لِحُسْنِهِ
وَلِلْمُبْهَمِ الْـمَهْجُورِ بِالنَّصِ قَاشِعُ(١٧٣)
لِـمَلْمَحِ إِنْسَانِيَّةٍ نَزَعَاتُهُ
لِأَيِّ مِثَالِيٍّ بِهَا هُوَ نَازِعُ(١٧٤)
فَطَهَّرَ سَوْءَاتٍ بِطُهْرٍ مُزَيَّفٍ
فَمِرَّتُنَا طُهْرٌ عَرَتْهُ كَوَالِعُ(١٧٥)
وَمَا مَنْبِتُ الْإِنْسَانِ إِلَّا خَطِيئَةٌ
أَلَمْ تُقْصِهِ مِنْ دَارِ خُلْدٍ مَقَاذِعُ(١٧٦)
قَدِ اسْتَحْضَر الْـمَاضِي، وَأَمْطَرَ نَصَّهُ
تَنَاصٌّ تُرَاثِيُّ الْهَوَى مُتَشَايِعُ(١٧٧)
المعاني
(١٣٩) ونيت: تجاهلت، لا أسبى لسرمد ليلةٍ: لا أحمل همًّا.
(١٤٠) هيّ بن بيّ: من لا يعرف أصله (وربّ هيّ بن بيّ)، دانع: خسيس.
(١٤١) طور سنينه: واديه المقدّس، متلامع: مستمر في اللمعان، هُوَ الشيخُ ما العينينِ عينا شريعةٍ وحـقــيــقــةٍ أنـوارُهــا مُـتــلامِــعَه “محمد الغيث النعمة”، قُطبُ العُلومِ أَخو المَعارِفِ وَالحِجى ذو فِطنَةٍ كَالبارِقِ المتلامِعِ “المفتي فتح الله”
(١٤٢) أماريت: مفردها مرت: صحراء مقفرة لا نبات فيها، طوى: واد مقدّس.
(١٤٣) عليقة: شجيرة شوكية مما كان ينبت في صحراء سيناء، ويحتمل أن منها تلك العليقة التي رآها موسى النبي في البرية.
(١٤٤) الأماتع: مفردها متاع.
(١٤٥) ترتعي: ترعى، مقادع: مفردها مقدعة: عصا يقدع بها ويدفع بها الإنسان عن نفسه، والمَقادِعُ: عِوارُ الكلامِ.
(١٤٦) رعاوى: الإبل ترعى حول القوم وديارهم، يشايع الإبل: يصيح بها.
(١٤٧) مفازع: ملجّأ.
(١٤٨) تفشو: تنتشر، الشنائع: مفردها شنعة: الشيء الكريه أو القبيح.
(١٤٩) أهّا: أتأسّف، ربّي أجنّ جباله: صار مخبولا.
(١٥٠) كان أكثر: لم ير أكثر نزفا منه.
(١٥١) الهسهاس: الكلام الخفيّ لا يفهم ولها معان أخرى.
(١٥٢) هرانع: القمل.
(١٥٣) تكرّى: نام، ضارع: مائل للمغيب.
(١٥٤) عداد الثريّا: مرة في الشهر.
(١٥٥) تضاجعه الأحلام: تلازمه، حديّا: مكافئ له.
(١٥٦) الغرّ: الغافل غير المجرّب.
(١٥٧) مضارع: مكافئ.
(١٥٨) متالع: مطاول.
(١٥٩) ظالع: أعرج (مكسور يسابق ظالع مثل قديم).
(١٦٠) أطواد: مفردها طود: جبل، يرامع: مفردها يرمع: حجارة رخوة.
(١٦١) الرِّئِيُّ الجِنّيُّ: يعرض للإنسان ويطلعه على ما يزعمُ من الغيب، أو يلهمه الشعر، ضغث: خليط وهو كل ما جُمع وقبض عليه بجُمع الكفّ ونحوه من شيء قليل وضغث الأحلام: ما كان منها ملتبسًا مضطربًا يصعب تأَويله، أسايع: مفردها أسيع: الماءُ أو السرابُ المُضْطرِب.
(١٦٢) الآل: السراب، البيد: الصحارى.
(١٦٣) تأبط زهوا: لازم زهوه.
(١٦٤) متتالع: تتالع في مشيه: مدّ عنقه ورفع راسه.
(١٦٥) يسرقه السكين: كناية عن التمادي في أمر والاغترار بحسن ظواهره مع الذهول عما فيه من الضرر العظيم، وأصل هذه الكناية في الداجنة تذبح بسلاح ماضٍ فتجري قليلًا بعد ذبحها، كأنها سليمة ثم تقع فيقولون: «سرقتها السكين.» من كتاب كنايات العاميّة المنشور على موقع مؤسسة هنداوي، تُلوى الأخادع: لوَى أخدَعَه: أعرض، وتكبّر.
(١٦٦) متضارع: متذلّل.
(١٦٧) مداسع: المدسع: مجرى الطعام أو البلعوم أو المضيق.
(١٦٨) أعراء: مفردها عراء: الفضاءُ ، مكان خالٍ مكشوف لا يُسْتَتَرُ فيه بشيءٍ وهو الأرض المستوية والمُصْحِرة، وليس بها شجر ولا جبال ولا آكام ولا رمال، صعاصع: متفرّقة.
(١٦٩) قنائع: راضيات.
(١٧٠) كدّ لسانه: أتعبه، الوضائع: كتب الحكمة.
(١٧١) مغدق: مخصب ومتّسع رغدا، جوامع الكلام: ما يكون لفظه قليلاً ومعناه جزيلاً.
(١٧٢) شوائع: منتشرة متداولة.
(١٧٣) المكنون: المستتر، قاشع: مزيل.
(١٧٤) نازع إليه: ذاهب إليه.
(١٧٥) مرّتنا: أصلنا ومزاجنا، كوالع: أوساخ ومفردها كولع.
(١٧٦) مقاذع: فحش أو فواحش.
(١٧٧) تناصّ: تشابه بين النصوص أو استحضار مماثل للصور والمعاني والمواضيع بين النصوص، متشايع: منتشر.
